منذ يومين كان موعدنا الأوّل، وأخيراً بعد طول انتظار التقيته، هو من تعلّقت بصوته وكلماته وموسيقاه منذ سنتين فقط، نعم قد يبدو غريباً أنني لم أسمع موسيقى زياد الرحباني إلّا قبل سنتين فقط، هو من تربّت أجيال على فنّه.
حسناً، أعترف من دون خجل بأنني لم أكن أعرف من هو زياد الرحباني، لقد كنت أسمع الناس يردّدون بعضاً من العبارات للسخرية بعضهم من بعض أو للمزاح، وهي مستمدّة من أعماله دون أن أدرك ذلك مثل quot;العقل زينةquot;، وquot;يا ثريا إبنك ذكي بس حمارquot;، quot;حبيب قلبي يا بركاتquot; وغيرها من العبارات... منذ سنتين فقط بدأت تصيبني الحشرية لأعرف من هو هذا الرجل الذي يصفه البعض بالعبقري، فيما يراه آخرون مجنوناً، والبعض الآخر ينظرون إليه وكأنه مصيبة حلّت، إنسان خارج عن أعراف المجتمع.
هذا التناقض وهذا الجدل الكبير حول هذ الإنسان وهذه الشخصيّة، جعلتني في عمر الـ23 أبدأ بالبحث عنه وعن إبداعه وعبقريته وجنونه واختلافه وسيئاته، البحث عن حياته الخاصة، نظرته للمرأة، آرائه السياسيّة، أفكاره، أخطائه وما ارتكبه خلال مراهقته وصباه، علاقاته وحياته الشخصيّة، وكل ما هو متاح... لقد غُصت في هذا الإنسان من دون التوقف عند حدود الخصوصيّة لأنني كلما اكتشفت جديداً زادت حشريتي لمعرفة المزيد.
بدأت بمتابعة مقالاته، لم أكن أفهم شيئاً مما يكتبه في البداية، فأعيد القراءة مرّة واثنتين وثلاثاً حتى أفقه بعض الكلمات والعبر والرسائل المبطّنة... بدأت أجمع موسيقاه منذ بداياته وحتى اليوم، فسمعت وأعجبت بها كلّها دون استثناء بدءاً مما قدّمه مع الراحل جوزف صقر، وصولاً إلى السيدة فيروز، مروراً بلطيفة وغيرهم الكثير، فأغرمت بهذه الكلمات.
عندها اخترت جمع هذه الأغاني وباتت زوّادتي اليوميّة، أسمعها مراراً وتكراراً خلال تنقلاتي في السيارة، فهذه الأسطوانات لم تعد تفارقني، أعجبت برسائلها الاجتماعيّة والسياسيّة، باللطشات الذكية، وبالسخرية المحبّبة إلى قلبي، وبدل أن أدخل إلى أعماق زياد الرحباني وأحاول فهم من هي هذه الشخصية المثيرة للجدل دخلني هو وبات له مكانة خاصّة في قلبي.
قد لا أكون معجبة قديمة بزياد الرحباني فأنا أعرفه منذ سنتين فقط، وقد أكون لا أعرف كل أغانيه ومسرحياته، وقد لا أكون جمعت كل فنّه وأعماله في مكتبتي الخاصّة، ولكنّني عشقته، وبعد أشهر من بدء بحثي عنه، بدأت أتابع كل الصفحات التي تضمّ معجبيه، أقرأ كلّ ما له علاقة به بشغف العاشق الذي يلهث وراء معشوقه.
بقيت أتمنى لقاءه ولو مرّة واحدة لألتقط صورة تذكاريّة أضعها على هاتفي وعلى صفحتي الخاصة على فايسبوك تباهياً أمام رفاقي وتعبيراً عن حبّي لهذا الشخص، ولكن حلمي هذا لم يتحقّق بعد ولو أنني أشعر برهبة من مجرّد التفكير بالأمر، أتحضّر لهذا اللقاء الذي لم يُحدّد بعد، أحاول تحضير ما سأقوله له وكيف سأبادره الكلام والتعريف عن نفسي، أحياناً أشعر بحماقتي من مجرّد التفكير بالأمر لحدّ الهوس ولكنني لا أستطيع كبح نفسي وأعاود التفكير والتحضير من جديد إلى أن مللت المحاولة من كبت هذه الأحاسيس وقتل هذه الأفكار.
منذ يومين استطعت رؤيته للمرّة الأولى في مهرجانات ذوق مكايل، بعدما اشتريت البطاقة بعد أيام من طرحها فحجزت مكاني للقاء من عشقته منذ سنتين وما زلت أحلم برؤيته. قدمت وحيدة إلى الحفل لأني لم أشأ أن أتلهّى مع رفاقي عنه أو أن أنزعج من كلامهم فيما أنا أودّ أن أكون في حالة تركيز معه. وصلت قبل موعد الحفل بساعتين، انتظرت أمام البوابة لحين فتحها، رأيت الزياديين الذين قدموا من مختلف المناطق لرؤيته، رأيت في عيونهم هذه اللهفة الموجودة في عينيّ. أخيراً فُتحت الأبواب ودخل كل واحد منا آخذاً مكانه، جلست بانتظاره لحين أطلّ مع فرقته الموسيقيّة، رأيته للمرّة الأولى وبدأت كاميرتي بالتقاط الصور له وتسجيل الأغاني وتصوير الفيديوهات غير آبهة برجال الأمن ولا بحقوق الملكيّة الفكرية.
كان زياد شخصاً عادياً، صعد المسرح وتوجّه إلى البيانو وبدأ العزف، لم أشعر بأمر مختلف لحين بدأ يصدح صوت الموسيقى وتُردّد الأغاني التي باتت خبزي اليومي، من quot;شو هالأيام اللي وصلنالاquot; إلى quot;كيفك إنتquot;، quot;تلفن عيّاشquot;، quot;اشتقتلكquot;، quot;بهل يومينquot;، quot;بما إنوquot;، quot;معلومات مش أكيدةquot;، quot;عودك رنّانquot;، quot;النظامquot;، فبدأت التصفيق والغناء على الرغم من خجلي، أخذتني الموسيقى ولم يردّني سوى صوت زياد الذي قال أولى كلماته بطرافته المعهودة حيث نكّت (كما يقال باللهجة اللبنانية) على الإعلان الذي تبنّته مهرجانات ذوق مكايل وهو July Sounds Cool، قائلاً إن هذا الشهر هو الأكثر حرارة فكيف وجده القائمون على المهرجانات كول، ولكن لنأمل أن يكون كذلك.
لقد أعجبتني بساطته وعفويته، لم أرَ ما اعتدت رؤيته من غيره من النجوم الذين يصرّون على توجيه التحيات والمجاملات، كان كلامه قليلاً ولكنه كان دليلاً على هذه البساطة والعبقرية والاحترام، نعم الاحترام بتقديم فن نظيف وتخفيف الكلام المعسول... هذا هو زياد؛ لقد تعرّفت إليه أخيراً، هو من رافقني يومياً في سيارتي وخلال عملي منذ عامين، من كانت كلماته متنفساً لأنسى الكثير مما أردت نسيانه، من كانت موسيقاه دواءً لي وثقافة لطالما حلمت باكتسابها، من كانت مقالاته ماءً يروي عطش فكري.
زياد! إسمح لي بأن أزيل الحواجز وأقول لك quot;أحبّكquot;، ليس فقط quot;أحبّكquot; بل quot;أعشقكquot;، قد لا أكون معجبة بكل شريط حياتك وبعض تصرّفاتك، ولكني أعلم أن شعوري هذا لن يهزّك ولن تتأثر به، وأقولها ضاحكة، ولكنني أعشق ما زرعته في داخلي، أعشق الفرحة التي تنتابني عندما أسمعك والآن بعدما رأيتك.
زياد الرحباني، إلى اللقاء المقبل يا quot;حبيباًquot; عشقته أذناي قبل عينيّ.




التعليقات