لا شك ان التغيير الذي طرأ على المشهد السياسي في اقليم كردستان في الاعوام الاخيرة وتشكيل اول حكومة تكنوقراط برئاسة الدكتور برهم صالح كانت احدى الظواهر الايجابية التي افرزتها انتخابات 2009 في اقليم كردستان.لانها كانت وليدة ظروف سياسية معقدة مر بها الاقليم في الاعوام الاخيرة.

وكانت تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة صالح و بتكليف من التحالف الكردستاني بمثابة الاختبار الحقيقي للحزبين المتحالفين لان الحكومة الجديدة كانت تحتاج الى وقت كاف و جهود كبيرة لانتشال هذه الجماهيير من الاوضاع السلبية وعلى المستويات كافة.

لكن الحكومة المشكلة من قبل الدكتور برهم صالح لم تتمكن من ممارسة مهامه بشكل أوسع ولو وفق منطق استثنائي ينسجم مع وضع المرحلة الأنتقالية.فقد تعرض الدكتور برهم صالح لحملات اعلامية مغرضة بسبب تضرر حزبي البرزاني والطالباني بالدرجة الاولى من حملة اصلاحات حكومته وخاصة في ملف ايقاف تهريب النفط بشكل غير قانوني.

وكان اطلاق هذه السياسة الاصلاحية من قبل حكومة برهم صالح ضرورة سياسية ملحة من اجل تطبيق برنامج عمل القائمة الكردستانية والذي تم الأتفاق عليه مع حزب البرزاني وخاصة فيما يتعلق بقضية ازالة الفساد وفصل الحزب عن الحكومة وتلبية تطلعات الشعب والتجاوب مع طموحاتهم المشروعة لكردستان أفضل.

لكن حكومة الدكتور برهم صالح لم تدم طويلا فقد قدم برهم صالح استقالته من الحكومة و بدون ذكر الاسباب وتولى نيجيرفان البرزاني من جديد منصب رئيس حكومة الاقليم،
وقد اجمع المراقبون والمحللون على أن حكومة اقليم كردستان كانت تعاني من أزمة نظام. ففي الاقليم لا يوجد وضع أو تصنيف جامع للنظام الكردستاني الى حد الان.فالاحزاب الحاكمة تسعى جاهدة الى الأستعانة ببعض النظريات السياسية الحديثة التي تعني بمعالجة المجتمعات المعقدة.

ومن هذه النظريات السياسية نظرية معروفة تقوم على توازن القوى التي تعني قانونيا وجود مراكز قوى متعددة ومتوازنة. وهذا النظام يمكن العثور عليه في المجتمعات المتقدمة والمتخلفة. وبالأستناد عليه يمكننا شرح خصائص النظام الكردستاني، وفهم البنية التي يقوم عليها المجتمع السياسي الكردستاني، ومعرفة الأساليب المستخدمة للأبقاء على التوازن السائد فيه.

ففي هذا النظام لا نعثر على فرد ولا على مجتمع لأن الجماعات (أي الاحزاب في اقليم كردستان) وحدها هي التي تتحرك وتغطي الساحة. ولهذا يبقى الفرد أو المواطن خارج المسرح السياسي، ويغيب المجتمع الوطني المتلاحم لأن كل حزب في منطقة يعتبر نفسه مجتمعا قائما بذاته لا تربطه بالمجتمعات المتجاورة الا روابط واهية تفرضها فكرة الأستمرار في التعايش وصون المصالح الخاصة المتقلبة.

وبنتيجة هذا الوضع تتحول الحياة السياسية الى عمليات ضغط وتجاذب وتكاذب ونفاق تمارسها الجماعات السياسية القائمة على الولاءات المناطقية والعشائرية لتحقيق بعض المكاسب، ولو أدى ذلك في بعض الأحيان الى دخول في معارك دامية ( راجعوا ملف الاقتتال الداخلي) ويتحول الفرد الى أداة لخدمة مارب جماعته، فتغيب مواقفه السياسية وتتلاشى شخصيته. وتتحول الدولة الى الة تعمل لحساب زعماء الجماعات السياسية ( استقالة د برهم صالح )، أو الى مزرعة يتقاسم خيراتها ويصبح الزعماء المناطقيون المرجع الوحيد لكل طالب خدمة أو وظيفة.

هذا النوع من النظام السياسي يساعدنا على فهم النظام الكردستاني الذي يعتمد على صيغة مبدأ تقوم على توازن قوى دقيق بين قوى مختلفة ومراكز قرارات متباعدة( اتفاقية واشنطن بين الطلباني والبرزاني ). وجميع هذه القوى والمراكز مكرهة بشكل عام، خشية أن يختل التوازن، على اتباع أسلوب التفاهم المتقطع الذي يتخلله أحيانا ميل الى المناورة أو الخصومة الحادة التي قد تنتهي بأستخدام القوة المسلحة.

ومن خصائص هذا التوازن أنه لايسمح لجماعة سياسية من الجماعات التي يتكون من المجتمع بفرض نفسها على غيرها بصورة دائمة، ولعل السبب يكمن في أنها لاتملك (او لايسمح لها بأن تملك) من القوة ما يؤهلها للأستيلاء على السلطة. ولهذا يبقى الاتفاق أو التوافق المشوب بالرياء الصيغة الحتمية لتامين التعايش، لا العيش، بين هذه الجماعات المتنافرة.

وفي غمرة الحرص على تأمين التوازن تتلاشى فكرة الوطن، وتتبخر فكرة الدولة وتضيع المصلحة العامة ويتحول البلد الى ميدان سباق للمصالح الخاصة يديره ويسيره زعماء الجماعات السياسية فينظمون حفلاته و يتقاسمون ريعها ويتركون للناس حرية التفرج والتصفيق، وأحيانا حرية الصراخ للتعبير عن فرحة عابرة او نقمة طارئة.

أما عن دور النواب في البرلمان في ظل هذا النوع من النظام السياسي كردستان فتكاد تكون شبه معطلة، فلقد مارس زعماء الجماعات السياسية كل أساليب الضغط والأذلال حتى كاد يلغيهم تماما.. ويوما بعد يوم تزايدت وسائل التأديب شراسة من عدم أحترام نواب المعارضة من قبل رئاسة برلمان كردستان الى فرض نوع من الرقابة على الصحافة الأهلية والتضييق على الحريات العامة، الى تهميش مؤسسة رئاسة مجلس الوزراء( دورة برهم صالح) باعتبارها الوجه الابرز للحضور السياسي لكردستان بكل ما تمثله وترمز اليه.

ومن المفيد ان نشير هنا ان حكومة اقليم كردستان منذ عام 2009 ومع تولي نائب الوزراء العراقي السابق الدكتور برهم صالح رئاسة الحكومة سعت لأصلاح العديد من ألاعطال التي اصابت نظامه. وللأكثار من المؤسسات والمنظمات والجمعيات المدنية التي لاتقوم على أساس حزبي، وللتخفيف من وطأة التعصب الحزبي والمناطقي في نطاق العمل الحكومي، ولكن احداث السنوات الاخيرة وحث الحزبين الاتحاد الوطني وحزب البرزاني الدكتور برهم صالح على الاستقالة جاءت لتلغي بعض هذه المكاسب وتؤجج العصبية الحزبية ولا نعرف ماذا انجز لحد الان من برنامج التحالف الكردستاني خلال السنوات الاربع الاخيرة.

[email protected]