في العدد الجديد من قضايا اسلامية معاصرة الذي يحتفي بكيركجارد،نكتشف تلك الاستعارة التي يستتر خلفها الشيخ الدكتور عبدالجبار الرفاعي، فالرفاعي ينتقل في مقدمتة للعدد من سؤال غياب الانسان في أدبيات الجماعات الاسلامية الى سؤال غياب الذات. و هي نقلة تمثل عبور الرفاعي نفسه من تأثراته بمنجز حسن حنفي صاحب السؤال الأول، إلى آفاق هيدغر، صاحب سؤال نسيان الوجود. إنه عبور من خبث السياسات للمصالح، إلى صفاء الحياة الباطنية للكائن.هكذا يصل الرفاعي الى قطيعة مع مامضى من حياته الحزبية و المؤسساتية، مُعيداً اكتشاف نفسه. ولا غرابة ان ننصت للرفاعي في محاضراته الأخيرة و هو يتحدث عن براءة القرية التي خرج منها، و عن شعشعانية ابتهالات أمه في الصباح.
(الخلاص من نسيان الذات) العبارة التي يفتتح بها الرفاعي مسارات ملف المجلة، هي جزء من بلاغة اللوم و المراجعة، حيث لم تخلّف الجماعات الاسلامية سوى افلاطونيات رثة و تجريداتمُعاقة و سلوكيات مُرتبكة بين عرفانية لغوية و سلوكيات بهيمية. فعلى الضد من البديهة الاولى للجماعات الاسلامية حيث تذويب الفرد و نمذجة الخصائص و تجميد القناعات في قوالب مثّلية، يعود الرفاعي لطرح بديهية بديلة بكون مرتبطة بالطبيعة الباطنية للإنسان.ففي قبال سنوات من التهام التنظير و محاولة اعتقال الحقائق الاجتماعية المتنوعة، وصبها في قوالب جاهزة من قبيل ولاية الفقيه، أسلمة المجتمع، تطبيق الشريعة، الحاكمية..الخ، ينتقل الباحث الاسلامي الآن الى (البوح) بدل التمنطق، و الوجدانية بدل العقلانية، و الذات بدل الجماعة. الرفاعي هنا يُنزل عن كاهله اثقال أدلجة الدين بدعوى الوصايا العقلانية من قبل المثقف، الآن ثمة تمرد على فكرة (فلسفتـ نا، اقتصاد نـا، مجتمعـ نا) إلى وعي يقول ان لكل شخص فلسفته بحسب وجدانيته و مقدار قلقه، و هو وعي يقوم على الاعتزاز بالذات، بالضد من التنكر لها و الزهد فيها و الفناء عنها. هكذا يصل الرفاعي الى كسر بيضة النظرية (حيث احكام الجماعة : التشابه و التماثل في الاقوال و الافعال و الهوايات و الأزياء و الولاءات) و العيش خارجها، حيث منطق الإبداع : التنوع و التفرد و التغاير. بالطبع ثمة حلقة غير مُكتملة هنا تتمثل بحفاوة الرفاعي الأخيرة بالعرفاء القائمة تجربتهم على الفناء فكيف التوفيق بين هؤلاء و بين فكرة الخلاص من نسيان الذات؟!
بعدها ينتقل الشيخ الرفاعي من أحكام الجماعة، إلى وجدانية الفرد، وإلى (القلق) بدل اليقين. هنا يرمي الرفاعي نفسه بنهر ديمقريطس حيث يستقي من دِلال كيركجارد صاحب جدل الإنسان في تفكيك جدل الشريعة، و هيدغر صاحب استذكار الوجود حيث الحياة و المستقبل بدل استذكار الموت و الاحتضار الطوعي بتنميط الحياة: واجبات و محرمات مُعددوة سلفاً في كتابات الموتى الأحياء. إننا هنا أمام تحول مغاير في فكر الاسلاميين و رؤية جديدة في مرجعيات الإيمان يبتني على اكتناه قناعة خارج المؤسسة و المرجعية، هي بلا شك أكثر خطورة في سيرة الاسلاميين و أكثر إشاقة في بدء بحوث جديدة. في مقدمة الشيخ عبدالجبار الرفاعي، ثمة استبدالات جريئة و واضحة في مصادر التقييم و مرجعيات الخطاب و مستندات التأمل، ولا عجب انها ارتبطت أخيراًبكيركجارد، و كنت أتمنى من الشيخ الرفاعي لو أنه أكمل فكرة الخلاص من نسيان الذات و عدم بترها بنقل كلمات كثيرة لابن عربي و أشباهه، كانت في مجملها بعيدة عن هذه الفكرة الآسرة. و قد يكون الرفاعي ادرك مخاطر مرحلته الجديدة هذه فاستراب في تكملة المشوار بهذه السرعة فمثله لا يعرف العجالة.و كما قلنا في كتاب (النقاء و الارتقاء) ان الطريق القصير لا يوصل الى معرفة.





التعليقات