ثمة ظاهرة لافتة وذات أكثر من معنى، تتمثل في اختيار إدارة الرئيس دونالد ترمب ثلاثة من الدبلوماسيين لم يسبق لهم أن شغلوا منصبًا دبلوماسيًا رسميًا قبل الولاية الرئاسية المستجدة، والتي كان فوزه بها نقطة تحوُّل جذري في التعامل الأميركي مع دول العالم، وبالذات مع الأنظمة التي لا يرتاح الرئيس ترمب لها.
والمصادفة أن الثلاثة لبنانيون الأصل، باتوا بحكم الهجرة إلى بلاد العم سام أميركيين، شأنهم في ذلك شأن أكثرية المسؤولين الذين تعاقبوا على شَغل مناصب رسمية في الدولة الأميركية، حيث نجد هذا من أصل إيرلندي، وذاك من أصل إيطالي، وأولئك -وهم كثرة- متنوعو الأصول: إسبانية، أفريقية، فرنسية، عربية... لكنهم في رحاب الوطن الثاني على درجة من الإخلاص والوفاء، في ظل إدارات تتبدّل، حيث يكون التنافس عالي التحدي بين الحزبين. فذات انتخاب يكون الفوز من نصيب "الديمقراطي"، وذات انتخاب آخر من نصيب "الجمهوري".
مع ملاحظة أن عودة دونالد ترمب إلى كرسي الرئاسة، هازمًا كمالا هاريس (الحزب الديمقراطي)، التي بذل الرئيس جو بايدن الكثير من الجهد لكي تفوز، كانت اللحظة المنتظرة التي جعلت ترمب، الذي لا ينسى خسارته تجديد الرئاسة، يسدّد غضبه عليه بأقوال هازئة وتصرفات غير مألوفة، مثل إسقاط صورته (على جدار في البيت الأبيض، وذلك للمرة الأولى يحدث هذا التزيين) إلى جانب صور الذين ترأسوا الولايات المتحدة، من أولهم جورج واشنطن (من 1789 إلى 1797) إلى السادس والأربعين، قاذفًا مهابة الرئيس السلف (جو بايدن).
وفي حال قُيِّض لـ "الحزب الديمقراطي" أن يخلف ترمب، ستُعاد الصورة إياها إلى مكانها في تسلسل رؤساء الولايات المتحدة، وبأمل عدم الرد بالمثل، أي تُزال صورة الرئيس ترمب على غرار إزالة صورة الرئيس بايدن.

الدبلوماسيون الثلاثة الذين أسندت إليهم إدارة الرئيس ترمب مهمة بالغة الصعوبة، هي ترويض الصراعات في لبنان وسوريا ومعهما السودان، كانوا: طوم براك، الذي طرح ضم لبنان إلى سوريا في ذروة التعقيدات التي يعيشها النظام اللبناني، ومن إفرازاتها عقدة السلاح الإيراني لدى "حزب الله" والاشتباك السياسي اللبناني رسميًا وحزبيًا بشأنه.
ثم ما هو أكثر خطورة، أن الاعتداءات الإسرائيلية يومية على مناطق في الجنوب والبقاع وبعض بلدات منطقة بعلبك – الهرمل.
وبموازاة هذه الأوضاع التي تُعد مدعاة خيبة المواطن من رئاساته وحكوماته المتعاقبة على مدى أربعة عقود، هنالك الحالات المغلّفة بأنواع من الفساد، من بينها: الكهرباء غير المتوفرة على مدى عشر سنين، وميناء العاصمة التي فُجّرت صوامعه المحشوة بمواد كيميائية لحساب الغير.
وكان التفجير من حيث الدوي وسواد بعض سماء العاصمة بيروت صاعقًا، إلى جانب سقوط مئات الضحايا والجرحى والمحروقة وجوههم. وهو تفجير تكممت أفواه الفاعلين، كما العارفين، كما المنفّذين، فحدثت متاهة شبيهة بتلك التي نشأت عن تفجير رجل الدولة الإصلاحي رفيق الحريري.

وتكليف مبعوثين أميركيين أمر مألوف، بدءًا بعميدهم هنري كيسنجر أواخر الستينات. لكن ما هو خارج المألوف، أن الدبلوماسيين الثلاثة -كما أوردنا- لبنانيون الأصل، ويحملون الجواز الأميركي، شأنهم شأن أي مواطن أصيل.

بداية، وفي أحدث التكليفات، هنالك فيليب حبيب، الذي أثمر تكليفه بعد الغزو الإسرائيلي للبنان مطلع الثمانينات، إنجاز اتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، أوقف تبادل النار العرفاتية من لبنان والرد الإسرائيلي عليها، والذي تطور بحيث كانت بيروت أول عاصمة عربية تصل إليها برًا وجوًا قوات إسرائيلية قصفت جوًا مناطق في العاصمة، وما زالت إلى الآن تعتدي على مناطق في جنوب لبنان.
فيليب حبيب هو فاتحة إسناد الإدارة الأميركية مهمات دبلوماسية على درجة من التعقيد. وهو، مثل معظم الذين لم يولدوا في لبنان ثم هاجروا إلى الولايات المتحدة، فقد وُلد في نيويورك، وما يربطه بلبنان هو والده المهاجر إلى بلاد العم سام.
لكن مشاعر الأصل والنسب تبقى حاضرة في الوجدان. ومن أجل ذلك رأينا فيليب حبيب في مسعاه اللبناني – الفلسطيني – الإسرائيلي، يرى بذرة الشجرة التي نبتت في لبنان، متمثلة بوالده، حاضرة في حراكه مع ولاء مطلق للدور الرسمي المُكلَّف به من إدارة الرئيس الأربعين رونالد ريغان، الذي كرّمه بمنحه "ميدالية الحرية"، يقدّمها رئيس الولايات المتحدة لمن أبلوا المهمات الصعبة وحققوا فيها النجاح.

الدبلوماسيون الأميركيون الثلاثة الذين تتجسّد بهم الظاهرة اللافتة، هم:
مسعد بولس، الذي اختاره ترمب لإنجاز حققه، ولمصاهرة تزامنت مع الإنجاز، متمثلة بزواج مايكل، نجل مسعد بولس، من تيفاني، ابنة الرئيس ترمب من زوجته الأولى. وهو زواج بدأ باستلطاف متبادَل خلال مناسبة اجتماعية في جزيرة يونانية.
أما الإنجاز الذي حققه مسعد بولس، فهو تحفيز ناخبين من أصل عربي ومسلم -نسبة اللبنانيين من الجنوب وازنة في ولاية "ميشيغان"- وهو تحفيز أحدث تحولًا في هذه الولاية التي يعوّل الحزب الديمقراطي عليها، وجاءت لصالح ترمب، وحقق له -مع مفاجآت انتخابية أخرى- الفوز المبهر.
وكان "توسيم" الرئيس ترمب بعد فترة من الرئاسة تعيين مسعد بولس، اللبناني الأرثوذكسي المولود في بلدة "كفرعقا"، مستشارًا له للشؤون العربية وشؤون الشرق الأوسط، ثم كلفه بالمهمة الأكثر تعقيدًا، وهي الملف السوداني، بما يتضمنه من تعقيدات، لعل أهمها العلاقة السودانية مع الرئيس فلاديمير بوتين، والتي لم تكتمل استقرارًا، فضلًا عن الاحتراب الجنرالي في السودان، الذي على أهبة دخوله العام الرابع، ولا في الأفق بوادر اقتناع ومرونة لتسوية.
بدليل أن أحدث تصريحات الجنرال البرهان عقب صلاة الجمعة، أن حربه على شريكه في زمن الوفاق، الجنرال حميدتي، "لن تنتهي إلا بإنهاء تمرد قوات الدعم السريع وداعمي رفيق السلاح حميدتي".
لكن الرئيس ترمب يأمل من مستشاره حلًا مماثلًا لمعضلة سبق أن حققها بجدارة فيليب حبيب في زمن الرئيس ريغان.

ما هو أكثر لفتًا في إسناد إدارة الرئيس ترمب مهمات إلى أصدقاء من أصول لبنانية، كان تعيين ميشال عيسى، المصرفي والخبير المالي وفي التجارة الدولية، سفيرًا لدى لبنان. وهو تعيين تفاءل اللبنانيون خيرًا به، من أبناء الوطن (مواليد بلدة بسوس – قضاء بعبدا، حيث مقر الرئاسة اللبنانية ووزارة الدفاع، والجارة للضاحية الجنوبية من بيروت)، يخاطبهم باللغة العربية، وبالفرنسية التي يتقنها إذا تطلّب الأمر ذلك.
وذلك لأن كثرة من اللبنانيين ترفق الحديث بالعربية بكلمات فرنسية.
وما يستوجب التقدير للسفير الأميركي – اللبناني، أنه بدأ نشاطه بالحالتين الأكثر إيلامًا للبنانيين، وهما: الكهرباء المغيبة عنهم بفعل الفساد، حيث بدأ نشاطه بزيارة الشركة ووقف على حالها، بأمل أن "يكهرب اللبنانيين"، ثم بإطلالة على مرفأ بيروت، علّه -بما يملك من علاقة نوعية مع صديقه الرئيس ترمب- يحسم سرّ التكتيم على تلك الفاجعة، التي لم تُحقّق إطلالة سابقة عليها من جانب الرئيس إيمانويل ماكرون.

ما يتمناه اللبنانيون كما السودانيون، أن تُحقّق مهمة كل من مسعد بولس وميشال عيسى ما يريده الرئيس ترمب منهما... ويتمناه بطبيعة الحال الشعب اللبناني والشعب السوداني.
وعندها يُنهي السعي -بالتدرج- شرور الصراع والاحتراب.