الرقّة ليست مدينةً سوريةً فحسب، بل جرحٌ مفتوحٌ على ضفاف الفرات، ينزف بصمتٍ منذ أعوام. هنا، لا يمرّ الزمن كما في سائر المدن، بل يتثاقل، يتعثّر، ويترك ثقله فوق صدور الناس حتى يكاد يخنق أنفاسهم. في شوارعها، لا يسير الخوف خفيةً، بل يتقدّم علنًا، يسبق الخطوات، ويجلس في العيون قبل أن يستقرّ في القلوب.
تحت سماءٍ مثقلةٍ بالقلق، تعيش الرقّة حصارًا غير مرئيٍّ، لا تصنعه الجدران بل تصوغه القبضةُ الأمنية التي تلامس تفاصيل الحياة اليومية، من همسةٍ في سوق، إلى نظرةٍ على حاجز، إلى صمتٍ مفروضٍ في البيوت. المدينة، التي تزخر أرضها بالنفط والقمح، تبدو كخزانٍ يُستنزَف باستمرار، بينما يُترك أهلها على هامش الوفرة، يتقاسمون الفقر كما لو كان قدرًا مكتوبًا عليهم منذ الولادة.
لم تعرف الرقّة طعم السكينة منذ زمنٍ طويل. انتهت الحرب في ظاهرها، لكنها استقرّت في العمق، متحوّلةً إلى نمط حياة. لا إعادة إعمار حقيقية، ولا شفاء من الذاكرة، بل حالة شللٍ طويلة تُدار بعقلية الطوارئ، حيث يصبح الاستثناء هو القاعدة. الحواجز تتكاثر، والمداهمات تنفجر فجأةً ككابوسٍ ليلي، والاعتقال احتمالٌ دائم، لا يحتاج إلى تهمة بقدر ما يحتاج إلى اسمٍ أو وشاية. في هذا المناخ، يتعلّم الناس فنّ البقاء: كيف يتكلّمون بأقل قدرٍ ممكن، كيف يخفون آراءهم، وكيف يحملون خوفهم معهم كظلٍّ لا يفارقهم.
ومع هذا الخوف المتجذّر، لا يلوح في الأفق ما يخفّف وطأته. الكهرباء تزور البيوت على استحياء، والمياه تأتي وتغيب بلا وعد، والمشافي تفتقر إلى أبسط الإمكانيات، والمدارس لم تعد ملاذًا آمنًا للأطفال، بل مساحة قلقٍ إضافية في مدينة لم تعد تعرف معنى الطمأنينة. الفقر، من جهته، لا يطرق الأبواب، بل يسكنها. بطالة خانقة، دخل شحيح، وأُسَرٌ تحصي أيامها بما تبقّى من طحين أو خبز، لا بما تحمله من أحلام.
منذ الاتفاق الأخير، يعيش الناس على حافة الانتظار. انتظارٌ مُرهِق، يشبه الوقوف طويلًا تحت شمسٍ حارقة دون ظل. علّق كثيرون آمالهم على هذا الحدث، لا حبًّا بالسياسة، بل بحثًا عن أي نافذة، أي شقٍّ في هذا الجدار السميك من القمع والانتهاكات. غير أن هذا الترقّب لا يعني الرضا، بل يعكس إنهاكًا عميقًا، وخشيةً جماعيةً من عودة مشهد الدم والدمار. فالأهالي، الذين لم يكونوا يومًا طرفًا في المشاريع الكبرى ولا في الصراعات العبثية، دفعوا أثمانًا فادحة، واستُخدموا مرارًا كوقودٍ لمعركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وتحت الأرض، تمتدّ الأنفاق كأشباحٍ صامتة، تزرع في النفوس خوفًا إضافيًّا. كل بيتٍ مهدَّد، كل جدارٍ قابلٌ للانهيار، وكل صوتٍ مفاجئ يوقظ الهلع. ومع ذلك، لا يملك الناس رفاهية الرحيل. النزوح حلمٌ بعيدٌ لمن لا يملك المال، وتخزين الاحتياجات الأساسية ترفٌ لا قدرة عليه. هكذا يصبح السكان أسرى المكان، أسرى اللحظة، وأسرى واقعٍ لا يمنحهم خيارًا سوى الانتظار.
في كل منزلٍ حكاية موجعة: أبٌ أنهكه البحث عن عملٍ حتى انحنى ظهره، أمٌّ تُخفي دموعها وهي تنتظر خبرًا عن ابنٍ غاب خلف القضبان، أطفال يكبرون قبل أوانهم، يحملون خوف الكبار دون أن يفهموا سببه. التعليم يتراجع، والصحة تتحوّل إلى امتيازٍ طبقي، ومن لا يملك المال يُترك لمصيره، حتى لو كان هذا المصير فقدان حياةٍ كان يمكن إنقاذها.
في النهاية، تبدو الرقّة مدينةً ثريةً بالموارد، فقيرةً بالعدالة. تُدار خيراتها بعيدًا عن أهلها، ويُطلب من سكانها الصبر، وكأن الصبر وحده يكفي ليُبقي الإنسان حيًّا. وبين الخوف والانتظار، بين الحاجة والصمت، يظلّ السؤال معلّقًا في هواء المدينة الثقيل: إلى متى تبقى الرقّة تدفع من أعمار أبنائها ما يفوق قدرتها على الاحتمال؟
























التعليقات