لو كان السيد عبد الملك الحوثي زعيم حركة أنصار الله اليمنية أعلن انه سيجري تصويت لانفصال منطقة من مناطق اليمن كمحافظة صعدة على سبيل المثال أسوة برئيس اقليم كردستان العراق مسعود برازاني، لقامت الدنيا ولم تقعد.

البرازاني جرح مشاعر ملايين العراقيين، لأن الكرد شاركوا العراقيين بكل شيء فمن الناحية السياسية كانت ولا زالت لديهم حصة في المؤسسات الحكومية كما ان الرئيس العراقي يجب أن يكون كرديا وفقا للمحاصصة، ومن الناحية الاقتصادية شاركوا العراقيين في ثرواتهم، بينما اقتصر حكم اقليم كردستان على الكرد ولم يتقلد اي عراقي من الوسط والجنوب والشرق أية مسؤولية في الاقليم، وفي الوقت الذي عقد فيه العراقيون آمالهم على من يشاركهم في معاناتهم ونكباتهم نرى أن البارازاني يعلن الاستعداد لاجراء التصويت على انفصال الاقليم من العراق.

ربما لو اطلعنا على الأسباب والدوافع الحقيقية لسلوكيات وتصرفات الكرد لعذرناهم، وأعطيناهم الحق في الاقدام على أية خطوة يعتقدون انها السبيل لحفظ كيانهم، فالظلم الذي مارسه نظام صدام ضد الكرد والذي تبلور بالتنكيل بهم ومصادرة حقوقهم المشروعة وشنه العديد من المعارك ضدهم وكان من بينها مجزرة حلبجة؛ جعلهم يرتابون من أية حكومة تأتي الى بغداد رغم ان الكثير من المسؤولين العراقيين الحاليين قاتلوا في خندق واحد مع الكرد ضد نظام صدام.

يمكن تفسير السلوكيات السياسية للمسؤولين الكرد سواء أولئك الذين يحكمون اقليم كردستان أو المشاركون في الحكومة العراقية بكلمة واحدة وهي، أنهم يريدون ظهور نظام في العراق لا يعود الى تكرار الممارسات السابقة معهم، لا شك ان الارتياب ليس على مستوى واحد وسط السياسيين الكرد اذ نرى أعلى مستوياته لدى الحزب الديمقراطي الذي يترأسه البارزاني بينما تصل الى أدنى المستويات بل تذوب لدى أعضاء الاتحاد الوطني الذي يتزعمه الطالباني.

تحركات حركة انصار الله الأخيرة وكذلك الحراك الجنوبي لا تختلف من حيث المبدأ عن تحركات الكرد العراقيين فالنظام اليمني السابق شن 6 حروب على الحوثيين استخدم فيها حتى الطائرات لدك مناطقهم، ولكن كانت تقوى شوكتهم بعد كل حرب، كذلك جنوب اليمن فعان الأهالي من التهميش والاضطهاد والتمييز، وكما ان الحروب الستة لم تكسر شوكة الحوثيين بل زادت في قوتهم فان سياسة النظام ضد الجنوب لم تنل من ارادتهم وهويتهم وعزيمتهم، لذلك رأينا أن الشرارة الأولى للثورة اليمنية انطلقت من جنوب اليمن ثم انتشرت في كل مكان.

الحوثيون والجنوبيون سايروا العملية السياسية ولم يبدر منهم أي شيء طيلة السنتين الماضيتين من عملية التأسيس لنظام يمني يرتقي الى مستوى آمال وتطلعات كل اليمنيين، ولكن انتهت المشاورات واجتماعات الحوار الوطني ولم يحدث شيء، لا بل سعوا الى تكريس الوضع السيء السابق خاصة على الصعيد الاقتصادي بسعيهم الى تنفيذ مشروع الجرعة ورفع سعر بعض السلع مما يزيد في معاناة أغلبية اليمنيين.

من هنا يمكن القول أن الحوثيين مارسوا في تحركاتهم الأخيرة دور الحراس على أهداف الثورة التي انطلقت في فبراير عام 2011 وقدمت مئات الشهداء والجرحى، وما زحفهم على صنعاء ومحافظات أخرى ثم تسليم المواقع للسلطة الا دليل على أن هؤلاء القوم لا يريدون سلطة ولا حكم البلاد وانما يريدون نظاما عادلا يحترم حقوق كل المواطنين ويلبي كل طماحوتهم المشروعة، ومثل هذا السلوك والتحرك فريد من نوعه لا بل لا نرى مثيلا له في التاريخ المعاصر، بل على العكس تماما نرى أن كل من يشعر بأنه يمتلك عناصر القوة سرعان ما يستولي على الحكم ويستأثر به.

سلوك انصار الله والحراك في جنوب اليمن لا يختلف عن سلوك كرد العراق غير أن الفارق بين الطرفين هو أن الحوثيين يريدون بناء يمن جديد لكل اليمنيين، بينما الكرد جاهدوا وكابدوا ليبنوا البيت الذي يعيشون فيه بمفردهم، وربما نجحوا على المدى القريب في تحقيق ما كانوا يريدون، ولكن لو لم يشاركوا في بناء العراق الجديد لكل العراقيين فانهم سيواجهون مشاكل عديدة عندما يستعيد العراق عافيته.