من مفكرة سفير عربي في اليابان

لقد قضيت تقريبا عقد من الزمن في اليابان، وخلال هذه السنوات الطويلة، اتعرض دائما لسؤال متكرر: "ألم تشعر بالحنين لمهنة الطب." لقد عرفت جواب هذا السؤال من أحد مستشاري الرعاية الصحية، لرئيس وزراء اليابان، حينما سألته نفس السؤال، فذكرني بمقولة صينية قديمة تقول: "الطبيب يمر بثلاث مراحل في حياته، المرحلة الاولى يكون فيها طبيب يعالج الأمراض، وفي المرحلة الثانية يعالج المرض والمريض كوحدة متكاملة، وأما في المرحلة الثالثة ينتقل لمعالجة المرض والمريض والمجتمع." وفي تصوري حينما يصبح الطبيب وزيرا تتوسع نظرته لمسئولية المجتمع والمريض والمرض، لتترسخ حكمة "الوقاية خير من قنطار علاج"، ليقي المجتمع من الأمراض الطبية والاجتماعية، فيقلل كلفة الرعاية الصحية على الاقتصاد الوطني. وحينما يصل الطبيب للمرحلة الدبلوماسية، يضيف لخبرته معالجة المعضلات السياسية والدبلوماسية محليا، ودوليا، مع محاولة الوقاية منها.
فقد كانت التجربة الدبلوماسية لي تجربة غنية، وخاصة في طوكيو، حيث هي عاصمة المؤتمرات، والسفارات، والشركات المبدعة، والمؤسسات الدولية، والجامعات العالمية، بالإضافة لنشاطها الثقافي والسياسي والاعلامي، فهناك نادي للإعلام الاجنبي نشيط جدا، كما أن النادي الياباني للإعلام متميز في عمله. وتصدر جميع دور النشر في العالم نسخ من كتبها، ومجلاتها، وصحفها، في طوكيو، لذلك هناك كنز من المعلومة بمختلف اللغات، تصدر اسبوعيا. وقد تشرفت خلال الاسبوع المنصرم، بحضور احتفالية جائزة نوبل اليابانية، والمعروفة بجائزة كيوتو، بعاصمة الثقافة التاريخية في اليابان، وهي مدينة كيوتو. وارجو أن يسمح لي القارئ العزيز أن اسرد قصة زيارتي لهذه المدينة، وكدبلوماسي من مملكة البحرين.
بعد أن وصلت إلى قاعة المؤتمر، وانتظرت فترة لبدء الاحتفالية السنوية بحضور، سمو الأميرة الإمبراطورية تاكامادو، فتحت صفحة الانترنت على التلفون الجوال لأتابع اخبار بلدي، وإذا بي أجد تصريح لزعيم المعارضة البحرينية، كما وصلتني رسالة على "الوتس أب" من سعادة سفير سلطنة عمان في طوكيو. وقد فرحت جدا برسالة السفير العماني، حيث ارسل لي قائمة بترتيب منظمة الصحة العالمية لعام 2014 للأنظمة الصحية في دول العالم. وقد تربعت سلطنة عمان في قمة العشرة الأوائل، بترتيبها الثامن. وقد فرحت لهذا الخبر، فقد تابعت تطورات الرعاية الصحية في سلطنة عمان، منذ أن كنت وزيرا للصحة، في بدايات الالفية الثالثة، وقد انبهرت في ذلك الوقت، حينما قرأت تقرير في الاعلام الامريكي، عن مستوى الرعاية الصحية في سلطنة عمان، والتطورات السريعة بها، وشمولية هذه الرعاية، وكفاءتها، والاهتمام بالرعاية الصحية الوقائية. وقد نصح هذا التقرير المسئولين الأمريكيين بالاستفادة من هذه التجربة الخليجية، لمعالجة التحديات المزمنة في الرعاية الصحية الأمريكية. ومن الجدير بالذكر بأن ترتيب الولايات المتحدة السابعة والثلاثين، بينما كلفة رعايتها الصحية الاعلى في العالم، حيث تصرف ثمانية آلاف دولار سنويا على الفرد الواحد، بينما تصرف اليابان خمسة آلاف دولار، وترتيبها العاشرة، وبها أعلى نسبة لمعدل طول العمر.
فقد استطاعت سلطنة عمان، خلال عقود قليلة، أن تحقق الكثير من خطط تنميتها المستدامة، حينما استلم سلطان شاب الحكم، بعد أن انهى دراسته العسكرية والأكاديمية في بريطانيا، وبدأ الاصلاحات التنموية في بلاده، بمطالبة شباب المعارضة المشاركة فيها. وفعلا تفهمت المعارضة برغماتية العمل، فشاركت وابدعت، ولم تضع شروط لعملها، وابتعدت عن الايديولوجيات المتطرفة، وبدأت تلعب دورها في بناء عمان الحداثة. وقد لاحظت حينما كنت ادرس بكلية الطب بجامعة الخليج العربي كفاءة، وخلق، وهدوء، وجدية، وحكمة، الطلاب العمانيين، وعكس لي كل ذلك، مدى اهتمام خطة التنمية بسلطة عمان بالتربية والتعليم، لخلق المواطن العماني المخلص، والملتزم، بحب بلاده، واحترام قيادته، وحكومته، وإخلاصه لخطط التنمية المستدامة، كما لفت نظري الفصل الصارم بين السياسة والدين.
أما الخبر الاخر الذي لفت نظري فكان مقابلة متلفزة على قناة المنار، لزعيم المعارضة البحرينية، يقول فيها: "لا يوجد مبرر لتحميل المعارضة البحرينية سبب فشل الحوارات، فمطالب المعارضة والشعب هي بديهية، وليس لدي المعارضة اوراق لتتنازل عنها.. وإي حوار يجب أن يكون فيه الجدية من كل الاطراف المشاركة لانقاد الوطن.. السلطة هي التي رفضت الاستجابة لمطالب شعب البحرين، وهي مطالب ضرورية، ولا تتم الحياة دونها في هذا الزمن .. نريد أن نؤسس واقعنا السياسي على اساس المساواة بين المواطنين، وينتخبون سلطة تشريعية منتخبة، وفق دوائر عادلة، وعن طريقه يشكلون السلطة التنفيذية. الحكم في البحرين يرفض هذه المطالب وتغيب عنه الجدية وفشلت الحوارت بسبب الموقف الرسمي."(انتهى). والذي يحزنني في هذا التصريح هو الفكر المطلق به، وأنا أعذر زعيم المعارضة، فهو ليس رجل علم أو سياسة، بل هو رجل منبر ديني، ومن العادة في من درس الدين بشكل مطلق، أن تكون نظرته وتفكيره صارم ومطلق بين الحلال والحرام. وفي الواقع أن السياسة ليس فيها خط واضح بين الابيض والاسود، بل يعتبر البعض السياسة نجاسة حياتية، فعلى السياسي أن يراوغ فيها، ليرضي جميع منتخبيه بألوانهم ومصالحهم المتشعبة. بل يعرف رجل السياسة في اليابان برجل الانتهازية المتفائلة، لأنه يحاول أن يرضي منتخبيه لكي يعاد انتخابه، وفي نفس الوقت ينتهز أية فرصة تناغم، لينسق العمل مع معارضيه، ليحقق التنمية المستدامة لبلده ومنتخبيه.
ولنتذكر عزيزي القارئ بأن حتى العلوم الطبيعية، وخاصة العلوم الفيزيائية، بل وحتى العلوم الرياضية ليست مطلقة. وهناك حكمة صينية تقول: "تبحث عن الحقيقة، فليس هناك حقيقة." لتؤكد هذه الحكمة الصينية بأن ظواهر وحقائق الحياة كلها نسبية، بل وحتى الافكار فيها نسبية، فكل شيء في العقل الانساني معرض للخطئ، بل وحتى نظرنا يمكن أن يخدعنا بسهولة. وهناك تجارب عملية كثيرة تثبت ذلك. فقد اكتشف العلماء يوما بعد يوم بأن الكثير من& نظرياتهم خاطئة، ولذلك من يحقق الإبداعات التكنولوجية، هو من يكون مستعدا لتحدي الافكار التقليدية، وسنوضح ذلك في الجزء الثاني من المقال، حينما نتحدث عن الابحاث الفيزيائية، والرياضية، والتكنولوجية، والفنية، العالميه، التي حازت على جائزة النوبل اليابانية هذا العام، بعد أن تحدى العلماء النظريات التقليدية ليبدعوا ويخترعوا.
&&وارجو أن يسمح لي زعيم المعارضة لحوار صريح، وهو الذي يكرردائما: "صديقك من صدقك، لا من صدقك." يقول، سعادته، كنائب سابق بمجلس النواب البحريني: "لا يوجد مبرر لتحميل المعارضة البحرينية سبب فشل الحوارات، فمطالب المعارضة والشعب هي بديهية، وليس لدي المعارضة اوراق لتتنازل عنها.."(انتهي) في تصوري المتواضع، حينما يفشل حوار ما، لا يمكن أي طرف أن يتنصل عن مسئوليته في الفشل. ولا ننسى بأن زعيم المعارضة أنهى حتى الان ثلاثة عشر عاما في منصبه، ومع الأسف لم يحقق أي تطور متناغم في الحوار، ولم يلعب أي دور في التنمية المستدامة ببلاده، بل لم يكن له أي دورا في تهيئة الشباب لعقلية منتجة ومبدعه، لا في تطوير التعليم المنتج، ولا في خلق وظائف جديدة للشباب، ولا في توفير سكن لهم، فهو مشغول بالتصريحات النارية، على شبكات التلفزة التابعة لإيران، ومعارضة أية خطوة تصالحية. لذلك لا يمكنه أن يخلي مسئوليته، لا عن فشل الحوار، ولا عن تفاقم الازمة التي تمر بها البلاد، ولا عن الارهاصات الاقتصادية التي نتجت منها.
كما قال سعادته: "اي حوار يجب أن يكون فيه الجدية من كل الاطراف المشاركة لانقاد الوطن.. السلطة هي التي رفضت الاستجابة لمطالب شعب البحرين، وهي مطالب ضرورية، ولا تتم الحياة دونها في هذا الزمن." (انتهى) فيعلن علنا زعيم المعارضة عن أهمية هذه الحوارات لإنقاذ الوطن من الدمار، الذي تعاني منه سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا اليوم. ومع ذلك يتهم فقط السلطة، وكأنه ورفاقه بريئين، مما حصل بعد محاولة المتطرفين من رفاق دربه،& الانقلاب على النظام الملكي الدستوري، والعمل لتحويل مملكة البحرين لجمهورية ثيولوجية على النمط الايراني، وهو النظام الذي عانى منه الشعب الايراني خلال الخمسة والثلاثين سنة الماضية، بتباطئه الاقتصادي، ونسب التضخم الفاحشة، ومع فقدان العملة الايرانية لقيمتها، وما ترافق ذلك من معاناة اقتصادية للشعب الايراني. بالإضافة للهيمنة الاستبدادية التي برزت مظاهرها، حينما خرج الشعب الايراني مشككا في الانتخابات بفوز محمد احمدي نجاد للمرة الثانية.
كما يتحدث زعيم المعارضة عن مطالب لا يمكن اليوم الحياة بدونها، في الوقت الذي لم توفر جماعته مقعد واحد للمرأة في البرلمان، فكأن النصف الاخر من المجتمع البحريني لا تحتاج لهذه المطالب "التي لا يمكن اليوم العيش بدونها." والمشكلة الاخرى بأن زعيم المعارضة لا يتحدث فقط باسم جمعيته، بل يتحدث باسم الشعب، فيعتبر نفسه الممثل الاوحد للشعب البحريني، وهنا نحتاج لوقفة احصائية.& فقد بينت الاحصائيات البريطانية بأنه في عام 1950، حينما كان عدد سكان بريطانيا العظمى 50 مليون، كان هناك ثلاثة ملايين عضو في حزب المحافظين. وفي عام 2014، حينما تجاوز سكان بريطانيا 60 مليون، انخفض أعضاء حزب المحافظين إلى 135 ألف. فقد مل الشعب البريطاني من كذب السياسيين. ويبقى السؤال لزعيم المعارضة: كم من شعب مملكة البحرين تمثله أحزاب المعارضة اليوم؟ وهل سيقبل الشعب بزعيم معارضة لمدة ثلاثة عشرة عاما، وبدون أن يلعب أي دورا في التنمية المستدامة، إن لم يعطلها؟&
كما يقول زعيم المعارضة: "نريد أن نؤسس واقعنا السياسي على اساس المساواة بين المواطنين، وينتخبون سلطة تشريعية منتخبة، وفق دوائر عادلة، وعن طريقه يشكلون السلطة التنفيذية."وهنا نحتاج أن نسأل زعيم المعارضة: حينما شاركت جمعيتكم في الانتخابات الماضية، من قرر المرشحين؟ وما هو مفهوم القائمة الايمانية؟ وهل المجموعات التي ضمت هذه القائمة كفاءات علمية أو تعليمه أو اقتصادية أو تجارية أو صناعية ؟ ويبقى السؤال لعزيزي القارئ: ألا تحتاج المعارضة لبرغماتية سياسية حكيمة؟ ألم يفشل زعيمها الديني في تفهم هذه البرغماتية؟ وما هي قصة الفوز المتكرر بالتزكية؟ الا تحتاج المعارضة لرياح تغير جديدة، أم على رياح التغير أن تمر فقط على الادارات الحكومية؟ وقد يتساءل عزيزي القارئ ما دخل جائزة نوبل اليابانية في نقاشنا هذا؟ فلنا لقاء.

د. خليل حسن، سفير مملكة البحرين في اليابان