ثمانون عاما بالتمام و الكمال قد مرت على المسيرة التاريخية لأقدم و أعرق الأحزاب السياسية في العراق، وهو الحزب الشيوعي العراقي صاحب التاريخ السياسي المثقل بالهموم و الدماء و النكبات و الإنتكاسات التي تعرض لها أو تسبب بها؟ ثمانون عاما من تاريخ حزب جاء كثمرة حتمية لأفكار و توجهات مثلت مرحلة مهمة من تاريخ البشرية في القرن العشرين المنصرم، وكان جزءا مركزيا و فاعلا من مرحلة الحرب الباردة الكونية، كما كان تأسيس ذلك الحزب على يد سلمان يوسف سلمان ( فهد ) المسيحي العراقي القاطن في عمق الجنوب العراقي المتخلف وحيث للإقطاع و الفقر دورهم الكبير، إنعطافة نوعية في التحرك الشعبي العراقي في مرحلة بدايات تكوين الدولة الوطنية العراقية الحديثة بعد قرون من الظلام و الإستعمار الأجنبي بدءا من المغولي بعد سقوط بغداد وتواصلا مع الإحتلال العثماني التركي و ليس ختاما بالإحتلال البريطاني لبغداد عام 1917 و الذي أسس لدعائم قيام كيان وطني عراقي لأول مرة منذ العصر العباسي!.
يحتفل الشيوعيون العراقيون أو من بقي منهم و ظل متمسكا برؤاهم و أفكارهم و منهجهم في يوم 31 مارس من كل عام بالذكرى السنوية لإنطلاقة ذلك الحزب العمالي و الذي قدر له أن يلعب تاريخا مؤثرا في التشكيلة الذهنية و السلوكية و الميدانية و التاريخية للعراق الحديث، وكان تعبيرا عن مرحلة حاسمة من المتغيرات و الصراع الطبقي و محاولات صياغة مشاريع سياسية و إجتماعية طموحة و مختلفة في مجتمع متخلف كالمجتمع العراقي، وحيث عاش الشيوعيون العراقيون بأفكارهم المثالية كل مطبات الإحباط و الفشل و التراجع، وفشلوا في إلتقاط اللحظة التاريخية، وكانوا محطة وعنوانا لفشل تاريخي فظيع و مقيم و لتراجع مستمر في مختلف المجالات، فبعد ثمانين حولا من الدماء و العذاب و الأشلاء و التضحيات المريرة يبدو الشيوعيون العراقيون اليوم أشبه بالأيتام على مأدبة اللئام!!، فالخطاب و الفكر السياسي العراقي السائد اليوم وبعد إنهيار الفاشية البعثية على يد الإحتلال الأمريكي وليس بالنضال الجماهيري قد حول العراق لمستوطنة طائفية هائلة تقدم بها أصحاب الفكر العدمي السراديبي المتخلف و المرتبط بالقوى الخارجية و تحول الشيوعيون العراقيون في ظلال و حواشي المشهد الأسود القائم اليوم لنكتة سوداء في عراق تائه محطم و بجماهير هائمة تسير بلا دليل نحو نهايات ميتافيزيقية إختلطت فيها الرؤى بالأحلام بالخرافات... لقد وقع الشيوعيون العراقيون في أخطاء تاريخية عظمى بعد أن مجدوا الفاشية العسكرية بعد إنقلاب 14 تموز الدموي عام 1958 وأطلقوا شعارات جماهيرية متوحشة تقدس الدم و حملات الإعدام سرعان ماكانوا أول و أبرز و أهم ضحاياها كشعار ( ماكو مؤامرة تصير و الحبال موجودة )! أو ( إعدم.. إعدم.. جيش و شعب يحميك.. إعدم)!، وساهموا في تشكيل الميليشيات العصابية كالمقاومة الشعبية و جماعة أنصار السلام و غيرها والتي دخلت في معارك شوارع دموية مريرة في شوارع و مقاهي بغداد و البصرة و الموصل و كركوك و بقية مدن العراق، تاريخ طويل و حافل من الحركة و التنظيم لم تستطع خلالها قيادة الحركة الشيوعية العراقية من إلتقاط الفرص التاريخية التي كانت متاحة لتغيير الواقع الإجتماعي، و الأنكى أن القيادة الشيوعية العراقية لم تتعلم من التجارب المريرة الشيء الكثير و ظلت أبد الدهر تراهن على الحصان الخاسر و تدخل في تحالفات سياسية ساذجة بل وخانت دماء الشهداء و مصالح الجماهير وهي تتحالف مع الفاشية البعثية ومع جناح صدام حسين تحديدا الذي راهنت عليه في الوقت الذي كان فيه هو الطرف الذي وجه الضربة القاصمة للشيوعيين العراقيين أواخر عام 1978 و يسدل الستار نهائيا على مسرحية الجبهة الوطنية بين الشيوعيين و البعثيين التي إنبثقت في تموز/يوليو 1973 وحيث أعلن الرئيس العراقي السابق أحمد حسن البكر بعد التوقيع على ميثاق الجبهة مع السكرتير الأول للحزب الشيوعي السابق عزيز محمد ( نريدها جبهة قوية راسخة.. لا أن تقوم اليوم و تنبثق غدا )!!..
و لكن حساب السنين قد أدى بأن تنكشف كل تنظيمات الشيوعيين العراقيين أمام أجهزة الأمن البعثية و أن تتلاشى الشخصية المستقلة للحزب الشيوعي العراقي حتى شاع في الشارع العراقي تسمية ساخرة تقول ( الحزب الشيوعي العراقي لصاحبه حزب البعث العربي الإشتراكي )!!، فلما ضرب صدام ضربته بعد حكاية ( خندق واحد أم خندقان )! كانت كل الخلايا و التنظيمات الشيوعية مكشوفة امامه بالكامل!، فكان الهروب الشيوعي الكبير صوب المنافي في الإتحاد السوفياتي الراحل أو شرق أوروبا الشيوعية قبل الإنهيار أو في سوريا أو في جنوب اليمن، وكان التيه الشيوعي الكبير الذي إستمر حتى قيام الأمريكان بتغيير كل قواعد اللعبة الإقليمية و إحتلال العراق عسكريا و إسقاط نظامه و تسليم السلطة لمجموعة الأحزاب الطائفية ذات الصبغة الإيرانية الطائفية الصرفة و التي لا تمثل تراثا سياسيا عريقا و لا تعبر عن حالة الصراع الوطني العراقي الطويل، ولا تمتلك تاريخا نضاليا سوى ذلك التاريخ المجلل بالعار في قتل جنود الجيش العراقي خلال الحرب مع إيران!!، وفي خدمة المشروع الإقليمي التخريبي الإيراني في المنطقة.
لقد دخل الشيوعيون العراق من جديد في أوضاع إجتماعية و سياسية مختلفة لعب فيها عبث النظام البعثي السابق دورا كبيرا في التخريب القيمي و المجتمعي من خلال الحروب و سنوات الحصار القاسية ونتائج ( الحملة الإيمانية الكارثية ) التي دشنها صدام حسين لتعيد العراق لقرون عديدة سابقة و بما أسس لحالة تقوقع و تعصب طائفي مزق النسيج الوطني العراقي و أعاد التخلف بكل سياقاته المادية و المعنوية، وكان وجود الحزب الشيوعي العراقي مع أحزاب الدعوة و المجلس و الفضيلة والصدريين و غيرهم غريبا و سورياليا! ومع ذلك فقد إرتضت قيادة ( أبو داود ) الشيوعية العمل تحت رايات تلكم الأحزاب التي هي عصابية أولا و أخيرا و ميليشاوية و مرتبطة بقيادة الحرس الثوري الإيراني، كما كان الإنقسام القومي العربي/ الكردي ضمن الحاضنة الشيوعية الأممية أمر مثير للسخرية! وذلك موضوع آخر..!
اليوم يبدو منظر الشيوعيين مضحكا وهم يشاركون في إنتخابات هزلية وفي شارع عراقي تعمه الأميه و الجهل لايعرف معه الفرق بين ( الشيعة ) و ( الشيوعية )!.. و الطريف إن أحزاب إيران العراقية قد أهدت الشيوعيين العراقيين شارعا بإسم القائد الشيوعي الذي قتله البعثيون تحت التعذيب عام 1963 سلام عادل و إسمه الحقيقي ( حسين الرضي ) في مسقط رأسه ( النجف )! رغم أن نفس الجماعة هي التي ساهمت في ذبح آلاف الشيوعيين و تسهيل مهمة البعثيين في القتل الشرعي و الحلال من خلال الفتوى الشهيرة ( الشيوعية كفر و إلحاد )..! و التي تحت ظلالها قطعت آلاف الرؤوس الشيوعية..! الشيوعيون العراقيون بعد ثمانين عاما من التأسيس و العمل السياسي تحولوا اليوم لأطلال يلتمسون مقعدا برلمانيا واحدا و يحاولون التواجد في ظل أوضاع عراقية هي الغاية في الغرابة.. الشيوعيون مجرد دمعة في تاريخ الوجع العراقي الطويل و المستمر...





التعليقات