كثيراً ما يوجه أنصار الفاشية الدينية إلى الليبراليين، تهمة أنهم يريدون ديموقراطية على هواهم. وأنه إذا ما أتت الديموقراطية بما يكرهون، فإنهم ينقلبون إلى فاشيين استبداديين. أيضاً نظرة بعض الليبراليين الغربيين إلى الأمر تتسم بذات السطحية، التي تتصور أن مجرد تطبيق أليات الديموقراطية، دون توافر الشروط اللازمة لتشكيل بيئة حاضنة للديموقراطية، كفيل وحده بحل كل الإشكاليات السياسية والاجتماعية.
الديموقراطية هي الكلمة الأكثر سحراً، ليس فقط في مخيلة المثقفين والساسة، لكن حتى في نظر العامة. وكأنها كلمة السر للانتقال إلى المدينة الفاضلة، التي تتحرر فيها الشعوب المقهورة، وتغتني الفقيرة. لكن واقع الحال على الساحة العالمية يدلنا على تجارب ديموقراطية أتت فعلاً بثمارها المتوقعة. بينما تجارب أخرى كانت نتيجتها مخيبة للآمال، مثلما حدث أخيراً في الربيع المصري. ولا ينبغي أن ننسى أن نبتة الديموقراطية الأولى في أثينا القديمة، هي التي حكمت على سقراط بالموت. فقد هاجت الغوغاء جراء تساؤلات سقراط المقلقة. كما رفضها أولو الأمر، خوفاً مما تثيره من قلق قد يوقظ الناس من غفوتهم المريحة. فكان من السهل على قلة مفوهة ومخادعة قيادة الغوغاء، لتحكم على أعظم الحكماء بالموت.
لدينا في القاموس السياسي مفهومان، الديموقراطية والديماجوجية. أصل الكلمتين اللغوي متقارب من حيث اشتمالهما على مقطع demo أو dema بمعنى الشعب أو الجماهير، فيجمع بين المفهومين عنصر مشاركة الجماهير أو الاعتماد عليها، لكن يفصل بين محموليهما زاوية شديدة الانفراج. فالديموقراطية تعني حكم الشعب، وينضوي تحت هذا التعريف مفهوم "حكم الأغلبية"، فيما الديماجوجية محمل عليها مفهوم "حكم الغوغاء". كلا المفهومين متشابهين من حيث المظهر العام، مختلفتان من حيث المضمون، وهذا واضح في حكم القيمة الذي يُخلع على رأي الجماهير في كلتا الحالتين، فتسمية "حكم الأغلبية" يتضمن تقييماً إيجابياً، فيما تسمية "حكم الغوغاء" يصدر حكماً سلبياً، مصدره كلمة "غوغاء" التي تتضمن أوصافاً سلبية، كالجهل والعاطفة الجياشة غير المبررة ولا المنضبطة، والقابلية للانخداع، والاندفاع خلف من ينجح في استثارة عواطفها وغرائزها البدائية، ما يجعل رأيها في النهاية غير رشيد. ويؤدي إذا ما تم السير على هديه إما إلى الفوضى، أو إلى ارتكاب جرائم مثل جرائم التطهير العرقي، ومصادرة الأعمال الإبداعية، وإعدام المبدعين أدبياً وفيزيقياً.
لا نميل للتفرقة بين الاصطلاحين على أساس سيادة العقل في حالة الديموقراطية، وسيادة العاطفة العمياء& في حالة الديماجوجية. فليس هنالك في الحقيقة ما يسمى عقل وعاطفة في حالة انفصال. فقط يحدث هذا في علوم الرياضيات والفيزياء، أما الفلاسفة فلا يجب أن يصدقوا أنفسهم أو نصدقهم نحن، في أن إنتاجهم العقلي النظري منتج عقلي محض. كذلك من المبالغة وصم الجماهير، مهما كانت درجة تخلفها، بأنها تُعمل عواطفها فقط بدون عقل. الفارق بين الديموقراطية والديماجوجية هو في المناخ الذي يسود المجتمع. إن كان أو لم يكن ليبرالياً، يعشق الناس فيه الحرية، ويعدونها قيمة عليا، مما يستدعي ترحيبهم بالتعددية، وقبولهم بالآخر.
المسألة إذن ليست مسألة السعي لتطبيق الديموقراطية، كأسلوب أمثل للتحديث والتنمية. فالديموقراطية ليست قيمة في حد ذاتها، لأنها قيمة تابعة، أي تتبع قيماً أخرى مثل قيمة الحرية وقيمة حق التميز والتفرد والتعددية. هي في الحقيقة ليست أكثر من آلية لصنع القرار، تتميز بمراعاة أراء أكبر عدد ممكن من الناس، باعتباره ألية التوصل للقرار الصحيح. فإن كانت الثقافة السائدة ليبرالية، جاءت النتيجة في صالح الأغلبية والأقلية. أما إذا كانت الثقافة السائدة شمولية، فإن تطبيق آليات الديموقراطية سيؤدي إلى محاصرة كل من الأغلبية والأقلية، وخنق الأفراد وسلبهم حقهم الطبيعي في التفرد.
كلمة ديموقراطية إذن في حد ذاتها لا تعني شيئاَ، إلا إذا تم نسبتها لمناخ سياسي واجتماعي وثقافي ما، وهنالك نوعين أساسيين من الديموقراطية، الديموقراطية الليبرالية، التي فيها يسود رأي الأغلبية مع تقديس حقوق الأقليات وحقوق الفرد. والديموقراطيات الشمولية، وتشمل ديموقراطية الطبقة الواحدة، مثل ديكتاتورية البروليتاريا في الأنظمة الشيوعية، وديموقراطية الحزب الواحد، مثل الحزب النازي والفاشي وحزب البعث العربي الاشتراكي والأحزاب الدينية. وديموقراطية النظم الأبوية، مثل النظم القبلية، فشيخ القبيلة يتقلد سلطته بناء على ما يشبه الإجماع الشعبي، ويحكم وفق تقاليد وأعراف غير قابلة للتجاوز، يؤمن ويقر بها جميع أفراد القبيلة.
&هذه النظم جميعاً تمثل على الأقل في بدايتها رأي أغلبية شعبية، وهي بذلك وبحكم التعريف ديموقراطية. لكنها ديموقراطية تُسخَّر لصالح الطغمة الحاكمة، سواء كانت قيادة الحزب الجماعية، أو الديكتاتور الجالس على رأس السلطة. ومن التصورات غير الصحيحة تصور أن نظاماً ما يمكن أن يستمر يوماً واحداً بغير استناد إلى قاعدة جماهيرية عريضة. حتى لو كان نظاماً بوليسياً من الدرجة الأولى كأنظمة حزب البعث. وهذا هو الدرس الواجب أن نتعلمه من وجود قاعدة شعبية بالعراق حتى الآن، علاوة على سائر الأقطار العربية، تهتف لصدام حسين، وقواعد شعبية متعددة في أنحاء شرقنا تعتبر عبد الناصر زعيماً قومياً خالداً.
هكذا يكون حلمنا الحقيقي هو الليبرالية، بكل ما تتضمنه من نظم ديموقراطية وعلمانية ومجتمع مدني، وتعددية باختلاف تصنيفاتها، وما تتبناه من قيم إنسانية رفيعة، تبدل وجه الحياة في شرقنا. ليبرالية تحيل القطاعات الغوغائية العريضة إلى كائنات بشرية متحضرة، تقدس قيمة الحرية، وعندها فقط ستثمر الآليات الديموقراطية، ما يتوقعه منها الأحرار من ثمار، ولا تعود بعد أداة في يد الفاشيين، يستأصلون بها الحضارة من أرضنا.
[email protected]
&
- آخر تحديث :
الديماجوجية ديموقراطية الغوغاء

-









التعليقات