اجتاحت تحولات وتغيّرات كبيرة، البعض منها بنيوية شاملة، العالم العربي مع بدء الأحداث في تونس، إثر الحادثة الشهيرة في إضرام الشاب محمد بوعزيزي النار في جسده. هذه التغيّرات التي سماها البعض "الربيع العربي" أو "الثورات العربية"، أو "الانتفاضات العربية"، أسفرت عن تغيير أنظمة حكم، وخلع رؤساء ثلاثة دول عربية هي تونس ومصر وليبيا.&
ومن المهم هنا عدم الركون إلى الاكتفاء بالتفسير اللحظي للحدث، ولكن البحث في التراكمات التي أدت كلها إلى ترقب لحظة الانطلاقة والتحرك في الشوارع والميادين ضد الأنظمة الظالمة. فواقع الظلم والتهميش وفشل خطط التنمية، وسطوة العائلات الحاكمة، وبطانتها الفاسدة، والانفجار السكاني، إضافة إلى انعكاس الأزمات الاقتصادية الدولية، والانفتاح غير المدروس، أدى إلى احتقان هائل كان ينتظر "مناسبة" ما لكي ينفجر وينسف الأساس المنحرف الذي بٌنيت عليه "الدولة الوطنية" في العالم العربي.
في هذه الورقة سنحاول التعرض لبعض الدول العربية، من التي شهدت تحولات كبيرة منذ اكثر من 3 أعوام، مع التعرف على الأحوال العامة وملامح السياسة فيها، وكيف أن الفشل السلطوي في معالجة القضايا العاجلة، والاستهتار بواقع الناس ومتطلباتهم، شكلت الأرضية المناسبة لحدوث تحولات دامية، بحيث يميل الشعب إلى محاولة نسف كل ما هو موجود، لقناعته بأن لا شيء يستحق الحفاظ عليه من تركة النظام، أما النظام فمال أيضا إلى نسف كل ما هو موجود، لقناعته بأنه ربما يستطيع أن يٌركع الشعب، حينما يجد البديل هو الفوضى الشاملة وانهار الدماء.&
&
1ـ تونس:
لقد اندلعت شرارة التحولات الأخيرة في العالم العربي من تونس، ذلك البلد العربي الواقع في شمال أفريقيا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، القليل السكان، والذي كان يتمتع بحياة سياسية رتيبة نوعا ما، والذي لم يكن يحتل صدارة نشرات الأخبار، لما كان يتمتع به من "استقرار" ظهر إنه ناجم عن قبضة حديدية محكمة من جانب سلطة شمولية اقصائية قامعة. في السابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر 2010 وفي مدينة سيدي أبو زيد أضرم شاب عادي يدعى محمد بوعزيزي النار في نفسه احتجاجا على قرار السلطات المحلية سلبه عربة الخضار التي يسترزق منها. وقد لاقت الحادثة صدى واضحا وخلق حالة من التذمر، بادئ الأمر، في المدينة الصغيرة، حيث تظاهر سكانها للتنديد بمعاملة السلطات المحلية مع المواطنين واستنكار استهتارها بلقمة وحياة الناس، ومن ثم توسعّت المظاهرات إلى بقية المناطق التونسية، وتناقلت الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي التطورات لحظة بلحظة. ومن ثم تدحرجت كرة الغضب، وازدادت النقمة على النظام، وانتشرت شيئا فشيء. وتوسعت الانتفاضة التونسية المطالبة بالحريات والحقوق والعيش الكريم ولاقت صدى وترقبا كبيرا في بقية الدول العربية. الانتفاضة لم يكن مخططا لها، بل كانت عفوية، فهي لم تكن من" تخطيط نخب سياسية أو ثقافية ولا قيادات حزبيه أو نقابية، كما هي العادة، وإنما قام بها فاعل مغمور لم يرد في ذهنه أن ما سيفعله سوف يشكل ثورة لا سابق لها: شاب متعلم عاطل عن العمل، سدّت في وجهه أبواب الرزق، فآثر أن يحرق نفسه، احتجاجا على وضعه البائس، في الساحة العمومية للمدينة التي يعيش فيها، فأشعل ثورة الياسمين في بلده" (1).&
وفي غضون أيام توسعت المظاهرات لتطال معظم أنحاء تونس، وبدا الشعب التونسي وكأنه لن يتراجع هذه المرة عن محاسبة المسؤولين عن ملفات القمع والاستهتار بحياة الناس، فضلا عن وضع حد للفساد والدولة الأمنية التسلطية. في 28 كانون الأول/ديسمبر 2010 وفي " محاولة منه لتطويق الأزمة الخطيرة، قام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بزيارة الشاب الفقير العالق بين الحياة والموت في المشفى، عارضا عليه وعلى أسرته تعويضات مناسبة، وفي 4 كانون الثاني/يناير 2011 توفي الشاب محمد بوعزيزي متأثرا بالحروق القاتلة، بينما لم تنفع وعود بن علي وخطاباته في تهدئة الجماهير الغاضبة التي باتت تطالب برحيله، خصوصا بعد إطلاق قوات الشرطة والاستخبارات النار على المظاهرات ومقتل العشرات، حيث اجٌبر بعد وفاة البوعزيزي بعشرة أيام على التخلي عن السلطة والفرار من تونس والتوجه إلى المملكة العربية السعودية لاجئا، وكان هذا أول انتصار في عملية التغيير والتحولات في المنطقة"(2).&
وهكذا وبعد تحقيق الانتفاضة الشعبية التونسية لهدفها الأكبر، وفي غضون أسابيع قليلة، تحمس ملايين الشباب العربي للتغيير وبدءوا في تقليد النموذج التونسي، وظهرت أساليب كثيرة في العمل الاحتجاجي النضالي، استنبطها الشباب مستفيدا من ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة التي أمنتها شبكة الإنترنت، ومن هنا ظهر بأن "ما بدأ بعملية انتحار حرقا نفذها بائع عربة متجول اسمه محمد البوعزيزي، سرعان ما تحول إلى حدث معد على الإنترنت قاد آلافا من التونسيين الغاضبين للنزول إلى الشوارع. تحولت المظاهرات إلى اضطرابات شملت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، ثم تحولت في ذروتها إلى ثورة عارمة أطاحت الحكم الدكتاتوري في تونس، ثم اتجهت شرقا إلى بلدان أخرى لتشعل أعظم تحول عربي في التاريخ"(3).
وبالحديث عن هذا الحوّل الكبير الجديد، وسوسيولوجيته، ثمة خصوصية لحادثة إضرام الشباب بوعزيزي للنار في جسده، وتحول هذا الفعل الرمزي إلى بداية حقبة جديدة في تونس والعديد من بلدان العالم العربي، فقد جرت حوادث مشابهة كان أبطالها محبطون وفقراء احتجوا بنفس الطريقة على حالة الفقر المزرية والتسلط السياسي للنظام، ولكنها انتهت بردود فعل أخرى وخبت سريعا، وهذه الخصوصية أو "الحالة الجديدة" تأتي من تفسير اجتماعي يضمن "تفرد" التجربة البوعزيزية هذه، " إن ما قام به محمد بوعزيزي هو الدفاع عن شرفه الذي ثلم وخدش على يد امراءة أولا ورمز من رموز النظام الحاكم المقيت النسبة له ثانيا، فجرت بركان الغضب القابع في أعماقه، وإلا كيف نفسر انتحار شابين قبله ولم يحدث ما حدث من ثورة عارمة بدأت من قريته ومن ثم تحولت إلى انفجار ليس في تونس فحسب، بل لتفجر شعوب العالم العربي"(4).
ومن أجل تبيان خصوصية التجربة التونسية ومكانها في التحولات العربية، هناك حاجة لاستعراض سريع لماهية النظام السياسي الذي كان سائدا في تونس وقامت ضده هذه الانتفاضة العارمة وأطاحت به. من المهم القول بأن تونس "كانت تحت حكم بن علي انعزالية إلى حد بعيد، وظلت في الأغلب بعيدة عن المشهد السياسي المضطرب داخل المنطقة. فٌرضت قيود صارمة على وسائل الإعلام الأجنبية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، وهو سبب آخر جعلها لا تحظى بالمزيد من التغطية"(5).
وقد تميزت الدولة التونسية بطابعها البوليسي الغارق في الشمولية والمصادرة وكم الأفواه، فتم قمع الحريات العامة ومنع كل مظاهر التعبير والمشاركة في صنع القرار. وبدا قطاع الشباب هو الأكثر تضررا من القمع الحكومي، حيث كانت الهوة تزداد مع الزمن بين المواطنين والحكومة ومؤسسات الدولة، هذا وقد " استلم زين العابدين بن علي الحكم في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1987 بعد انقلابه "الدستوري" على الزعيم الحبيب بورقيبة. وعاشت تونس تحت حكم بن علي أسوأ أنواع الحكم الاستبدادي، خاصة من قبل الشخصيات الأمنية التي استبدّت بالحكم وجعلت من الديمقراطية والحرية فزّاعة النظام والمحسوبين عليه(..) وجرى تدريب أجهزة الأمن التونسية على أنّ أصحاب الآراء والداعيّن للديمقراطية خطر يجب اجتثاثه. وشهدت الساحة التونسية أحداثا عديدة وعلى فترات متقاربة ومتباعدة عزّزت في مجموعها من حالة الاحتقان التي بلغت ذروتها عبر الثورة(..)، كما كان لتسريبات "ويكيليكس" بشأن فساد نظام الحكم، صداها"(6).
واشتدت القبضة الأمنية في السنوات الأخيرة على معظم أبناء الشعب التونسي وبشكل خاص فئة الشباب، فقد رغب النظام في استمرار الرقابة على معظم وسائل الإعلام ومصادر المعلومات وإبقائها تحت عينه، ومواصلة حبس الشباب في قوقعة التفسير الرسمي الشمولي، واعتبار كل انفتاح على الخارج هو بالضرورة "جديد مشبوه" قد يؤدي إلى خلق نوع من التمرد لدى الأجيال الشابة ويدفعها إلى الانتفاض ضد النظام، وتحويل كل السخط والغضب المدفون في الصدور إلى حراك مترجم في الشوارع والأزقة، هذا ناهيك عن شح فرص العمل وبقاء مئات الآلاف من الشباب التونسي الجامعي خارج سوق الإنتاج بدون وظيفة، وبالتالي فرصة كريمة للحياة. ومع استمرار هذه السياسة القمعية والحكم الأبوي التسلطي وانعدام أي أفق للإصلاح وإحداث انفراجة في الحالة الاقتصادية المتردية والسياسية الواقعة تحت القمع والمصادرة، " شرع عدد كبير من الشباب العاطل عن العمل من حمّلة المؤهلات العليا يتساءل عن الرقابة السياسية المفروضة في تونس تحت حكم بن علي. فحتى موقع "يوتيوب" كان محجوبا على الدوام. كان من الطبيعي أيضا أن جيلا طٌلب منه أن يبذل تضحيات بعينها من أجل بناء الدولة سيأتي عليه وقت يسأل فيه نفسه: متى سينتهي بناء هذه الدولة؟. حين ذلك اندلعت الأزمة المالية العالمية. انخفضت أعداد السياح من الدول الأوروبية التي طالتها يد الأزمة انخفاضا ملحوظا(..)، بدأ حجم الاستثمارات الأجنبية يتراجع، ودائما كان يوجد شيء يثير حنق الشباب الواعي"(7).
وعليه فقد كانت الأرضية خصبة لاندلاع انتفاضة ضد نظام القمع والفساد والتسلط العائلي الذي بناه بن علي طيلة ربع قرن. لقد ملّ التوانسة من هذا النظام الذي نخرّه الفساد ولم تعد شعاراته تقنع أحدا، بل ظهر في فضائح "ويكيليكس" حجم الفساد والاستهتار العائلي، فكانت تونس وكأنها ضيعة لآل بن علي وحاشيتهم. والحالة الاقتصادية ظلت سيئة وظهر بأن تراجع عدد السياح أثرّ بشكل كبير على معيشة الناس وساهم في تراجع دخلهم، وهو ما أظهر إهمال الحكومة لقطاع السياحة وعدم وجود أي بديل تنموي يواجه يوما ما مثل هذا التراجع المحتمل. وما حادثة البوعزيزي إلا الفرصة التي دعت ملايين المقموعين والساخطين إلى التظاهر والمجاهرة برغبتهم في زوال النظام وإطلاق الحريات العامة، وتحقيق الانفتاح، ووضع حد للقمع والمصادرة، وإنهاء سياسة الاستهتار والفساد واحتكار السلطة.&
&
2ـ مصر:
وفي مصر كان الملايين من المقهورين جراء سياسات نظام حسني مبارك يراقبون باندهاش تطورات انتفاضة الشعب التونسي ضد حكامه. وبالتوازي مع المظاهرات الكبيرة في تونس، كان الحراك في الشارع المصري يتقوّى هو الآخر ويتحول إلى سيل من الاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات، بداية، ومن ثم برحيل الرئيس وكل أركان ومظاهر نظامه. ورغم كل حجم الاحتقان الكبير إلا أن حادثة مقتل الناشط خالد سعيد قد جاءت كشرارة لانطلاق موجة الاحتجاجات في الشارع المصري ضد نظام مبارك، حيث بدأ المزاج العام يتغير وتظهر في المشهد السياسي الميداني نوع من الجرأة والشجاعة، وبدأت معالم الأرضية اللازمة للانتفاضة المرتقبة تظهر رويدا رويدا، " أما خالد سعيد فقد كان في السادس من حزيران/يونيو 2010 في مقهى للإنترنت في شارع في حي سيدي جابر في الإسكندرية ويفعل ما يفعله كثير من أبناء جيله: التواصل. جاءه شرطيان بثياب مدينة ثم قيدا يديه وراء ظهره وهما يطلبان منه هويته. بطحاه أرضا، وضربا رأسه على الجدار الرخامي، وراحا يضربانه. وحين بدأ سعيد ينزف، أخرجاه إلى زقاق قريب وظلا يضربان رأسه على درج حديدي، ويرفسانه باهتياج أشد وهو يصيح، "هموت"، وحين كف سعيد أخيرا عن الحركة والصراخ، ظلا يضربانه ويتهمانه بالتظاهر بالموت"(8).
لقد خلقت هذه الجريمة المروعة حالة من السخط والألم لدى قطاعات واسعة من الشباب المصري والقوى الغاضبة من سياسات النظام المصري واستهتاره بحقوق الإنسان وحياة المواطنين ومستقبلهم، حيث، وفي أعقاب موت خالد سعيد على يد قوى الأمن الداخلي المصري، "أنشأ بعض المدونين والمشاكسين صفحة على موقع فيسبوك بعنوان" كلنا خالد سعيد"، وسرعان ما صارت هذه الصفحة منطلقا لحركة شعبية مصممة على جلب المسؤولين للعدالة، سواء أكانوا رجال أمن أو قادة سياسيين. في بداية 2011 كان هناك سبعة وعشرون مليون عربي على الفيسبوك، من بينهم ستة ملايين مصري، أي ما نسبته أكثر من 5% من السكان. وخلال بضعة أشهر، انضم مليونان من المصريين، وهذا يبرز الدور المركزي لهذه الشبكة في التغييرات الجارية في البلاد."(9).
وبالنظر إلى الحراك الداخلي المصري، فلا يمكن إنكار دور المعارضة المصرية وقواها ذات التوجهات الديمقراطية واليسارية في خلق أسس الانتفاضة وأرضيتها المناسبة الصحيحة ضد نظام حسني مبارك وسلطته التي وطدّها منذ استلامه الحكم عام 1981، ومن هنا فإذا "صح أن الثورة التي اندلعت في مصر في كانون الثاني/يناير 2011 قد حركتها الأحداث في تونس، فإن الصحيح أيضا هو أنه سبق للمعارضة المصرية أن شرعت في تنظيم نفسها بالفعل منذ العام 2000 (..) وظهرت حركة "كفاية" إلى الوجود في إثر مؤتمر صحافي عقده رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد في إبان زيارته القاهرة قال فيها بأنه استقال لأن "22 سنة تكفي"(..)، وحصلت في 2006 و 2007 إضرابات مناهضة للخصخصة التي فرضها صندوق النقد الدولي، وأعرب المتظاهرون في 2006 عن تضامنهم مع لبنان، وفي 2008 عن تضامنهم مع الغزّاويين في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وأسست في 2008 حركة شبيبة "السادس من أبريل" بوصفها لجنة لدعم إضراب العمّال المعارضين للخصخصة، ثم عندما أخذت مسألة الانتخابات الرئاسية مكانها على روزنامة 2010 برزت حركة "البرادعي رئيسا"، إلى جانب حركة "كلنا خالد سعيد" بقيادة وائل غنيم(..) وأجريت في الوقت نفسه الانتخابات البرلمانية المزعومة التي تم التلاعب بها بإحكام، بحيث أن القلّة من رموز المعارضة الذين سٌمح لهم بالحصول على مقاعد وجدوا أنه تم القضاء على القسم الأكبر من صفوفهم. وأخذ المناخ الاجتماعي الاقتصادي في الاحتدام ولم يحتج الأمر إلا إلى عود ثقاب لإشعال الاحتجاج. وعود الثقاب هذا اشتعل في تونس"(10).
ومع وجود هذه التيارات المختلفة في ببيتها الإيديولوجية والفكرية، والتي يطغى عليها الشباب التوّاق إلى الحرية والانفتاح والانطلاق إلى العالم والتخلص من دولة الاستبداد والفساد وسلطة العائلة والبطانة الفاسدة المفسدة، ظهرت نواة تيار متجانس قوي يضع في أجندته الخطط الرامية للتخلص من النظام وبناء دولة جديدة في مصر تواكب التطور الحاصل في العالم على صعيد الحريات العامة والتنمية الاقتصادية والانفتاح ومساواة فرص العمل والعيش بكرامة وحرية، ومن هنا "لم يكوّن هؤلاء الشباب قطعا كتلة متجانسة، لكن التيار الغالب بينهم يطالب بما يتجاوز المطالب الديمقراطية البسيطة. لا تقف المطالب عند مجرد الانتخابات النزيهة والمتعددة الأحزاب، متجاوزة ذلك إلى حرية التعبير وحرية الممارسة الاجتماعية، فهي إذن مطالب ديمقراطية صحيحة وكاملة. فهم معاصرون وحداثيون يعرفون ما يحدث في العالم، ويدركون أحوال حياة الشعوب في البلدان الأخرى. ولذلك يقفون إلى حد كبير خارج دائرة الخضوع للتقاليد، بما فيها التقاليد الطقوسية في الممارسات الدينية"(11).
لقد كانت الأجواء مهيأة إذن لانتفاضة شعبية عارمة ضد الحاكم وحاشيته في مصر، فاستهتار النظام وفساده بلغ أوجه، وبدا المصريون وكأنهم يتحيّنون الفرصة المناسبة للثورة ضد نظامهم ورئيسهم محمد حسني مبارك، والذي كان بالنسبة إلى غالبية الشباب المصري هو "الحاكم الوحيد الذي عرفوه، فمن خلاله يتم كل شيء، ولا يتم شيء من دونه، فعلى مدى ثلاثة عقود، رفض هذا الطيار الحربي السابق أن يعيّن نائبا للرئيس، رغم مطالبة الدستور له بذلك. ورغم محاولة الاغتيال التي تعرض لها في أثيوبيا سنة 1995، وانهياره أمام مجلس الشعب سنة 2003، إلا أنه أبقى منصب الرئيس فارغا ليملأه ابنه. عاد جمال مبارك إلى مصر من لندن التي كان يعمل فيها في الاستثمارات المصرفية في تسعينيات القرن الماضي، وانخرط في سياسة بلاده سنة 1998، حيث أصبح مستشارا لأبيه ونائبا لرئيس الحزب الوطني الديمقراطي لاحقا حيث كان مسؤولا عن لجنة السياسات فيه(...)، ويعتقد أن جمال وأخاه علاء لديهما ودائع بقيمة 340 مليون دولار في المصارف السويسرية، بحسب عاصم الجوهري، رئيس جهاز الكسب غير المشروع، في المقابل يعيش 40 بالمائة من أصل 80 مليون مصري على دولارين أو أقل في اليوم. كانت انتخابات تشرين الأول/ نوفمبر 2010 فرصة مبارك الأخيرة لضمان الغالبية المطلقة في البرلمان، وهو الإنجاز الذي سيمهد الطريق لتوريث الحكم لجمال. يقال إن نسبة المشاركين في الانتخابات تراوحت بين 10% و 15%، مع أن النظام أدعى أن الغالبية شاركت(..)، وبينما استبعد مراقبو المعارضة من عملية فرز الأصوات، نقل مراقبو الانتخابات المستقلون أنه جرى ملئ مظاريف وقوائم وتبديلها. لذلك لم يكن من المستغرب أن الإخوان المسلمين الذين كان لهم 88 مقعدا من أصل 518 في البرلمان المنتهية ولايته لم يفوزوا ولو بمقعد واحد في الجولة الأولى(...)، وفي نهاية العملية المزورة، نال الحزب الحاكم، كما هو متوقع، الغالبية المطلقة من المقاعد التي تتيح لمبارك وأزلامه أن يمرروا أي قرار دستوري يرونه مناسبا"(12).
وعليه، فقد ظهر أن مبارك ونظامه لا يقيمان أي وزن للتحولات الدولية والتطوّر السريع في وسائل الاتصالات والتقنية وثورة المعلومات، وانتشار ثقافة الحريات العامة وحقوق الإنسان، بل يحاولون وبكل قوة إدامة السياسة القديمة، مع تشغيل آلة التوريث وفرد مجموعة نشطّة من أجل تسويق هذه العملية، والالتفاف على كل المطالب الديمقراطية ومحاولة ربطها بالخارج، وبعرقلة "مشروع الإصلاح" الذي أريد له أن يكون بيد نجل الرئيس جمال مبارك، وعبر مؤسسة الحزب الوطني الحاكم.&
ومن هنا فقد انطلقت ما تٌعرف بثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 جراء كل هذه الاحتقانات والغضب المكبوت في صدور الشعب، وكانت الانتفاضة التونسية هي المناسبة والفرصة التي جعلت من الغضب المصري يتدفق دفعة واحدة ضد النظام الشمولي ورمزه رئيس البلاد حسني مبارك. إذن البداية نبعت من معاناة الجماهير ونتجت عن إرهاصات كبيرة وتراكم عظيم للمعاناة والألم وسوء الحالة المعيشية وتضاؤل الأمل في حياة كريمة، وهذا ما يجعل البعض يتحدث عن هذه البداية بوصفها انطلاقة لثورة حقيقية، لم يكن للتخطيط فيها أي دور كبير يّذكر، "الحراك الشعبي الذي جرى في تونس ومصر تحول إلى ثورة حقيقية، ثورة وطنية بمضامين ديمقراطية، لأنهما لم تكونا بقيادة الجيش ولا بقيادة أي حزب سياسي"(13).
&
3ـ ليبيا:
وفي ليبيا ظهرت بوادر الاحتجاجات بعيد انتصار الشعب التونسي وفرار بين علي من البلاد، وقد اشتعل حماس الليبيين الذين عانوا الأمرين حتى حكم معمر القذافي منذ 1969، حينما رأوا المصريين وهم يملئون ميدان التحرير مطالبين برحيل حسني مبارك ونظامه وإحداث قطيعة تامة مع تركته الثقيلة. وبدأت السلطات الليبية تستعد لانتفاضة شعبية قد تخرج إلى العلن في أي لحظة، و"في 15 كانون الثاني/يناير 2011 وبعد يوم واحد من فرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وخروجه من البلاد، ظهر الزعيم الليبي معمر القذافي على التلفزيون الرسمي في رسالة وجهها إلى الشعب التونسي. قال القذافي ناصحا أهل تونس بان زين العابدين هو أفضل شخص يحكم بلدهم، وانه تألم كثيرا لعدم وفاء التونسيين لهذا الرجل الذي حكمهم طويلا، ناصحا إياهم الأخذ بنظام الجماهيرية المعمول به في ليبيا إذا ما أرادوا حقا إحداث أي تغيير في بلدهم"(14).
وفي هذه الفترة بدأ ذووا 1200 سجين سياسي قتلهم نظام القذافي في مذبحة سجن أبو سليم المشهورة عام 1996، بالتحرك من أجل المطالبة بمعاقبة المسؤولين عن تلك المذبحة وإحقاق العدالة وتقديم تعويضات لذوي هؤلاء السجناء الذين كان ينتمي أغلبهم إلى التيار الإسلامي، خصم القذافي الأول. ففي " 15 شباط 2011 ألقت قوات الأمن الليبية القبض على المحامي فتحي طربيل البالغ من العمر 39 عاما والمدافع عن مجال حقوق الإنسان، محامي عائلات قتلى سجن أبو سليم، والذي كان يطالب لهم بالتعويضات وبمعاقبة الجناة المسؤولين عن تلك الجريمة"(15).
وكانت هذه الحادثة هي الشرارة المنتظرة لإعلان الليبيين الانتفاض على القذافي ونظامه، والمجاهرة بالرغبة في خلعه عن الحكم وإنهاء سلطته التي دامت عقودا طويلة، وتحويل البلاد إلى الحكم الديمقراطي، كما نادت الشعارات التي ظهرت في الميادين ورفعها المتظاهرون آنذاك.&
وفي نفس هذه الأثناء "تناقلت الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي ومنتديات المعارضين الليبيين في الداخل والخارج الدعوة المفتوحة لإعلان يوم 17 شباط/فبراير يوما مفتوحا للغضب ضد النظام وسياسته، وقد تظاهرت بنغازي ومن ثم العديد من المدن في الشرق، وكان رد فعل النظام قاسيا، حيث أوعز لأجهزته الأمنية بإطلاق الرصاص على المتظاهرين العزل، وقد انقسم ردود عناصر هذه الأجهزة إلى نوعين: منهم من أطلق الرصاص بقصد القتل وإخماد هذه المظاهرات سريعا، ومنهم من رفض ذلك وانضم إلى المتظاهرين مع أول فرصة لاحت له بفعل ذلك، ومع سقوط العشرات من المدنيين، لجأ الشباب الليبي في المناطق المنتفضة إلى السلاح، حيث نٌهبت المقار الأمنية ومخازن الجيش، وتم مقارعة قوات النظام بشكل مسلح، وفي 22 شباط/فبراير اجتمعت القمة العربية وقامت بتجميد عضوية ليبيا احتجاجا على القمع المنقطع النظير للمحتجين"(16).
لقد حكم القذافي ليبيا في الفترة ما بين 1969 و 2011 بيد من حديد، حيث حلّ الأحزاب السياسية ومنعها، وألغى نظام الانتخابات والوزارات، ووضع جميع السلطات في يده ويد مجموعة من العسكريين الموالين له، بالإضافة إلى ترقية أبناء قبيلته وبعض القبائل المتحالفة معها، وتسليم المناصب العسكرية والاقتصادية المهمة لهم. وقد منع نظام القذافي الحريات العامة وكمم الأفواه وطارد المعارضين وزج بهم في السجون، وعلى الصعيد الخارجي عمد إلى التدخل في العديد من مناطق العالم، حيث دعم حركات تمرد كثيرة، جاعلا من نفسه ثوريا عالميا يتعدى مشروعه حدود ليبيا، الدولة النفطية الغنية، قليلة السكان، والتي وصل على سدة الحكم فيها عبر انقلاب عسكري على الملك.&
وكان القذافي قد " استند في حكمه إلى آليات ثلاثة هي: شراء الولاءات العشائرية باستثمار الريع النفطي ( التحالف الثلاثي القوي بين قبائل القذاذفة والمقارحة وورفلة)، واستبدال المؤسسة العسكرية بالميليشيات العائلية الحامية للنظام، وإغلاق كل منافذ الحراك السياسي والمدني التي يمكن ان تشكّل دوائر وسيطة للمواطنة(انحصرت المؤسسات الأهلية في جمعيتين يرئس أحدهما ابن القذافي وترئس الأخرى ابنته"(17).
وهكذا وللخلاص من تركة القذافي الثقيلة ووضع حد لقمعه للشعب الليبي واستهتاره بحريته وكرامته ونهب ثروات البلاد ثار الليبيون. وقد ساعدت الظروف الداخلية والخارجية وحجم الاحتقان الكبير الليبيين على إطلاق تمردهم الأخير ضد هذا الرجل، والنظام المرعب الذي طوّره طيلة سنوات حكمه الاثنين والأربعين، وهنا انطلقت "الثورة الليبية" لتتحول إلى حرب أهلية دموية بين النظام والمعارضة، خسر فيها عشرات الآلاف حياتهم وتمزقت البلاد إلى مناطق متصارعة.
&
4ـ سوريا:&
في سوريا تميزت الحياة السياسية بالجمود منذ سيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي على مقاليد السلطة في البلاد عام 1963، حيث ضمّن هذا الحزب مادة في الدستور السوري، اعتبر فيها نفسه "قائدا للدولة والمجتمع" وهو ما يعني إقصاء بقية القوى والأحزاب عن المنافسة الديمقراطية على السلطة عبر نظام انتخابي، وإبقاء السلطة وكل مؤسسات الدولة في يده. وفي عام 1970 قام الجنرال حافظ الأسد، وزير الدفاع آنذاك، بانقلاب على رفاقه في الحزب الحاكم، سماه "الحركة التصحيحية" حيث تسلم مقاليد السلطة ليكون هو الرجل الأوحد في البلاد صاحب السلطات المطلقة وراسم ومخطط السياسات الداخلية والخارجية، مع شبكة واسعة من الحلفاء من تجار وعسكر، إلى تاريخ وفاته عام 2000، حيث تسلم ابنه بشار الأسد مقاليد الحكم خلفا لوالده، وكان عهده امتدادا لعهد والده، حيث كانت السمة العامة هي قمع الحريات واستمرار الاعتقال السياسي ومصادرة الحقوق ومنع الأحزاب والإعلام الحر واحتكار السلطة وإدارة الدولة مؤسسات مليئة بالفساد والفاسدين.&
وعندما اندلعت المظاهرات في تونس ومصر، بدأ السوريون يترقبون اللحظة المناسبة لإطلاق انتفاضتهم ضد حكم الأسد وحزبه وحاشيته، وانتظر الجميع الشرارة التي ستطلق هذه الانتفاضة فكان ذلك "بعد اعتقال عدة أطفال لكتابتهم عبارات تنادي بإسقاط النظام، حيث احتج الجيران والعشائر للسلطات المحلية. ولكن المسؤولين المحليين لم يفعلوا شيئا سوى إهانة العائلات، أطلقت الذخيرة الحية على المتظاهرين أمام مقر النظام، مما أهلب مشاعر الناس أكثر وأشعل احتجاجات أكبر تطالب بوضع حد للإهانة. لم تلق محاولة الأسد إرضاء "أهل درعا الوطنيين" آذانا صاغية، إذ لم يكن لديه ما يقدمه سوى الكلام، لقد فات الأوان، وانضم السوريون إلى الثورات العربية. في 20 آذار أضرم المحتجون النار بمقر فرع حزب البعث الحاكم في درعا وهم يهتفون " لا لقانون الطوارئ، فنحن شعب نهوى الحرية"(18).
ولأن النظام السوري هو في الأساس نظام قمعي عسكرتاري اعتاد على قمع الأصوات المعارضة وكيل التهم الكثيرة والطعن في وطنيتهم، فقد حسم قراره في اختيار الحل الأمني والضرب بيد من حديد منذ البداية في إطار مساعيه الرامية لمنع تكرار ما حدث في كل من تونس ومصر في سوريا، بل وأد الحراك السلمي والمظاهرات المطالبة بالديمقراطية والحريات العامة في مهدها، وعليه فقد " واجه النظام السوري الحركة الاحتجاجية ذات المطالب الإصلاحية في البداية بخطاب "الفتنة الطائفية"، والمؤامرة التي تستهدف "الاستقرار الاجتماعي"، والتي يتطلّب وأدها نهجّا قمعيا أمنيا، وراهن بذلك على خوف قائم فعلا عند فئات اجتماعية سورية واسعة من تطوّر كهذا(..) لكن النظام، بهذا الخطاب نفسه ضيّع فرصة احتواء القوى المنتفضة بداية، بشكل يٌمكّنه من الإصلاح، وربما الانتقال الديمقراطي التدريجي بقيادته من دون سفك دماء، ومن دون تعريض تماسك سورية وشعبها للخطر"(19).
وزاد من تعنت النظام السوري في الخضوع للمطالب الديمقراطية الحقة للجماهير المنتفضة وقطاع الشباب رهانه على موقفه الخارجي من الملفات الإقليمية مثل الموقف من قضية فلسطين ودعم المقاومة في لبنان والموقف من الحالة العراقية برفض التدخل الأميركي ودعم المجموعات المسلحة المناوئة للعملية السياسية هنا، حيث كان يظن بأن موقفه الخارجي هذا سيشكل حصانة له من انتفاض الشعب السوري ضده، مهملا بذلك العوامل الداخلية الكثيرة من قمع وفساد وسوء إدارة وفقر عام وغياب للحريات، وعليه فقد " تفاجأ النظام السوري بانتقال عدوى التغيير الثوري إليه، إذ كان محكوما بصورة نمطية فرضت عليه سوء تقدير قابلية المجتمع السوري للاحتجاج، لا سيّما عندما وضع شرعية بقائه في سلة السياسة الخارجية المقبولة شعبيا، ولذلك فقد رأى أن سبب الثورة في مصر هو سياستها الخارجية، وتجنّب، بذلك، رؤية الأسباب الاجتماعية السياسية والحقوقية الداخلية للثورات"(20).
وهكذا بدأت دوامة الأحداث في سوريا، حيث قمع النظام وآلته الأمنية والعسكرية تطال الاحتجاجات والمظاهرات السلمية التي طالبت في البداية بالإصلاح ضمن سلطة الأسد وحزبه، قبل أن تتجه إلى العسكرة والمطالبة بإسقاط النظام، جراء قمع النظام اللامتناهي وتدخل القوى الإقليمية والدولية والتي أرادت الإمساك بخيوط الأحداث وتحريكها بحسب مصالحها وأجندتها الخاصة التي لا تقترب أبدا من مطالب وطموحات السوريين في الديمقراطية والحريات العامة وإنهاء سياسة الفساد ونهب المال العام.&
&
5ـ اليمن:
شهد اليمن حروبا داخلية واضطرابات منذ عهد الاستقلال إلى عهد الوحدة وما تلاها. الاضطرابات في المشهد السياسي كانت مترافقة مع تردي واضح في الأوضاع الاقتصادية والمعاشية والخدمية، فهذا البلد يتميز بموارده المحدودة وشحة الإمكانات التي ترفد خطط التنمية وتوفير فرص العمل. مستوى المعيشة في اليمن متدن جدا قياسا بدول الجوار العربي، وتساهم القلاقل في الداخل والصراعات مع تنظيمات "القاعدة" ومجموعات أخرى، فضلا عن التركيبة القبائلية في إعاقة أي محاولات ترمي لتطوير هذا البلد، أما الفقر فتعتبر من " المشكلات الرئيسية والخطيرة في الوقت ذاته بل والمتصاعدة أو المتنامية بصورة مستمرة، إذ نجد انه في عام 1992 قدر نسبة الفقر المطلق أو الأعلى في اليمن ب 19.1% من إجمالي عدد السكان وبلغت نسبة فقر الغذاء 9% من إجمالي عدد السكان، ومن الملاحظ أن هذه النسب قد أخذت بالتصاعد السريع، حيث بلغت نسبة السكان الذي يعانون من الفقر المطلق حوالي 27% بحسب مسح ميزانية الأسرة لعام 1998 وارتفعت نسبة السكان الذين يعانون من الفقر الحاد أو فقر الغذاء إلى 19% ثم استمرت نسبة الفقر بالارتفاع بشكل كبير"(21).&
وقد تردّت الأوضاع الاقتصادية في عهد صالح كثيرا، وزاد فقر المواطن اليمني وبالتالي حنقه على فشل الحكومة في تحقيق أي انتعاش اقتصادي ينعكس إيجابا على حياته اليومية، هذا ناهيك عن استمرار الصراع مع القبائل التي تعودت تحدي سلطة الدولة وإعاقة مشاريعها ما لم يكن لها صحة واضحة فيها، في ظل توازنات دقيقة لا يرى المرء مثيلا لها سوى في اليمن، " منذ عقود وأسواق الأسلحة المنتشرة في البلاد تجذب آلاف المشترين يوميا. ويٌقدر عدد الأسلحة في اليمن بنحو 60 مليون سلاح، أي بمعدل ثلاثة أسلحة لكل فرد(..) أثناء الحرب الأهلية القصيرة التي اندلعت بين الشمال والجنوب عام 1994، اشترى صالح زعماء القبائل ليضمن دعمهم، وهو ما حقق له انتصارا سريّعا. لكن زعماء القبائل في المناطق الريفية، الذين احتاج صالح دعمهم أيضا لينجو من الانتفاضة التي اندلعت ضده عام 2011، انتابتهم مخاوف من أن يؤدي تخليهم عن أسلحتهم إلى تهميشهم من الحياة السياسية، لذا رفضوا إغلاق أسواق الأسلحة. رضخ صالح مخافة التعرض لانتفاضة شعبية(..) وأخيرا عندما اندلعت الثورة التي كان يخشاها صالح، كان خصومه القبليون مسلحين تماما مثل جيشه"(22).
إذن الأوضاع الداخلية كانت مناسبة لظهور انتفاضة ضد الواقع السياسي السائد في ظل فشل الحكومة وسلطة علي عبد الله صالح وحزبه في إحداث أي تغيير نحو الأفضل في حياة اليمنيين، فالفقر يتسع والصراعات الداخلية مستمرة، والفساد السياسي يتوطّد، وثمة توجه واضح لدى الرئيس والحاشية المحيطة به والمستفيدة من حكمه في تعيين الابن أحمد لكي يتابع المسيرة من بعد والده رئيسا على الشعب اليمني، وهو ما كان يزيد الاحتقان ويضاعف الغضب لدى الشعب اليمني وبشكل خاص قطاع الشباب والقوى الديمقراطية. ومن هنا وبعد " فرار الرئيس التونسي بن علي بأيام، انطلقت المظاهرات الشبابية المطالبة بالإصلاح في اليمن. ورغم وعود الرئيس بعدم الترشيح لفترة رئاسية جديدة، إلا أن مساعي حزبه في رفع كل العقبات القانونية من أمام ترشحه أثار الشباب والقوى الديمقراطية ودفعها للمزيد من التظاهر والمجاهرة بإسقاطه. كذلك ساهم عامل آخر في تزايد الاحتقان وهو ارتقاء أحمد نجل الرئيس في السلك الأمني، و تنامي التخمينات برغبة الرئيس تسليم مقاليد السلطة له عبر الحزب والتحالفات القبلية المعهودة"(23).
لم يكن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي يحكم البلاد منذ نهاية الثمانينات مستعدا للرحيل على طريقة بن علي ومبارك، بل كان ينوي البقاء ظانا بأن ما يحدث مجرد أزمة وسوف تنتهي قريبا، لذلك اعتمد منذ بداية التطورات في البلاد على عنصري المراوغة والتحالفات القبلية الجهويّة، وهو ما لم ينفعه شيئا، بل تزايد الحراك المطالب بخلعه، كان "علي عبدلله صالح يخطط للترشح لمنصب رئاسة الجمهورية في الانتخابات التي كان من المزمع أجراؤها في 2013، وكان حزبه وأنصاره منشغلين في البحث عن الطريقة التي يمكنهم فيها من تمرير الأمر على الشعب من أجل تغيير الدستور لكي يتاح للرئيس الترشح لفترات رئاسية قادمة. وكان قطاع كبير من الشباب والقوى الديمقراطية يريدون منع هذا الأمر وإجبار الرئيس على تقديم استقالته. وتحت ضغط المظاهرات أراد صالح تقليد الرئيس مبارك في الإعلان عن عدم ترشحه لفترة رئاسية قادمة، وقدم خطابا في 2 شباط 2011 تعهد فيه بعدم الترشح لفترة رئاسية جديدة. لكن هذا الأمر لم ينطل على المتظاهرين واستمروا في المطالبة برحيل الرئيس. لكن صالح رفض الانصياع لمطالب الناس والاستقالة مفضلا البقاء حتى انتهاء فترة ولايته، وهو الأمر الذي أدي إلى تطورات كثيرة منها إطلاق مرتزقة تابعين لصالح وفريقه النار على المتظاهرين في 18 آذار 2011 مما أدى إلى مقتل 51 شخصا، وحاول صالح التنصل من المسؤولية أعلن حالة الطوارئ، وبدأ العد العكسي لرحيله"(24).
وهكذا انطلقت الانتفاضة اليمنية ضد حكم صالح باستلهام واضح من التحولات الأخيرة في تونس ومصر، لكن مع ظهور ملامح التجربة اليمنية التي عكست الخصوصية في هذا البلد الجنوبي المضطرب، ورغم مراوغة صالح ونظامه وإظهارهما التمسك الكاذب بالشرعية، إلا انهما تورطا في استخدام العنف ضد المتظاهرين والمعتصمين فسالت الدماء، وتضعضعت الصورة السلمية للحراك، وهي الصورة التي أرادتها القوى الشبابية والديمقراطية سمة لحراكها.&
__
إشـارات:&
1ـ د. علي حرب،" ثورات القوة الناعمة في العالم العربي: من المنظومة إلى الشبكة"، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 2012. ص 42 و43.
2- Jean-Pierre Filiu und Cyrille Pomes،“ Der arabische Frühling“، aus dem französischen von Harald Sachse، Carlsen Verlag GmbH، Hamburg، Deutschland. 1 Auflage 2013، Kapitel 1، S 3.
3ـ د. مروان بشارة، " العربي الخفي: وعود الثورات العربية ومخاطرها"، ترجمة: موسى الحالول، دار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2013، بيروت، لبنان. ص 9.
4ـ ـ د. بلقيس محمد جواد، "سوسيولوجية "ثورات" الربيع العربي: (دراسة تحليلية لفعل الثورات العربية)"، مجلة العلوم السياسية الصادرة عن قسم العلوم السياسية جامعة بغداد، العراق. العدد 44، ص 260.
5ـ جون آر برادلي، " ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط"، ترجمة: شيماء عبد الحكيم طه، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 2013، ص 8.
6ـ العربي صديقي، " تونس: ثورة المواطنة، " ثورة بلا رأس"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر. ص 2 و3.
7ـ جون آر برادلي، " ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 36.
8ـ د. مروان بشارة، " العربي الخفي"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 73.
9ـ نفس المصدر 83 و84.
10ـ موريال ميراك ــــ فايسباخ،" مهووسون في السلطة: تحليل نفسي لزعماء استهدفتهم ثورات 2011"، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2012، ص 10 و11.
11ـ سمير أمين، " ثورة مصر وعلاقتها بالأزمة العالمية"، دار العين للنشر، الإسكندرية، مصر، الطبعة الأولى 2011، ص 16.
12ـ د.مروان بشارة، " العربي الخفي"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 26.
13ـ د. جهاد عودة، "الثورات العربية وأثرها على طبيعة التغير الدولي: بناء الإشكالية"، مصر 2013، ص 23. موقع الكاتب على شبكة الإنترنت:&
http://www.gehadauda.com/?p=972.
14- Volker Perthes، „ Der Aufstand: Die arabische Revolution und ihre Folgen“، Verlagsgruppe Random House، 1 Auflage 2011، S79.
15- Jean-Pierre Filiu und Cyrille Pomes،“ Der arabische Frühling“، Kapitel 5.
16- Volker Perthes، „ Der Aufstand: Die arabische Revolution und ihre Folgen“، S 87.
17ـ د. السيد ولد أباه، "الثورات العربية الجديدة: المسار والمصير"، دار جداول، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى 2012، ص 36.
18ـ د.مروان بشارة، " العربي الخفي"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 129 و130.&
19ـ د. عزمي بشارة، " سورية درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن"، المركز العربي لدراسة السياسات، الدوحة، فطر، الطبعة الأولى 2013. ص 34.
20 ـ المركز العربي لدراسة السياسات، الدوحة، قطر، ورقة بعنوان " التوازنات الجيوستراتيجية للثورات العربية" ص 13.
21ـ د. جهاد عودة، "الثورات العربية وأثرها على طبيعة التغير الدولي: بناء الإشكالية"، مصر 2013، ص41.
22ـ جون آر برادلي، " ما بعد الربيع العربي: كيف اختطف الإسلاميون ثورات الشرق الأوسط"، مصدر سبق الإشارة إليه، ص 87.
23ـ Volker Perthes، „ Der Aufstand: Die arabische Revolution und ihre Folgen“،.92 und 93
24- Tahir ben Jelloun، „der arabischer Frühling“ S 67 und 68.
&





التعليقات