ليست المرة الأولى التي تجنح فيها إسرائيل إلى العمل العسكري في غزة، وليست المرة الأولى التي ترتكب فيها مجازر بالجملة، وليست المرة الأولى أيضا التي يصمت فيها المجتمع الدولي على دولة الإحتلال وتتخندق بعض دوله "الكبرى" في صف المعتدين وتعتبر ما ترتكبه إسرائيل من إبادة للمدنيين الفلسطينيين دفاعا عن النفس. وفي كل مرة تشن إسرائيل عدوانها وتجرب أحدث أسلحتها في مخبر التجارب الفلسطيني لا يتم إستهداف أيا من قادة حماس، ولا البنية التحتية للتنظيم الذي يزداد قوة ويطور أسلحته وأساليبه القتالية.
وبالتالي فإن الخاسر الأكبر من هذه الحرب العبثية هم المدنيون الفلسطينيون، الذين باتوا هدفا مكشوفا ومستباحا لطائرات الكيان الصهيوني، التي تصنع بطولات وهمية من خلال قصف شعب أعزل من الجو. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، إلى أين ستمضي إسرائيل بسياسة الهروب إلى الأمام واختلاق الأزمات للتنصل من التعهدات واستحقاقات "السلام المقبور" ومن ذلك تفكيك المستوطنات والكف عن عرقلة إقامة الدولة الفلسطينية؟

حل الدولتين
اتفقت جل مراكز الدراسات سواء الأمريكية أو الصهيونية على أن حل الدولتين هو الحل الأمثل لبقاء "إسرائيل" في الوجود "دولة يهودية" خالية من الفلسطينيين الذين يجب ترحيلهم إلى الدولة الفلسطينية التي افترضوا أنها ناشئة. لكن حل الدولتين هذا أصبح واقعيا غير ممكن التحقق في ظل الإستيطان الذي قضم أراضي الضفة الغربية وعزل الدن والبلدات والقرى الفلسطينية عن بعضها البعض.
فلا الولايات المتحدة ولا حكومات الكيان الصهيوني المتعاقبة استطاعت الحسم في هذا الملف بالنظر إلى شراسة غالبية المستوطنين و إيغالهم في التدين إلى حد التطرف وتشبثهم بمعتقدات وخرافات عفا عنها الزمن ومساندة جهات نافذة صهيونية وأمريكية وأحزاب سياسية لمطالبهم. ولا يتصور أيضا أن من يبني تلك المنشآت الإستيطانية الضخمة لديه الرغبة في هدمها لاحقا بما أن الإسرائيليين يدمرون في العادة مبانيهم إذا اقتضت الضرورة تسليم مناطق للفلسطينيين في "زمن السلام المزعوم".

الوطن البديل
وبالتالي فإن حظوظ قيام دولة فلسطينية، تعيش جنبا إلى جنب في سلام مع إسرائيل، وفقا للإسطوانة الأمريكية، بات أمرا شبه مستحيل في ظل الإستيطان. ومبادلة الأراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليست حلا أمثل باعتبار أن ما تم الحديث من الجانب الإسرائيلي عن إمكانية منحه للفلسطينيين في المثلث والنقب لايقارن بذلك الذي تم الإستيلاء عليها في الضفة الغربية في إطار الإستيطان، من حيث الجودة والخصوبة، كما سيزداد وفقا لهذه المبادلة المفترضة تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية المستقبلية لتصبح غير قابلة للحياة ومحاصرة من المستوطنين من كل حدب وصوب.
وحتى الأردن الذي اقترحه البعض كوطن بديل للفلسطينيين لا يمتلك الإمكانيات المادية واللوجيستية لاستقبال ملايين الفلسطينيين الجدد في إطار "الترونسفير" العنصري الذي نظرت له بعض الأطراف الصهيونية ولقيت مساندة من جهات أمريكية. فالبلد محدود الموارد من جهة، ويخشى حكامه من اختلال تركيبته الديمغرافية لصالح الفلسطينيين خاصة وأن ما حصل فيما سمي "أيلول الأسود" (سبتمبر الأسود) مازال ماثلا في الأذهان ويثير الحساسيات.
الدولة الواحدة
كما أن حل الدولة الواحدة ذات القوميتين الذي نظَر له المفكر الفلسطيني الأمريكي الراحل إدوارد سعيد، وتلقفه القذافي وتبناه كطرح لحل القضية الفلسطينية يثير هلع الإسرائيليين ويعتبرونه سببا لزوال "دولتهم". فالتزايد الديمغرافي الكثيف للفلسطينيين، الذي يسميه البعض "القنبلة الديمغرافية"، سيجعلهم بعد عقود أغلبية في هذه الدولة، وسيتحول الصهاينة إلى أقلية عددية غير قادرة على المسك بمقاليد الأمور في حال تم تنظيم انتخابات ديمقراطية.
فالأوضاع الراهنة، والتداخل بين السكان من كلا الطرفين، وزيادة الإستيطان سيؤدي في نهاية المطاف إلى حل الدولة الواحدة ذات القوميتين. لذلك، وبخلاف ما قد يبدو، فإنه لا توجد خيارات كثيرة أمام الإسرائيليين، فإما إيقاف الإستيطان وتفكيك وتهديم ما تم بناؤه والإنسحاب من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية لإتاحة المجال لإقامة دولة فلسطينية، وإما السير واقعيا باتجاه الدولة الواحدة التي ستكون ضربة قاصمة لهذا الكيان الذي زرع في أرض فلسطين. فالكيان الصهيوني يعيش حالة من التخبط تجعله يجنح إلى اختلاق الأزمات باستمرار التي يرى كثير من المفكرين أنها أحد أسباب بقائه، فيما يرى آخرون أن "الربيع العربي" أو "مشروع الفوضى الخلاقة" هو أحد أسباب استمرار إسرائيل لعقود قادمة باعتباره يصرف الأنظار عن القضية الفلسطينية ويجعل المنطقة تعيش حالة من الفوضى تبنى فيها التوازنات من جديد وفقا لما يخدم مصالح الجانب الإسرائيلي.
&