قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الثورة السودانية لم تندلع بغتة هكذا كما توقع عراب الحركة الاسلامية الدكتور الترابي الذي انقلب علي نظام الحكم الديموقراطي عام 1989 ثم انقلب عليه تلامذته وأصبح معارضاً للنظام الذي اتي به، بل كانت لها علامات ومؤشرات وسكرات ، فكلما زاد الظلم وارتفعت وتيرة الغبن في المجتمع ارتفع مؤشر هذه العلامات التي سبقت الانفجار ، وقد ضيع حزب المؤتمر الوطني الفاشل الكثير من الفرص لاصلاح نفسه والصدق ولو مرة مع شعبه بدلاً من سياسة اللف والدوران والكذب التي تبناها حتي كتب عند الله كذاباً ، فانهد السقف علي رأسه وصار الفرعون البشير الذي الذي يضلله زبانيته بانه اسد افريقيا أصبح ( فأر ) افريقيا يقبع تحت القضبان ليواجه مصيره المحتوم وما قدمت يداه.

لو رجعنا قليلا لديناميكية الحركة الاسلامية وسلوكها المقيت الذي ادى لانفجار هذه الثورة المباركة نجد أن الاسلامويين كنظام سياسي يتدثر بالدين الاسلامي دون تطبيق تعاليمه ، هي فكرة خبيثة لا يحكمها مبدأ اخلاقي ولا ضمير او اخوة او حب أو حتي احترام لكبارها او مشايخها طالما تضاربت المصالح بينهم ، هي ايدلويجيا قبيحة مبينة علي الخيانة والقتل وسفك الدماء والمحاصصات وحب النفس . فبخروج عراب الحركة الاسلامية من السلطة وانشائه حزب معارض سماه المؤتمر الشعبي ، خلت الساحة لتلاميذه غير الاوفياء امثال علي عثمان محمد طه او شيخ علي كما يطلفون عليه او (فار الفحم) كما يطبق عليه الثوار ، وزمرة من المتأسلمين حكموا البلاد بالحديد والنار وأذاوقها وبال الفقر والجوع والبهدلة في ابشع صورها ، هولاء الرجال الغير اوفياء عملوا علي تدمير السودان بشكل ممنهج كأنهم مأجورن من جهة ما لتدميره ولو انني ارى انهم دمروه اكثر مما يجب واخلصوا في تدميره حتي اوصلوه الي الحضيض في كل مناحي الحياة وشردوا خيرة ابناءه في الآفاق وقتلوا من قتلوا جسديا ومعنويا ، في عهدهم البائس تدهور كل شيء وصارت البلد مهملة ومتروكة هكذا بدون ادارة تسير بالبركة فتراكمت الاوساخ في المدن وترهلت المدارس وانتشرت المدارس والجامعات الخاصة بتمويل من حرامية الكيزان علي حساب التعليم الحكومي الرصين ، كان الكوز يدمر المستشفي الحكومي وينشيء مستشتفى خاص مكانه ، يهملون التعليم الحكومي وينشأون افخم المدارس الخاصة ذات الرسوم الخرافية ، اباحوا دخول السلع الردئية وصار السوق يعج بالسلع المضروبة وبالفساد والغلاء دون حسيب او رقيب علي حساب مدخلات الانتاج والسلع الاساسية ، كل ذلك يحدث وجودة التعليم الجامعي تنخفض ، ومستوى الاخلاق ينخفض ، ومستوى الامانة ينخفض وكروش الكيزان ترتفع وكذلك مؤخراتهم تمتد امتارا للوراء من مال السحت وعرق الغلابة وذلك دون ان يرف لهم جفن او تلين لهم عاطفة تجاه هذا القهر وهذا الموات الذي اصاب البلد في كل مفاصلها .

من هنا  بدأت وتيرة الغضب تتنامي والاصوات تعلوا من قبل فئات جديدة في المجتمع ، حيث ان المعارضة التقليدية والاحزاب القديمة تم تفكيكها من قبلهم سواء بالاغراء ومنح المناصب او السجن او الابعاد من البلد، وعندما عجزت الدولة عن توفير حتى رغيف الخبر وبنزين السيارات والسيولة في البنوك ، في هذا الوقت اصبحت البلد مهيأة لانفجار الثورة بصرف النظر عن من يشعل شرارتها الاولى ، ولكن الذي لا شك فيه ان الثورة هذه المرة سيقوم بها جيل الشباب حراكاً وادارة وتنظيما ، وما عجل بهذا الانفجار المدوى لثورة الشباب بجانب الشلل التام للحياة في السودان هو اسلوب المكابرة والاستفزاز من قبل الكيزان ، فكانت تصريحاتهم الغبية والسمجة سبباً في ازيداد الحنق الشعبي ضدهم ، كان كبارهم يخرجون علينا بتصريحات اشد ايلاماً من تصريحات ماري انطوانيت عندما قالت (إذا لم يكن هناك خبزاً.. لماذا لا تعطوهم كيك ) فصاروا يعيرون الشعب بأنه في عهدهم عرف الهوت دوق والرغيف بدلاً عن ( الكسرة) والكهرباء والانتنرت ، ونسوا الثلاثون عاماً التي سرقوها من عمر السودان ولم يجدوا شيئاً يتفاخروا به سوى هذه الانجازات البائسة . وكان صغارهم يتطالون علي الناس في الاسواق ودور التعليم والطرق ويذلون الشعب بطرق غير قانونية ويسدون في وجههسبل الرزق الحلال والتكسب الشريف ، ليس هناك اي قانون يحمي الضعفاء غير الكيزان فحقوقهم مهضومة وشكاويهم تروح ادراج الرياح ، كانت سياسة ممنهجة لكسر كبرياء الشعب واخضاع رقابه تماماً ليحكمونه مدى الحياة ، وهم يتنعمون في قصورهم ويطلقون ابتساماتهم الصفراء التي تثير اسئمزار الناس ولكنهم بسبب غبائهم وصلفهم لم يكن في حسبانهم ان هذا المارد سيقوم وسيقتلعهم من صياصيهم ويرمي بهم في مذبلة التاريخ . 

ما ميز هذه الثورة الفريدة انها كانت ثورة وعي بكل ما تحمل الكلمة من معني ، الكل يعرف ماذا يريد من ورائها وما هي اهدافه منها ، بالتالي لم يسمح لراكبي الموجات من الركوب علي ظهرها وقد شهدنا طرد الكثير من المتسلقين من ميدان الاعتصام ، ثورة كانت نقية بروح شبابية وثابة لا مكان فيها لاحزاب تقليدية ولا لشخصيات دينية ، ولا احزاب "فكة" . ثورة جاءت لكنس الكيزان من المشهد السياسي السوداني الي الابد وتعريتهم وفضحهم واحلال شخصيات جديدة ونظيفة في الحياة السودانية للحاق بركب العالم الذي غبنا عنه لثلاثين عاماً ، ثلاثون عاماً اختفي اسم السودان من كل المحافل الدولية والاقليمية ، خلال هذه الحقبة المظلمة هجرتنا حتي الطائرات والخواجات والعقالات ، لم يعد يأتينا أحد ، اخذت الشركات العالمية صاحبة البراندات الشهيرة لافتاتها وغادرت ، فلم تعد تضيء سماء الخرطوم علامة مريديان هوتيل ، او هيلتون او غيرها من الفنادق العالمية الشهيرة التي كانت عندنا ، ولم تعد ترفرف فوق سمائنا اجنحة اللفوفتهانزا او الKLM ، حتي خطوطنا السودانية العريقة بيعت وسرقت وصارت من الماضي التليد.

فكان الشباب جسوراً وكان الوعي حاضراً ،وكانوا بالمرصاد لكل من تسول له نفسه تغيير مسار الثورة او تغيير اجندتها او أدلجتها لصالح مفهوم معين ، ومضت تواجه الرياح والقتلة وسافكي الدماء يوما بعد يوم وتنتصر عليهم الايادي الشريفة والصدور العارية في بري والعباسية وعطبرة والابيض وكل المدن السودانية الباسلة وكلما سقط الشهداء من الشباب سقطت راية من رايات الكيزان ، وكان الاعلام الكيزاني الموجه يقلل من شأن الثورة ويبث الروح السالبة في البسطاء والصحفويون اصحاب الاقلام الماجورة لم يقصروا في تدبيج المقالات الرخيصة المدفوعة الثمن مدافعين عن النظام الاسلامي الذي انشأ الكباري والمشاريع وفتح الجامعات ويظلوا يرددون هذه الحفنة من الانجازات الكاذبة ، فتطلع في وجههم المسيرات المليونية بشعاراتها الصادقة ( اي كوز ندوسو دوس ) ، (سلمية سلمية ضد الحرامية )، (سقطت سقطت يا كيزان.. سقطت سقطت علي عثمان ) . 

ويتواصل السقوط... ونواصل.....