قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لم يكن اللبنانيون يتوقعون أن يشهدوا أصواتهم تعلو في الساحات العامة بهذه القوة والزخم...

أن يرددوا بصوت عال هتافات ضد مسؤولين دأبوا منذ سنوات على استنزافهم...

أن تتحوّل الأخبار والشاشات من نقل كذب الساسة إلى نقل نبض الشارع الذي يثور...

أن يُسمعوا العالم صوتهم ويخبروه عن أوجاعهم...

أن ينكسر خوفهم من سياسيين وصلت بهم الوقاحة إلى سحب ناشطين إلى التحقيق لمجرد التعبير عن رأيهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي

أن تتحوّل الأضواء من حاكمي البلد إلى المحكومين فيه.

ولكن ما لم يكن في الأحلام حتى صار حقيقة... انكسر حاجز الخوف... الخوف من كل شيء.. نزل الناس إلى الشارع غير عابئين بالـ "بعبع" الآخر الذي خلقه السياسيون ليبتزونهم عاطفياً ويبقونهم تحت رحمتهم... ومن كان لديه شك ولو بسيط، اكتشف زيف تلك الادعاءات... فهذا الآخر من غير دين أو طائفة يجمعه به ألف شيء... يجمعهم الجوع والحرمان والاستنزاف.. وبات الشارع يجمعهم الآن أيضاً.

يقال "الشعب الذي يجوع يأكل حكامه"... والشعب اللبناني جاع ولم يعد يحتمل!

17 تشرين الأول 2019 لن يكون يوماً عادياً في رزنامة التاريخ اللبناني، هذا اليوم سيسجّل في التاريخ: اليوم الذي كسّر فيه اللبنانيون صمتهم وانتفضوا في الشارع... اليوم الذي قلبوا فيه الطاولة على سياسيين سلبوهم أبسط حقوقهم بالعيش الكريم... ظلوا يستفزوهم إلى أن أخرجوهم إلى الشارع، والوقائع تشير إلى أنهم لن يخرجوا منه قبل أن يحققوا مطالبهم.

مع وقاحة الضرائب الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة على التخابر عبر تطبيقات مجانية أصلاً، ولكن ليس الواتساب الذي جعل الناس ينزلون إلى الشارع، كان هو الشرارة التي أشعلت فتيل الشارع.

انتفض الشارع على استغبائه واقتراحات سد عجز الدولة دائماً من جيبه، من دون المس برواتب ومخصصات ورفاهية المسؤولين؛ فباحتساب بسيط للأرقام، الـ 216 مليون دولار التي روّج وزير الاتصالات بأن الخزينة ستجنيها من الضريبة على التخابر عبر الانترنت، المجاني أصلاً، لا يوازي كلفة رفاهية المسؤولين في سفراتهم على حساب الدولة مثلاً!

هذا عدا عن ضرائب جديدة كانوا يسوقون لها، عشية حرائق التهمت الأخضر واليابس في بلد يتغنى بخضاره، وروائح اهمال، تقاذف مسؤوليات وصفقات طفت إلى السطح على وقع ألسنة النار!

الضريبة على الواتساب كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، بعد سلة تجاوزات بحق هذا الشعب الذي ينوء تحت كاهل معيشته، استخفاف فيه وبحقوقه، وعنجهية غير مسبوقة من سلطة حاكمة.

مشهد الشارع شهدناه في العام 2005 بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وأثمر وقتها خروج الاحتلال السوري من لبنان. الا أنه كان ينقصه الشارع الشيعي، الذي كان على المقلب الآخر... ووقتها كان الخطاب سياسياً ونجوم المنابر ساسة، ولكن هذه المرة، الناس هم نجوم المنابر، وانقلبوا على أولئك الساسة.. وقتها أعطى الناس السياسيين الثقة ليتحدثوا بإسمهم ورددوا الخطابات خلفهم... أما الخميس الفائت، فرفعوا عنهم هذه الثقة، ما عادوا يريدونهم أو يريدون خطاباتهم.

لم يسبق للبنان أن شهّد هذه الأعداد من كل الطوائف، منتشرة في ساحات مختلفة عبر أراضيه تطالب الجميع بالرحيل.

لم يسبق أن خرج أهل صور والنبطية وطرابلس إلى الشارع منددين بزعمائهم، فالعادة جرت أن يُطوعوا لتلميع صورة هؤلاء.

لم يسبق أن خرج أناس من النبطية وشتموا رئيس مجلس النواب نبيه بري، أو من الطريق الجديدة شاتمين رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري... أو من صور شاتمين حسن نصرالله.. على الهواء مباشرة.

انكسر حاجز الخوف، وكأن كيل الناس فاض وضاق الوطن بهم ذرعاً من مسؤولين أحكموا القبضة على بلد ينزف... بلد جعله جشعي المال والسلطة ينزف بيئياً، اقتصادياً، اجتماعياً... خرج الناس يصرخون بأعلى أصواتهم، كفى.

كبار وصغار، نساء ورجال... خرجوا إلى الشارع يرفعون الصوت، يخبرون عن وجعهم... كل هذه السنوات كانوا يسمعون للسياسيين ولكن هذه المرة فرضوا صوتهم ليُسمعوا... "جوعتونا"... "شبعنا ذل"... "فلوا"... "رجعوا الأموال المنهوبة"... "مطرحكم الحبس"...وغيرها من العبارات التي صرخوا ويصرخون بها على الشاشات... والتشديد هذه المرة "كلن يعني كلن"!

لا تزال الساحات تغّص بالمتظاهرين ولا يزال هواء الاعلام مفتوحاً للناس ليُخرجوا صمت سنوات من الشعور بالغبن. لن يكون الرهان على الساسة الذين خرجوا بمهلة 72 ساعة بورقة اصلاحية، قد تكون جيّدة ولكنها لا تتضمن كل البنود التي يعترض عليها الشارع، ولا ثقة لهذا الشارع بتنفيذها...

الرهان أن يخلق هذا الشارع بنبضه الحقيقي بديلاً فعّالاً يُخرج لبناننا من أزماته، والناس من الساحات مهللين فرحاً بالانتصار!