قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يترافق التأهّب والتمهّل في قطار المواجهة الأميركية - الإيرانية، والإسرائيلية - اللبنانية عبر "حزب الله"، وذلك بتصاعدٍ وهبوطٍ على وتيرة الحرص ألاّ تتحوّل المواجهة الى حرب شاملة في هذا المنعطف. الاجتماعات المهمة التي عُقِدّت في لبنان بين قيادات إيرانية وقادة "حزب الله" أقرّت إجراءات احترازية وتصعيدية لكنّها شدّدت على عدم اتخاذ خطوات تفعيلية لفترة الأسبوع المقبل، على الأقل. طهران تأهّبت في إطار المعادلة النووية والنفطية بحيث استعدّت لاتخاذ إجراءات ومواقف "راديكالية" تتعلق بالاتفاقية النووية على ضوء فشل الجهود الفرنسية لضمان صيغة لبيع النفط الإيراني.

الولايات المتحدة استبقت التصعيد الإيراني بإعلان عقوبات إضافية، وهي تستعد لعقوبات إضافية نوعية الأسبوع المقبل في حال تنفيذ طهران وعود رفع نشاطاتها النووية وخفض التزاماتها بالاتفاقية النووية. أما إسرائيل فإنها، كما نقلت المصادر المطّلعة على سياساتها، تجهّز لما يسمّى بـ"عملية محدودة" في جنوب لبنان من نوع العمليات "الوقائية" التي تعالج مسألة الصواريخ الدقيقة التي يقول "حزب الله" أنه يملكها لكنه ينفي أن تكون هناك مصانع لتصنيع هذه الصواريخ كما تقول إسرائيل. وبحسب المصادر تدرس إسرائيل إطلاق اسم "الدفاع المعذور" Justified defence أو "الدفاع المُبرّر" على العملية. فالكل يتأهّب. الأسبوع المقبل سيكون حاسماً لجهة القرارات التي ستُتخذ لكن مواعيد جولات المواجهة الآتية لم يتم إقرارها أمّا رهن عنصر المفاجأة، أو في إطار الحرص على التمهّل كي لا يؤدي التهوّر الى حرب شاملة.

الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله اعتبر أن عملية "أفيفيم" التي قام بها ضد إسرائيل، ولم تسفر عن سقوط قتلى، قد حقّقت قفزة نوعية في المقاومة التي يملك مفاتيحها كما في المواجهة مع إسرائيل، متعهّداً بالمزيد. إسرائيل ردّت بقصف خجول لمزارع لبنانية مما أثار حماس وابتهاج جمهور "حزب الله" معتبراً ان "حزب الله" حقق "الانتصار العظيم" واستطاع "تحجيم" و"تكبيل" إسرائيل عسكرياً. وفيما توعّد نصرالله بإسقاطٍ لطائرات مُسيّرة إسرائيلية حينما يرتأي وبعمليات إضافية يقوم بها بتغييب تام للدولة اللبنانية مستولياً على قرار الحرب والسلم، توعّدت إسرائيل لبنان بأكمله إذا لم يوقف أنشطة "حزب الله".

تم احتواء جولة التوتر الأولى بين إسرائيل و"حزب الله" بجهود روسية، وكذلك فرنسية وأميركية. أتى الاشتباك على شكل تفاهمٍ مدروس بين إسرائيل و"حزب الله" سبق رد "حزب الله" على قتل إسرائيل اثنين من عناصره في سوريا، وردّ إسرائيل على رد "حزب الله" بما تجنب سقوط قتلى. وبقي الرد على عملية إرسال إسرائيل الطائرتين المسيّرتين الى الضاحية الجنوبية في بيروت قبل عشرة أيام، والذي تقدّر اسرائيل أنه آتٍ من "حزب الله"، وتسّتعد للرد عليه – امابتنفيذ للإنذارات المتتالية للحكومة اللبنانية بأن إسرائيل سترد "بقسوة" بما يكبّد لبنان كله بمدنييه ومنشآته الخسائر الضخمة، أو بعمليات محدودة ضد مواقع تصنيع الصواريخ الدقيقة تزعم أنها في البقاع والجنوب اللبناني.

أمين عام "حزب الله" حذّر إسرائيل من تهديدها مهاجمة لبنان وقال ان "الخط الأحمر الذي أقامته إسرائيل على حدودها مع لبنان قد تم تجاوزه. وإذا ما تمت مهاجمة لبنان، فإن كل جنودكم ومستوطناتكم سوف تكون مهددة".

الجولة الثانية، إذاً، آتية والأرجح أنها لن تكون مظبوطة ومنسّقة ومتفاهم عليها مسبقاً كما الجولة الأولى. الحكومة اللبنانية تتذاكى بمواقف خطيرة على السيادة اللبنانية وعلى السلامة اللبنانية تارةً بدعم استفراد "حزب الله" بقرار الحرب، وتارةً بإعلان عجزها من السّيطرة عليه. جولة التطمين المتبادل بين إسرائيل و"حزب الله" أسفرت عن تضليل الرأي العام التابع لـ"حزب الله" وزادت من التعجرف الذي يؤدّي الى زج الذات في خانة الإضطرار الى التهوّر والمواجهة، فيما الدولة اللبنانية في إجازة إجبارية فرضتها على نفسها تجنّباً لتحمّلها المسؤولية عن البلد.

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وجّه رسالة تحذير الى الرئيس اللبناني ميشال عون طالبه فيها بتفكيك المصنع الثاني الذي أقامه "حزب الله" وإيران لتطوير الصواريخ في البقاع، وأبلغ بومبيو وزير الخارجية جبران باسيل أنه "يجب على لبنان أن يقوم بتفكيك المصنع الثاني، وإلاّ فإن إسرائيل ستهاجمه وتدمّره في الأيام المقبلة". وأضاف ان أميركا "ستدعم الهجوم الإسرائيلي على لبنان". واشنطن تتعامل مع رئيس الجمهورية وصهره من منطلق علاقاتهما المميّزة مع "حزب الله" لكنها تتوقّع من رئيس الحكومة سعد الحريري أن يميّز نفسه عن تلك العلاقة ولا يهمّها أعذار أو تفاهمات "التسوية" بين عون والحريري و"حزب الله" التي تتحكّم بالعلاقة ذات الإطمئنان المتبادل بين الحريري ونصرالله. فبالرغم من مخاطبة الحريري الرأي العام الأميركي بلغة تبدو وانها مصوّبة ضد "حزب الله"، بقيت اللغة المحلّية على نغم "التسوية".

كان الحريري يتحدث الى CNBC عن "حزب الله" كمشكلة "محلّية وإقليمية تحتاج  الى علاج" ويقول: "أنا شخص براغماتي وأعرف حدودي. لا أوافق على تصرفاته، لكننا عاجزون عن كبح جماحه ولا نتحمل المسؤولية عن هجماته الأخيرة على إسرائيل. ولا أتعاطف مع أي مؤسسة مالية تخالف العقوبات الأميركية عليها". هذا الكلام هو بمثابة الهروب الى الأمام، والاختباء وراء الأصبع، والتهكّم على ذكاء الأميركيين واللبنانيين معاً. في نظر الإدارة الأميركية، كما في نظر شطر من اللبنانيين بمن فيهم شطر من قاعدة الحريري الشعبية، هذا الكلام يعني ان رئيس الحكومة يترك القرار السياسي والسيادي والأمني وقرار الحرب والسلم لـ"حزب الله" – وهذا لا يلقى تفهّم أو تعاطف إدارة ترامب، بغض النظر عن نغمة العجز وعدم تحمل المسؤولية.

أثناء الاجتماعات المهمّة في بيروت بين قيادات "حزب الله" وقيادات إيرانية رفيعة المستوى شملت قيادات "الحرس الثوري" هذا الأسبوع، تم الاتّفاق – بحسب المصادر المطّلِعة على ما حدث – على تسليم إيران لـ"حزب الله" أسلحة اضافية في غضون أسبوعين. كما تقرّر، بحسب المصادر نفسها، ايفاد طهران الى لبنان مجموعة من "المستشارين الإيرانيين للعمل على سيناريوهات عسكرية في جنوب لبنان" مع "حزب الله". إنما، أضافت المصادر، تقرر عدم اتخاذ خطوات فعليّة في غضون أسبوع، على الأقل لأسباب غير واضحة. إنما الواضح ان "شيئاً ما يُطبخ على الجبهة اللبنانية بين الحرس الثوري وحزب الله" قالت المصادر المطّلِعة.

في هذه الأثناء، ترتفع وتيرة التصعيد في طهران بسبب الإحباط وخيبة الأمل بالأوروبيين وبالمبادرة الفرنسية. فإيران لن توافق على عرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإيران الذي تضمَّن خطة ائتمان أوروبي بـ15 مليار دولار مقابل تراجع طهران عن زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم والالتزام بالاتفاقية النووية – والسبب هو رفض "الحرس الثوري" للعرض وإصرار مرشد الجمهورية علي خامنئي على رفع كامل للعقوبات التي تفرضها أميركا على إيران.

تقول المصادر ان قرار طهران في هذه المرحلة هو إعطاءماكرون والاتحاد الأوروبي مهلة إجراء جولة محادثات إضافية واحدة، تليها الإجراءات "الراديكالية"، إذا فشلت. والأرجح انها ستفشل لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يوافق على أيّة من طروحات ماكرون، أكّدت مصادر مطّلِعة، وأضافت ان القرار في واشنطن أثناءالاجتماع الخاص لبحث التطورات، هو المزيد من العقوبات المالية على إيران وأذرعتها ومَن يؤمّن لها التغطية السياسية أو الأمنية، وان التركيز سيكون أيضاً على ناقلات النفط للحؤول دون تمكّن إيران من بيع نفطها. وأضافت المصادر ان جملة عقوبات جديدة سيتم الكشف عنها الأسبوع المقبل فيما تتخذ طهران إجراءات بدء العمل على تطوير أجهزة طرد مركزي تخصّب اليورانيوم بطريقة أسرع – وهذا يعني الاقتراب من انهيار الاتفاق النووي.

السباق يقع بين عناد واشنطن وعناد طهران وبين مخاوف أوروبية وابتزازها إيرانياً. قد تنجح طهران في دفع الاتحاد الأوروبي الى إجراءات تتيح لإيران بيع نفطها بالنسبة التي تريدها طهران. لكن أركان إدارة ترامب، بالذات مستشار الأمن القومي جون بولتون، سيعطّل تنفيذ مثل هذه التفاهمات، إذا وقعت. فالقرار في واشنطن ما زال قائماً على ممارسة "أقصى الضغوط"، بالذات نفطياً، على إيران. والقرار في طهران هو رفض الحوار أو التفاوض على صفقة جديدة قبل رفع العقوبات عنها.

وفي لبنان، ان غطرسة كل من الأمين العام لـ"حزب الله"ورئيس الحكومة الإسرائيلية قد تدفع لبنان وإسرائيل الى حرب تخرج عن حدود التفاهمات المسبقة. سيناريوهات المعارك والحروب عبر الجبهة اللبنانية يتم إعدادها من قِبَل إسرائيل ومن قِبَل إيران. "حزب الله" سيتلقى ويتلقى طائرات مسيّرة جديدة هذا الأسبوع عبر "الباب الخلفي"، قالت المصادر، وهي "صينية الصنع". وبحسب هذه المصادر ان الصواريخ الدقيقة أتت الى "حزب الله" من إيران على "متن باخرة"، إنما هذا "لا ينفي استعدادات تصنيع الصواريخ بجهود إيرانية في لبنان".

فإسرائيل و"حزب الله" يتأهبان ويجهّزا عمليّات عسكرية بعضها مضبوط على إيقاع التفاهمات، وبعضها يسير على منطق التمهّل، والبعض الآخر يقع على حافة اخطار الغطرسة وسوء الحسابات.