قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تحتدّ حرب العقوبات والناقلات وسط أجواءٍ تصعيدية من الطرفين الأميركي والإيراني، وستزداد حدّةً هذا الأسبوع لأن صنّاع القرار في طهران يعتبرون الوضع الراهن المتوتّر لصالحهم وهم مرتاحون لمستوى القلق في صفوف الأوروبيين والوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما صنّاع القرار الأميركي يمارسون الصبر الاستراتيجي وهم مرتاحون في استراتيجية التطويق والخناق الاقتصادي لطهران لعلّها تكعى وتوافق أولاً على التفاوض على اتفاقية نووية جديدة تشمل الصواريخ الباليستية، وثانياً، لعلها تقتنع بالكفّ عن توسعاتها الإقليمية وبإصلاح منطق نظامها. كلاهما يريد الصفقة بشروطه المستحيلة لدى الآخر، وكل منهما يستعد بإجراءات نوعية تزيد الوضع اقتراباً الى المواجهة العسكرية. واشنطن بدأت تشكيل تحالف عسكري بحري قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد عنه انه سيكون جاهزاً بعد أسبوعين وان هدفه حماية الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب. هذا فيما حمّلت الولايات المتحدة وبريطانيا الى إيران مسؤولية الهجمات التي تعرّضت لها ناقلات ومنشآت نفطية، كما تحركت سفينة حربية بريطانية ثانية الى الخليج قرب المياه الإيرانية. ردّت إيران على تشكيل هذه القوة البحرية التي ستكون بقيادة وسيطرة السفن الأميركية مُطالِبةً بمغادرة جميع القوى الأجنبية للشرق الأوسط. القيادة في طهران تعتبر ان إطالة الوضع الراهن هو في مصلحتها لأن التراجع الآن بات مكلفاً لها، ولذلك تنوي التصعيد نوعيّاً، بمعنى استهداف القاعدتين الأميركيتين في البحرين وقطر في حال أطلقت واشنطن الرصاصة الأولى. إدارة ترامب أيضاً ستصعّد نوعياً عبر "تشديد كبير" للعقوبات على إيران وأذرعتها، حسب تعبير الرئيس دونالد ترامب. مصادر قالت ان هذه العقوبات ستكون بمثابة حصار تام لعزل وتطويق إيران كاملاً مع تجميد أرصدة لإيرانيين وغير إيرانيين تابعين لإيران. مصادر أخرى قالت ان إدارة ترامب ستفرض الأسبوع المقبل عقوبات ستطال الحياةالمعيشية للمواطنين الإيرانيين وذلك بهدف تحريضهم على الانتفاض ضد النظام في طهران أو الانفجار من الداخلimplosion. الطرفان يتّخذان الاستعدادات العسكرية بتأهب لحرب موسّعة شاملة. وبحسب المصادر، تحتاج الولايات المتحدة الى حوالى أسبوع قبل أن تصل مرتبة الجهوزية الكاملة لصراع مفتوح وحرب شاملة، لكن قدرتها الحالية كافية لجهوزية ضربات عسكرية، إذا برزت الحاجة. إيران تتأهب بقواتها وقدراتها وكذلك عبر القوات غير النظامية التي أنشأتها في دول عربية مثل "حزب الله" في لبنان و"الحشد الشعبي" في العراق. ما لم تزاحم الصفقة المواجهة، ان المسار يشير الى حتمية العمليات العسكرية في الخليج والشرق الأوسط. فمن وجهة النظر الأميركية، ويوافقها الرأي الآن الدول الأوروبية التي كانت طهران راهنت عليها وفشل الرهان، انّ كشف الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن مدى تخصيبها لليورانيوم لا يمكن تجاهله، مهما كان.

جميع الوساطات فشلت حتى الآن بإقناع القيادة الإيرانية بالتراجع عن مطالبتها واشنطن رفع العقوبات أو تخفيفها قبل الموافقة على خيار المفاوضات، وعن مطالبها من دول الاتحاد الأوروبي رفع الحصار النفطي عنها، وإطلاق سراح الناقلة التي اعترضتها بريطانيا في مضيق جبل طارق، وتفعيل الآلية المالية "انستكس" التي وُلِدَت ميتة بسبب تربّص واشنطن للذين يطبّقونها بعقوبات قاسية عليهم.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما زال يحاول أن يلعب دوراً مميّزاً مع القيادة الإيرانية كي تعدل عن التصعيد وتتوقف عن سياسة الاستفزاز الى الخط الأحمر واستدراج ضربة عسكرية أميركية تُنقذها – في نظرها – من خناق العقوبات ومن تمرد داخلي. محاولاته السابقة باءت بالفشل، لكن بوتين مستمر في سعيه ان يكون عرّاب ايقاف قطار المواجهة العسكرية والحرب الموسّعة.

الإيرانيون في القيادة منزعجون من المواقف الروسية لأنها في رأيهم "طريّة جداً" ويجب أن تكون أكثر دعماً للمواقف الإيرانية من مجرد التنديد. فهم راهنوا على روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي ليشكِّلوا رادعاً للإجراءات الأميركية العقابية، الاقتصادية منها والعسكرية. ما وجدوه ان التصعيد الإيراني أدى الى النتيجة العكسية مع الأوروبيين إذ زادوا ابتعاداً عن طهران وتحالفاً مع واشنطن بعدما عبر الإيرانيون خط تخصيب اليورانيوم الذي فضح الثغرة والنقص في الاتفاقية النووية.

وما لمسه الإيرانيون من الصين هي انها غير راغبة وغير مستعدة ان تدخل الصراع الأميركي – الإيراني لأنه ليس في مصلحتها. لذلك ستحصر مواقفها في الإدانة اللفظية العامة.

أما مع روسيا، فلقد أخطأت الحسابات الإيرانية في الافتراض ان التحالف العسكري الروسي – الإيراني الميداني في سوريا سيُترجم نفسه بتحالف مماثل في اطار مواجهة أميركية – إيرانية – إسرائيلية. موسكو واعية للاستراتيجية الإيرانية القائمة على دفع إدارة ترامب الى الخط الأحمر، والكرملين ليس مقتنعاً بحكمة هذا التكتيك. ثم ان موسكو لن تدخل طرفاً مع إيران في وجه حلف أميركي – إسرائيلي في حرب شرق أوسطية شاملة.

مع عبور إيران نسبة تخصيب اليورانيوم الى نسبة 20% في غضون 60 يوماً، انها تعبر خطوط حمر غير مقبولة لدى أيٍّ ممّن راهنت على مساندتهم لها في وجه إدارة ترامب -أوروبا والصين وروسيا، وكذلك القاعدة الشعبية الأميركية وأعضاء الكونغرس. صحيح ان أعداء دونالد ترامب يريدون له الفشل ومعارضيه يتمنون إخراجه من البيت الأبيض، لكن امتلاك الجمهورية الإسلامية الإيرانية السلاح النووي أو القدرة على تصنيعه هو الخط الأحمر لدى الأميركيين شأنهم شأن بقيّة العالم.

لذلك سيحظى دونالد ترامب بالدعم الأميركي والدولي الذي أراد حشده في العد العكسي الى الضربة العسكرية، بالرغم من الانتقادات والكراهية له.

الخطوة التالية في العقوبات النوعية التي ينوي فرضها ستزيد القيادة الإيرانية جنوناً لدرجة اما التهوّر أكثر واتخاذ قرار الانتحار، أو لربما تقودها الى الحكمة فتجمع أوراقها المتناثرة وتعيد النظر وتقبل بشرب كأس السم وتتراجع عن مواقفها وترضى بتعديل سلوكها الإقليمي وبإعادة التفاوض على الاتفاقية النووية.

تلك الخطوة ستكون عبارة عن حصار بحري وإجراءات عزل تمنع جميع الدول من التعاطي مع إيران وأذرعتها، مالياً أو عبر توفير السلاح لها. إذا أضيفت اليها العقوبات التي تثير نقمة الشعب الإيراني على النظام، سيدفع هذا التصعيد الأميركي القيادة الإيرانية الى الاختيار بين التنازل وبينالانتحار.

هناك من هو مقتنع بأن لدى الوصول الى حافة الهاويةBrinkmanship لن تختار طهران الانتحار لأن الانتحار ليس من طبيعة الإيرانيين. المَخرج عندئذ سيكون في وساطات سرّية على نسق الوساطة العُمانية في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما والتي أمَّنت للإيرانيين والأميركيين قناة بالغة السرية للتفاوض أُخفيَت عن الدول الخليجية الحليفة لعُمان، فتم التوصّل الى الاتفاقية النووية التي كان أحد أهم شروطها الإيرانية استبعاد دور إيران الإقليمي وتطبيق نموذج نظامهافي دولٍ عربية.

اليوم، تعي الدول الخليجية العربية ان الحرب ستكون مدمِّرة لها وهي تتجنب تبنّي التصعيد الأميركي وتوجيه التهم الى إيران. لكن هذه الدول تعي وتخشى أن تتم الصفقات السرّية وراء ظهرها وعلى حسابها وتريد أن تكون على طاولة مفاوضات تدق في عصب أمنها ومستقبلها. انها تتمنى لو تتفق الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية على تجنّب الحرب، لكنها تخشى ان تتوصّل هذه الإدارة الى ما توصّلت اليه الإدارة السابقة من صفقة نووية تضرب بعرض الحائط سياسات إيران التوسعية في الجغرافيا العربية.

دونالد ترامب فقط يعرف ما في ذهن دونالد ترامب. لكن إيران ستسعى وراء ابتزاز الانتخابات الرئاسية لتضغط على الرئيس الأميركي كي يقنّن المفاوضات حصراً في الملف النووي والباليستي في مقايضة استبعاد التوسّع الإيراني إقليمياً. إسرائيل مهمّة في هذه المعادلة لأن دونالد ترامب منحاز لإسرائيل ويضع أمنها فوق كثير من اعتباراته في الشرق الأوسط. والسؤال هنا هو: هل سترغب إسرائيل في الحفاظ على استمرار علاقاتها التهادنية التاريخية مع إيران ضمن تفاهمات مع طهران حول تواجدها في سوريا وحول مصانع صواريخها في لبنان وحول "حزب الله"، أو انها ستفضِّل استغلال فرصة القضاء على التهديد الوجودي لها الذي تتوعّد به طهران؟

إذا وقعت الصفقة الكبرى Grand Bargain، من الضروري ألاّ تُستَبعد الدول العربية عنها بل أن تكون جزءاً أساسياً منها. وإلاّ فإنها صفقة خطيرة وناقصة. إذا تمكّن دونالد ترامب من اتمام الصفقة الكبرى – التي تبدو اليوم صعبة المنال – يكون قد حقق انجازاً تاريخياً لن يُغضِب سوى شركات السلاح الكبرى، الأميركية والروسية وغيرها. وهذه ليست بمسألة هامشية لأن الكثير من سياسات الدول مبنيّة على تجارة السلاح.

الى حين وضوح آفاق امكانية الوصول الى الصفقة، تمضي طهران وحلفاؤها في التأهب عسكرياً. "حزب الله" في لبنان يتخذ اجراءاته ويتأهب في انتظار القرار من طهران – ان كان في اطار الاستباقية العسكرية وضرب اسرائيل قبل أن تضرب إيران، أو في إطار الرد على ضربة عسكرية اسرائيلية ضد المفاعل النووية في إيران.

في هذه الأثناء، يعتزم "حزب الله" الرد على العقوبات الأميركية ضد أفراد بارزين في شقّه السياسي الى جانب أحد أهم أركانه الأمنية، ليس عبر استهداف مباشر للولايات المتحدة وإنما من خلال الفرض على الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري إصدار موقف رسمي يندّد بالعقوبات الأميركية ويعلن دعمه لـ"حزب الله". واشنطن أبلغت الحكومة اللبنانية ان اتخاذها مثل هذا الموقف سيأتي بردة فعل عنيفة وسيعرّض لبنان الدولة الى عقوبات. "حزب الله" سهَّل تشكيل الحكومة برئاسة سعد الحريري كي يكون الحريري صمّام أمان لـ"حزب الله" أمام مختلف الضغوط الدولية، والحزب يطالب الحريري اليوم أن يفعّل نفسه كصمّام أمان.

إذا رفض اتخاذ هذا الموقف، ينوي "حزب الله" اسقاط الحكومة والعودة الى مجلس النواب حيث له أكثرية بتحالفه مع "التيار الوطني الحر" برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل صهر الرئيس ميشال عون. بعدها سيتم تشكيل حكومة مواجهة عسكرية لبنانية ويقع لبنان، عسكرياً وقضائياً وأمنياً واقتصادياً، في قبضة "حزب الله". وسيكون لبنان لاعباً تابعاً لانتماء "حزب الله" الى المحور الاقليمي بقيادة طهران.

واشنطن قد تضيف عقوبات جديدة الأسبوع المقبل ليس فقط على "حزب الله" وإنما على الذين يؤمّنون له الغطاء السياسي. اما اذا سقطت الحكومة واستُبدلت بحكومة مواجهة، فلبنان كله تحت طائلة العقوبات الأميركية.