قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ماجد ع محمد

لا شك أن الكثير من الناطقين بالكردية يحفظون عن ظهر قلب الجملة الفلكلورية "bi hêviya kes naghînê keziya" ومن باب الاختصار في الشرح والتوضيح، فالجملة من جهة ما ترمي إليه قريبة من معنى صدر بيتٍ شعري لأحمد شوقي، والذي يقول فيه:"وما نـيل الـمـطـالب بالتمنـي ـ ولـكـن تــؤخـذ الـدنـيا غلابـا"، وحيث أن الإعلامي سمير متيني وعبرعدد غير قليل من حلقات البث المباشر ولساعات طوال يحاول جاهداً تحقيق ما فشل فيه مجمل الأحزاب الكردية في سورية، بل ومعهم أغلب المثقفين وطيف كبير من الجمهور إضافة إلى قيادة إقليم كردستان، وذلك من خلال سعيه الدؤوب لفصل حزب الاتحاد الديمقراطي عن حزب العمال الكردستاني، ليس كرهاً ـ حسب متيني ـ بذلك الحزب أو بزعيمه عبدالله أوجلان، الماكث في سجن إيمرالي بتركيا، إنما من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكرد، باعتبار أن ذلك الحزب ومنذ سنوات هو الذريعة الكبرى لدى الدولة التركية لضرب أية منطقة كردية بحجة وجود كوادر أو قادة ذلك الحزب ليس داخل تركيا فحسب، إنما وحتى داخل سوريا وكذلك الأمر في العراق.

ورغم أن الكثير من كرد سوريا يتمنون في دخيلة أنفسهم أن ينجح متيني في مسعاه وما يصبو إليه، إلاّأن الأمر لا يبدو سهلاً بمنظور كل متابِعٍ لمسار العمال الكردستاني والمرتبطين به، وذلك ليس فقط من خلال المقارنة بين عقليته وعقلية باقي الأحزاب الكردية، إنما وكذلك في المقارنة بين الحزب الدنيوي المذكور وبين الحركات الجهادية الاسلامية حتى الأشد تطرفاً منها، إذ أن التنظيمات الجهادية رغم ارتباطها المعنوي بالقرآن والنبي والآخرة والجنة وكل ما له علاقة بما وراء الوجود، إلا أنها رغم كل تلك الأسباب التي تدعو المنتمي إلى تلك التنظيمات للتشبث بما يؤمن به، يظهر للمراقب بأنها قادرة على أن تغيّر ذاتها، وبمستطاعها التخلص مما يكبلها ويقيد حركتها أو يهدّد وجودها في الظروف القصوى، وتغيّر بالتالي قفطانها وشكلها وممارساتها ومفرداتها وتعيش فصول التقية بحذافيرها لسنوات طوال، كما فعل الكثير من المنتمين للاخوان المسلمين في سورية، حيث أنهم انتسبوا إلى حزب البعث العلماني وغدوا مع الزمن جزء منه، وتسنموا المواقع المهمة في الدولة والحزب من دون أن يسمحوا لأحد بالتعرف إلى كينونتهم، بينما العمال الكردستاني فرغم أنه مجرد حزب أرضي، ولا علاقة له بالنبوءة أو السماء أو الماوراء، وأسّسه أناس عاديون لا صلة لهم بما خلف الطبيعة، ولكنه مع كل تلك الفروقفوِفق العارفين بكنهه أن تحجره العقائدي يمنع قادته من إحداث أي تغيير مفيد في منهجيتهم وأفكارهم وسلوكياتهم وحتى ملافظهم، ما يعني بأن هذا التنظيم المحسوب على الكرد والذي فرض نفسه عليهم بالقوة والإكراه مثله مثل الأديان التي فرضت نفسها بالعنف والإكراه، فمن الصعوبة بمكان تحديثه أو تطويره أو تحويره ليلاءم العصر والبيئة والظروف المحيطة به، وذلك حتى يتجاوز المؤمنون به المرحلة القاهرة التي تمر بهم والتي يمر بها الكرد أجمعين من ورائه، إلا أن ذلك حسب قارئي سيرته قد لا يحدث إلاّ من خلال تفجيره من الداخل، أو عبر إحداث الشروخ العميقة في هيكلهالعظمي وأجنحته، والدليل على ما نقول هو أن آلاف الكرد على اختلاف مشاربهم السياسية، طالبوا ويطالبون منذ أعوام بقطع العلاقة النهائية بين العمال الكردستاني وروافده في سورية، ولكننا رأيناهم بالعكس تماماً يزدادون اعتصاماً ببراقع القائد، وصوره، وهلوساته أكثر من قبل، ورغم أن تمسكهم بشعارات وهياكل قائدهم المقيم في إيمرالي تسبب بغزو منطقة عفرين، ومن بعدها رأس العين وتل أبيض، إلا أنهم ما يزالون على ماهم عليه في التمسك بعمائهم الأيديولوجي، مَن يدري ربما إلى حين تدمير ما تبقى من المناطق الكردية بسبب ذلك التنظيم وزعيمه المافوق مقدس حسب عابديه، بينما جبهة النصرة(هيئة تحرير الشام) وهو أكثر تنظيم إسلامي متطرف في سوريا ومع ذلك استطاع أن يغيّر خطابه أكثر من مرة، ففي المرة الأولى حين اشتد الضغط عليه العام الماضي مثل هذه الأيام من قبل الروس والمجتمع الدولي، إذ بعد طلب الجهة التي تدعمه بالمال والسلاح بتغيير شعاراته وإنزال اللافتات الدينية من على الشاخصات في الشوارع والساحات العامة في محافظة إدلب، فعل التنظيم ما طُلب منه لينقذ نفسه من احتمالية الانقضاض عليه بتهمة الإرهاب، وكذلك الأمر لئلا يُحرج الداعم أمام الدول المعنية بالشأن السوري، بينما في نفس الفترة التي كانت تركيا تهدّد بغزو عفرين بذريعة ارتباط حزب الاتحاد الديمقراطي بحزب العمال الكردستاني، وبدلاً من أن يتبرؤوا من الحزب "الذريعة" كما فعلت النصرة، رأيناهم يُكثرون من صور عبدالله أوجلان وأعلام حزبه وشعاراته السياسية والعسكرية قِبال الحدود التركية، من باب تثبيت التهمة أكثر، وترسيخ الذريعة وتأكيدها مرةً تلو الأخرى، وذلك حتى يكون هناك مبرر دائم للهجوم على المناطق الكردية بتلك الحجة!.

وفي هذا العام وكما هي العادة استأنف أتباع ومريدو أوجلان نشر صور المعبود في مخيمات الشهباء بريف حلب، وكذلك الأمر في كوباني وقامشلو وكله من باب مجاكرة تركيا ـ كما يتصرف الأطفال ـ والقول للعالم أجمع بأنهم أتباع مخلصون لذلك المأمور في إيمرالي، ربما حتى يتلاشي آخر كردي في المعمورة خدمةً لإله الحزب عبدالله أوجلان، وطبعاً الخدمة الأعظم هي للآله التي تديره، وذلك من خلال الإبقاء على نار الذريعة مشتعلة لدى الدولة التركية لتهاجم المناطق الكردية بتلك الذريعة متى ما عن على بالها ذلك، طالما أن لديها فئة عمياء تخدمها أكثر من عشرات التنظيمات الموالية لها، بينما بالمقابل ولمجرد أن شعرت جبهة النصرة(هيئة تحرير الشام) بأنها باتت مهددة فسرعان هيأت نفسها للتغيير الجذري وليس فقط الشكلي والتنظيمي والأدبياتي، وذلك عندما أبغلت الهيئة في 16 من الشهر الجاري بعض وسائل الإعلام، بأنها تتجه نحو حل نفسها خلال الفترة القريبة القادمة، لئلا تقدم الحجّة لروسيا ونظام الأسد حتى يقصفوا مناطقها ويهجموا عليها بذريعة محاربة الإرهاب.

والمثير للدهشة حقاً هو أننا ههنا أمام تنظيم متشدّد وجزء من القاعدة، ولكنه بنفس الوقت فعند الضرورة مرِن وقادر على أن يناوِر ويغيّر لونه وشكله وهندامه بسرعة هائلة! بينما حزب العمال الكردستاني فيبدو أنه أشبه بحجر صوان ومن شبه المستحيل إحداث أي تغيير في فكره وبنيته ومنهجه، والذي يبدو لمتتبع تاريخه وكأن واجدوه ومؤسسوه والمؤمنون بكنهه لم يسمعوا بشيء عن جوهر الفكر القائم على التغيير الدائم، لدى هيراقليطس، ذلك الذي أوجد دعائم فلسفة التغيير قبل الميلاد بأكثر من 300 سنة، فتصور يا قارئنا العزيز شخصاً قبل الميلاد بقرون يقدم للعالم أجمع دعائم فلسفة اللاجمود واللاثبات، بينما حزب من هذا العصر غير قادر على أن يغير حتى خربشات زعيمه؟.

ختاماً فإذا ما قلنا بأن نفس الدول الإقليمية التي تقول بأنها تحارب التنظيمات الإسلامية المتطرفة، بأنها هي نفسها التي خلقتها وتغذي شرايينها الرئيسية حتى تحقق كل الأهداف التي تبغيها من وراء تلك الحركات، فهذا يعني بأنه من السهل على صاحب الشريان الرئيسي أن يأمر التنظيم بالحل أو الربط، بالظهور أو الضمور، بالنهوض أو المكوث، بالتحرك أو الجمود، وإذا ما افترضنا بأن حزب العمال الكردستاني خاضع أيضاً لنفس الشرط، أي أن مخابرات الأنظمة الإقليمية نفسها المتحكمة بمصير الحركات الإسلامية المتشددة قادرة على توجيه الحزب الأم مع فروعه وروافده إلى الجهة التي تريد، ولكنهاالآن مستفيدة من بقاء التنظيم على كامل جمودهوتحجره، فما هي إذن عوامل القوة والتأثير لدى الإعلامي سمير متيني حتى يدفع بعض القادة الميدانيين لذلك التنظيم بأن يعملوا بخلاف توجيهات مخابرات الدول الاقليمية الثلاث؟ إلاّ اللهم إذا ما استطاع من خلال أدواته الخاصة أن يحشد جماهير الحزب ضد الممسكين بزمامه من وراء الحدود ودفعهم للمطالبة بالفصل التام عن العمال الكردستاني، ومن ثم تحقيق الأمنية التي لم يقدر على تحقيقها عشراتالأحزاب الكردية في سورية والعراق، ويا ترى هل سينجح الإعلامي سمير متيني في تأليب القاعدة في الداخل على القيادة في قنديل؟ أم أن لديه عصا سحرية ما ستساعده على القيام بالذي أخفق فيه كل مَن ذكرناهم في الأعلى؟