قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عام 2009 كتبت مقالاً بعنوان (العراق بين الإبتلاع الايراني والإحتضان العربي) تحدثت فيه عن أن العراق كان حينها، وفي الحقيقة لا يزال، بين خيارين لا ثالث لهما، وهما إما أن يتم إبتلاعه من قبل ايران جارته اللدودة التي تتحين الفرص للإنقضاض عليه، أو أن يتم إحتضانه من قبل أشقاءه العرب الذين يمثلون عمقه الجغرافي والتأريخي والثقافي. فأحداث ما بعد 2003 كشفت أن الحديث عن أن العراق يمكن أن يعيش بإستقلالية وبمعزل عن التأثيرات الخارجية هو حديث عبثي، بسبب موقعه الجغرافي الذي يمثل نقطة تقاطع مجموعة مصالح متضاربة لدول جواره الإقليمي، وتركيبته الإجتماعية المعقدة التي نجحت بعض الدول الإقليمية، وتحديداً إيران، في اللعب عليها وتسخيرها لخدمة مشروعها التوسعي للسيطرة على المنطقة. لذا لا يمكن للعراق أن يأخذ جانب الحياد بين طرف يريد إبتلاعه وإمتصاص خيراته وإستعباد شعبه، وبين طرف يسعى لإحتضانه وينظر اليه بتقدير وإحترام. لكن خطة ايران المحكمة، وتردد الدول العربية وإنسحابها السريع وتسليمها لايران من أول جولة خاضتها معهم بعد 2003، بالإضافة لسيطرة أحزاب موالية لايران ولديها قاعدة مجتمعية عريضة على السلطة في العراق، كلها عوامل ساهمت بسحب العراق من حضن عمقه العربي ورميه بين فكّي إيران.

عاد هذا العنوان الى ذهني وأنا أتابع ماتمُر به إيطاليا في هذه الأيام. فايطاليا تعاني منذ سنوات من وضع إقتصادي صعب يثقل كاهلها، مما تسبب بموجة هجرة شبابية ماتزال مستمرة الى الخارج، مقابل بقاء المُسنين الذين لا يستطيعون النهوض بالواقع الاقتصادي للبلاد. لذلك فهي ورغم عظمتها تأريخياً وقوتها إقتصادياً تحتاج الى من يمد لها يد العون، الذي لطالما جائها من الإتحاد الأوروبي وبأيادي أوروبية من لحمها ودمها وعمقها التأريخي والجغرافي وأنقذ إقتصادها من الإنهيار لمرتين على الأقل. رغم ذلك وجدت دولة كالصين، لديها مشروع توسعي لا يختلف كثيراً عن مشروع إيران في أهدافه العامة، لكنه أكثر عقلانية وذكائاً منه، يعتمد الإقتصاد وليس الدين والطائفية، منفذاً للتوغل الى داخل إيطاليا، وقد ساعدها في ذلك اليمين الإيطالي الشعبوي، الذي يعارض وجود إيطاليا في الإتحاد الأوروبي ويسعى لإخراجها منه. لكن اليوم مشكلة إيطاليا بسبب كورونا أكبر، فهي لا تتعلق بالإقتصاد فقط بل بالارواح التي بدأتت تسقط دون حساب ولا مكان حتى لدفنها! وقد نجحت الصين وأصدقائها من اليمين الايطالي في العزف على أوتارها، مستغلة حالة الصدمة التي أصابت الإتحاد الأوروبي وعرقلت إستجابته السريعة لندائات إيطاليا وطلباتها بتقديم العون لها، فاستغلت الصين، التي كانت قد بدأت تتعافى بقدرة قادر من فايروس كورونا الفرصة بارسال كمامات وأجهزة كشف، تبين فيما بعد بأنها تالفة!

إن الضرر الذي أصاب إيطاليا من فايروس كورونا جعلها ساحة لمعركة جيوسياسية لكسب قلوب وعقول الإيطاليين، بين الصين التي أرسلت بعض الأطباء والكمامات، وروسيا التي أرسلت جنوداً متخصصين بالحرب البيولوجية، وكوبا التي أرسلت بضعة أطباء، من جهة، وبين الإتحاد الأوروبي، الذي يناقش المساعدات المالية، ويرسل أطناناً من المواد الطبية، وتستقبل بعض دوله كألمانيا مرضى إيطاليين بحالات خطرة في مستشفياتها، من جهة أخرى. لذا ما إن إستفاق الإتحاد الأوروبي من صدمة كورونا التي عصفت بدوله بين ليلة وضحاها، حتى وجد نفسه أقل شعبية في إيطاليا من الصين! ووجد الشاحنات العسكرية الروسية تسرح وتمرح بإحدى أكبر دول الناتو! لكن ما الذي أوصل الحال الى هذا الحد؟ وكيف يمكن علاجها، وهل بات بالإماكن ذلك أصلاً؟. نعم كان رد فعل الاتحاد الأوروبي متأخراً ومرتبكاً تجاه تفشي الوباء في إيطاليا بالبداية، إلا أنه تدارك الأمر وبذلت دوله ولا تزال جهوداً حثيثة لمساعدة إيطاليا في الخروج من هذا الأزمة بأقل الخسائر البشرية والإقتصادية، لكن للأسف بعد أن ترَسّخ مشهد وإنطباع أن الاتحاد الأوروبي لم يفهم ما الذي على المحك، ممثلاً بالمفوضية التي تتحمل مسؤولية أكبر من دولهاعما حدث، بعد أن غرقت مع دولها بدوامة كورونا، في الوقت الذي كان يجب عليها أن تكون أقوى وأن تقود دفتهم وتمسك بخيوطهم وتبقيها معقودة معاً. وهو مايعيد الى الأذهان السؤال الذي يطرح دائماً حول مدى صعوبة التوفيق بين حاجات الدول القومية ومتطلبات الإتحادات الإقليمية.

لكن هناك بُعد آخر للقصة يجب أن لا نغفله أشَرت اليه قبل قليل، وهو بُعد إيطالي لا علاقة له بكورونا ويسبقها بكثير. فقد بدأ السياسيون الشعبويون بشن حملات ضد الاتحاد الأوروبي منذ سنوات عديدة تتبنى بروباغندا هدفها ورسالتها واحدة لكن بحجج مختلفة، سواء كانت أزمة اليورو، أو الهجرة، أو كورونا، تتبنى خطاب: " أن إيطاليا تترك دائماً بمفردها" أو "ألمانيا تسعى لإذلال إيطاليا"، أو "الاتحاد الأوروبي ليس سوى مشروع لضمان سيادة ألمانيا على أوروبا" وغيرها من العناوين التي تُغذي النفس القومي المُعادي لأوروبا لدى الايطاليين. وهو بالمناسبة نفس ما مارسته إيران عبر أتباعها مع العراقيين، حينما غَذّت في نفوسهم كراهية أشقائهم العرب وصَوّرتهم على أنهم يكرهونهم ويرسلون لهم الإرهابيين، رغم أنها هي التي كانت تُمَول هؤلاء الارهابيين وتسهل حركتهم. ففي عام 2018 فاز حزب ليجا وحركة خمس نجوم، اللذان يتبنيان ويطرحان هذه الخطابات، بأكثر من 50% من أصوات الناخبين الإيطاليين. حينها سارت الهجمات ضد الإتحاد الأوروبي جنباً إلى جنب مع فتح الأبواب على مصراعيها تجاه روسيا والصين. فرئيس حزب ليجا ماتيو سالفيني لا يخفي إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان يزوره في الكرملين وتربطه به إتفاقيات صداقة. أما لويجي دي مايو زعيم حركة خمس نجوم، فقد قام بزيارة الرئيس الصيني عدة مرات، ووافق على العمل معه بشكل وثيق، وساهم بدفع إيطاليا لتوقيع إتفاقية رسمية مع الصين بشأن ما يسمى طريق الحرير، رغم معارضة الإتحاد الأوروبي لذلك!

صحيح إن من يحكم إيطاليا اليوم هو إئتلاف حكومي من الإشتراكيين الديمقراطيين صديق بغالبيته لأوروبا، على الأقل فيما يتعلق بالسياسة الأوروبية. لكن الطروحات المعادية لأوروبا مازالت تلقى رواجاً في الشارع الإيطالي مستغلة الوضع الإستثنائي الذي تعيشه البلاد. فقد نشرت السياسيّة اليمينيّة المتطرفة جيورجيا ميلوني فديو لمدة 23 دقيقة ضد الفرنسيين والألمان على الفيسبوك نقر عليه ثمانية ملايين شخص خلال مدة قصيرة! وحينما خرج الفنان الكوميدي سولنغي بخطاب كراهية ضد الألمان على اليوتيوب شاهده أكثر من أربعة ملايين شخص! إن هذا الخطاب وما يرافقه من دعاية هو الذي يفتح أبواب إيطاليا لمنافسي لإتحاد الأوروبي، وكون الحكومة الإيطالية صديقة للأخير لم يعد كافياً لإحتواء النفوذ الذي إستطاعت الصين تحديداً وروسيا بدرجة أقل، إكتسابه في إيطاليا بفضل الشعبويين. وهو ما يتطلب جهود حثيثة وإستثنائية من الإتحاد الأوروبي لمنع ضياع هذه الدولة المهمة بالإتحاد الأوروبي، وتحولها الى لقمة سائغة للصين وحلفائها الذين يسعون لإقامة نظام عالمي جديد على أنقاض النظام الحالي الذي ينتظرون إنهياره في أية لحظة.

ما حدث قبل أيام مثلاً بين وزير المالية الهولندي وأنطونيو كوستا رئيس وزراء البرتغال يعكس عمق الأزمة التي يعيشها الإتحاد الأوروبي حالياً. إذ لطالما إعتُبِر كوستا شخصية توافقية وإبن بار للسياسة الأوروبية، لكن في الأسبوع الماضي ضرب كل ذلك بعرض الحائط، وإحتدم أمام الكاميرا ضد وزير المالية الهولندي ووصفه بأنه "كان مقرفاً وتافهاً"، لأن الأخير طالب خلال النقاشات التي دارت لإيجاد استراتيجية أوروبية مشتركة لمحاربة فايروس كورونا، بالتحقيق أولاً في أسباب تعامل بعض الدول بشكل أفضل مع تداعيات الأزمة من غيرها، وهو ما إعتبره كوستا إتهاماً مبطناً لدول جنوب أوروبا بالتقصير. ففي ألمانيا أعلنت الحكومة الألمانية عن ضمانات بحوالي 35% من الناتج الإجمالي من أجل عدم ترك أي ثغرة فيما يتعلق بقدرتها على تغطية الخسائر قدر الإمكان، بالمقابل لم تقدم حكومات إيطاليا وإسبانيا حتى الآن سوى ضمانات بنسبة 10% من إجمالي ناتجها المحلي.

يوضح هذا الأمر التحدي الذي تواجهه الدول الأوروبية حالياً لإيجاد الحلول المناسبة لمواجهة الكارثة الإقتصادية الوشيكة التي سترافق أو تتبع حالة الطواريء الصحية الحالية إذا إستمرت لفترة طويلة. وجبهة الصراع نفسها كالعادة. فمن ناحية، يطالب قادة الدولتين المتضررتين بشدة، وهما إيطاليا وإسبانيا، أن تُنشيء منطقة اليورو صندوقاً مشتركاً للأزمات لتمويل برامج الرعاية الصحية والدعم الاقتصادي لدول الإتحاد أينما تكون الحاجة القصوى لذلك، تأتي أمواله من سندات مشتركة صادرة خصيصاً، تسمى سندات كورونا، لمنع البلدان المثقلة بالديون من أن تثقل كاهلها بأسعار الفائدة المرتفعة التي تعيق إعادة بنائها. من ناحية أخرى يقف الألمان ومعهم مؤيديهم من هولندا والنمسا، بوجه هذا الطلب. فوزير المالية الألماني أولاف شولتز يرى بأنه "لا توجد حاجة لإيجاد آليات جديدة، ويمكن تفعيل التضامن بين دول أوروبا من خلال القروض التي منحت دول اليورو بالفعل آلية الاستقرار الخاصة بها". لكن البعض يرى بأنه إذا عادت أوروبا الى إعتماد سياسة القروض فإنها ستكرر نفس الخطأ الذي دفع بلدانها إلى الركود الثاني عام 2012 بعد أزمة 2008، لأنه سيساهم بإبقاء البلدان المثقلة بالديون طافية مع قروض طواريء وتدابير تقشف صارمة، لذا تعتبر القروض أمراً مرفوضاً بالنسبة لحكومتي إيطاليا وإسبانيا. بالتالي أمام الخطر الذي يهدد أغلب الدول الأوربية، والذي لن يتوقف ويقتصر على الركود بل قد يصل الى الإنهيار الاقتصادي لكل منطقة اليورو، ناشد الخبراء حكومات الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن نزاعها القديم والتفكير بحلول مشتركة لتجنب الكارثة الاقتصادية التي تلوح بالأفق. ففي ألمانيا مثلاً برزت في الآونة الأخيرة دعوات لمجموعة إقتصاديين وسياسيين الى إعتماد "مشروع مارشال لجنوب أوروبا"، على غرار مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي حينها، فقد تسببت الحرب العالمية الثانية بتدمير الاقتصاد الأوربي وإنهياره وكساده إلى حدٍ كبير، مما أدى لإنتشار الفقر والبطالة بشكل واسع، وهو ما يُتَوَقع حدوثه بعد إنهاء أزمة كورونا.

هكذا دعوات لم يألفها الإتحاد الأوروربي سابقاً، ما يوحي بأنه لا تزال هنالك فرصة لتوَحّد الأوروبيين بمواجهة الإنهيار الإقتصادي الذي ينتظرهم كأبرز تداعيات أزمة كورونا، وإذا حدث ذلك وسار الأمر على ما يرام، فسيجعل الإتحاد الأوروبي يخرج من هذه الأزمة أقوى من أي وقت مضى. وهو ما أشارت اليه المستشارة الألمانية ميركل يوم الإثنين خلال مؤتمر صحفي سبَق مؤتمر لوزراء مالية منطقة اليورو، إذ إعتبرت أن أزمة كورونا تشكل أكبر إختبار للاتحاد الأوروبي منذ تأسيسه، مؤكدة أن ألمانيا مستعدة للمساهمة لدفعه قدماً، وأضافت "الكل متأثر على حد سواء، بالتالي من مصلحة الجميع وألمانيا أن تخرج أوروبا قوية من هذا الاختبار".

مواضيع قد تهمك :