قبل أيام قليلة غرد عبر حسابه استاذ العلوم السياسية الاماراتي/ عبدالخالق عبدالله، بهذه التغريدة نصا، والتي جاءت على وقع إياك أعني واسمعي يا جارة:
"أينما تذهب الامارات؛ تذهب بقية دول المنطقة"..

وقد تبادر هذا السؤال إلى ذهني عندما وقعت عيني على تغريدة عبدالخالق.. ما هذه "الردة الأكاديمية" التي يؤسس لها عبدالخالق بيننا ؟
لا أعرفه شخصيا ولا أتابع حسابه في تويتر، وقد وصلتني تغريدته هذه عبر "إعادة تدويرها" من قبل متابع لي.. وليته لم يفعل!..
هذا المنطق المرسل والسذاجة في الطرح في تغريدة الدكتور عبدالخالق – مع كامل الاحترام-.. تذكرني بذاك الساذج الذي اقترح عليه البعض لتوريطه.. إن أراد أن يتصدر مجلس الوجيه "فلان"، فليكن أول الحاضرين – وفي وضع الدكتور، أول المغردين!-.. دون أن يعي بأن هذا المجلس له أعراف واعتبارات وأصول لمن يتصدر الجلوس فيه!

من قصد بتبعية دول المنطقة لبوصلة مواقف الامارات؟ قطعا ليست الكويت أو عمان أو قطر أو العراق أو اليمن أو أو.. وقطعا – كبيرة بحجمها- ليست السعودية!.. وإن كان يقصد البحرين، بعد توقيعها لاتفاق السلام الأخير بمعية الامارات، فحتى هنا قد جانبه الصواب، فالبحرين، ولا ينبئك مثل خبير، وإن كانت صغيرة جغرافيا، فقراراتها الاستراتيجية الكبيرة تبنى منذ أكثر من قرنين وفقا لمصالحها الاستراتيجية، ودون إغفال قدر كبيرة ووجيهة المنطقة ورمانة موازين القوى فيها.. وهي السعودية.. دون منازع، وأكرر.. دون منازع. وقاتل الله مثل "الردة الأكاديمية" للدكتور عبدالخالق، التي جعلته لا يفرق – أو يتغافل عن التفريق- بين التكامل والتبعية بين السعودية والامارات والبحرين في هذا الموقف الاستراتيجي أو ذاك!
مكنني استكمالي للدراسات العليا في تخصص العلوم السياسية في أرقى جامعات أوروبا، وكوني حاليا مديرا إقليميا لأحد أعرق مراكز البحث العلمي المتخصص في الدراسات والعلاقات الدولية في عاصمة أوروبا "بلجيكيا"، من الوقوف على آراء بعض من أشهر متخصصي العلاقات الدولية والعلوم السياسية، وصناع القرار السياسي الأوروبي والدولي، ولمناسبة المقال، حضرت واستمعت لآرائهم ونقاشاتهم حول موازين القوى والتصنيفات الدولية للقوى في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ولم يجرؤ أحد منهم أن يقول مقالة عبدالخالق، من منطلق الوازع الأكاديمي المتجرد، وأجمعت نقاشاتهم وتصنيفات القوى هذه على تصدر السعودية للقوى في المنطقة جيوسياسيا واقتصاديا وعسكريا، بل وكانت ضمن التصنيفات المستقبلية للقوى الصاعدة في العالم، وتحتل مراكزا متقدمة ضمن هذه التصنيفات، وبأنها مستقبلا ستكون من بين الدول التي ستدخل في الحسبان عند إعادة هيكلة المقاعد الدائمة في مجلس الأمن، ناهيك عن كون السعودية اليوم عضوا في مجموعة العشرين، وتقود اجتماعاتها.
وأذكر بأن هذه الآراء والنقاشات وقفت على معضلة وهي.. كيف بالمنطق يمكن أن يتم تصنيف السعودية اليوم على أنها "قوة متوسطة Middle power" جيوسياسيا، بينما هي "قوة عظمى Super power" في مجال الطاقة؟!

وحتى مثل "صاموئيل هانتنغتون" صاحب "صدام الحضارات"، وأحد المتحاملين على العرب والمسلمين، وضع في أحد أوراقه البحثية التي تتحدث عن تصنيفات القوى في العالم، السعودية كقوة متصدرة في المنطقة، في مقابل مثل إيران وإسرائيل.
عالم السياسة واستاذ باراك أوباما، البروفيسور/ كينيث والتز، قبيل وفاته نشر مقالا جاء على شكل وصية لتلميذه الذي كان حينها في البيت الأبيض، يرجوه فيه بأن بعيد موازنة القوى في الشرق الأوسط لصالح إيران على حساب إسرائيل، وهو ما كاد يتم في عهد أوباما، وبعدها جاء عهد ترامب ليعيد اليوم موازين القوى لصالح إسرائيل على حساب إيران، وهي العقيدة الاعتيادية للجمهوريين التي تنطلق منها السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة، والتي رسخها أكاديميا ومن أهم منظريها "هنري كيسنجر"، وفي حالتي المدرستين السياسيتين لكل من والتز وكيسنجر، تجد أن السعودية وحدها من عملت، كرمانة موازين القوى في المنطقة، كند وقوة في المنطقة يحسب حسابها ولها أجنداتها السياسية الخارجية الخاصة.. لا كتابع توجهه بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية المرحلية، والشاهد بأن السعودية لم توقع مع إسرائيل اتفاق سلام، وتمسكت بحل مبادرة السلام العربية، وإن كانت مستقبلا ستوقع اتفاق سلام مع إسرائيل، فسيكون بحسب شروطها، واتفاق الند للند.

كلمة أخيرة للدكتور عبدالخالق، لك أن "تطبل" لوطنك كما شئت، ولكن حبذا أن تضف هذه العبارة في "خانة التعريف" بحسابك: "تطبيلي لا يعكس رأي قيادتي (وقطعا لا يعكس رأي تلك القيادة الحكيمة أو أنها تحتاج مثله!) أو ذاك الأكاديمي".. فلو كان هذا السطر موجودا في خانة التعريف بحسابك، لكفيتني عناء كتابة هذا المقال، وتفسير البديهيات في علم السياسة!، وقبل مقالي.. فأقرب خريطة جغرافية للمنطقة، ستشهد بذلك للسعودية حجما وموقعا، وأقرب نتيجة للبحث في قوقل، عن "تصنيف القوى في منطقة الشرق الأوسط"، أيضا ستشهد للسعودية!

في علم السياسة وبالتحديد "الجيوسياسي" منه، تعرف الدولة بأنها كائن حي له شخصيته، ومن هنا أرى السعودية من يحق لها في المنطقة فقط -جيوسياسيا- أن تتمثل ببيت الفرزدق هذا:

ترى الناس إذا ما سرنا يسيرون خلفنا
وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

هذا ليس كلاما عاطفيا أو "تطبيلا".. هذه سياسة 101!

ورب "تغريدة" يا استاذ عبدالخالق.. قالت: "دعوني"!

*كاتب بحريني