"حين تُكرر ارتكابَ خطأٍ ما، فلن يُصبحَ خطأ بعد ذلك، إنه قرارٌ واختيار".
باولو كويلو

في منتصف الشهر العاشر من العام الماضي أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية (سويلا بريفرمان) أنها استقالت بعد إرسال مستند رسمي من بريدها الإلكتروني الشخصي، في "انتهاك تقني" لقواعد الحكومة، وقالت في رسالة إلى رئيسة الوزراء (ليز تراس) نشرت على تويتر "لقد أخطأت، أتحمل المسؤولية، أستقيل". علماً أنه باستخدامها الايميل الشخصي لم تلحق الوزيرة ضرراً لا بالحكومة ولا بأي فرد من أفراد المجتمع البريطاني، ولكن الاحساس العالي بالمسؤولية عن التصرفات الشخصية هو الذي دعاها إلى اتخاذ ذلك القرار الجريء.

إذ أن إرسال إيميل عن طريق الخطأ أدى إلى تقديم الاستقالة من قبل الوزيرة، بينما قرار تبني حزب العمال الكردستاني للعملية التي استهدفت مقر تابع لوزارة الداخلية في العاصمة التركية أنقرة في الواحد من الشهر الجاري والتي كانت من نتائج التبني قيام تركيا بحملتها التصعيدية منذ الخامس من الشهر الجاري واستهدفت خلالها مناطق الإدارة الذاتية بالطيران والقصف المدفعي فماذا عنه؟ وحيث أشارت بيانات الإدارة الذاتية نفسها إلى خروج 31 مدرسة عن الخدمة، وأن القصف التركي أحدث دماراً كبيراً في البنى التحتية والمرافق الحيوية، إضافةً إلى مقتل حوالي 30 عنصراً على الأقل من قياديين وجنود كانوا في مركز تدريب تابع لقوات الأمن (الأسايش).

والسؤال المطروح هو: هل على غرار الوزيرة البريطانية قدمت قيادة حزب العمال الكردستاني الذي تبنى العملية الشكلية في أنقرة أي اعتذار للشعب أو لحزب الاتحاد الديمقراطي المحسوب عليه نتيجة قرار تبني العملية الذي أحدث نتائج كارثية على أرض الواقع؟ وهل قدَّم أي نفر من طاقم القيادة في الحزب المذكور الاستقالة بسبب ما ألحقه قرارهم الأخرق من ضرر مادي ومعنوي كبير بعموم سكان تلك المنطقة؟ وهل أعلن أي نفر منهم على الملأ بأنه نادم ويشعر بالخجل والعار لأن قرارهم سبّب رعباً كبيراً بين الأهالي في مناطق الإدارة التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي؟ وهل أقسم أي قطب منهم بأنه لن يسمح في قادم الأيام بارتكاب حماقات مماثلة؟

وحيال تلك التساؤلات المحقة يرى ناشطون بأنه لا جدوى البتة من طرحها على قادة الحزب المذكور باعتبار أن قادة قنديل ومنذ عشرات السنين يكررون نفس الأخطاء، بل ويعملون وفق ما يرغبه، يريده، يرومه، يسعى إليه ويتمناه من يعتبرونه عدواً لهم بالضبط، ولا يعملون على ما يجلجل كيان الذي يسمونه عدواً، ملمحين إلى أن قادة ذلك التنظيم لم يصلوا بعدُ وحتى هذه الساعة رغم الفارق الزمني إلى مستوى الوعي الذي كان عليه ونستون تشرشل قبل حوالي نصف قرن من الزمان، وحيث قال تشرشل آنذاك: "حارب عدوك بالسلاح الذي يخشاه، لا بالسلاح الذي تخشاه أنت"، بينما هذا الحزب ومنذ نشأته لا يحارب إلاَّ بطريقة تناسب مزاج وغايات عدوه، بل ولا يحارب إلاَّ باسلوبٍ يدعم فيه توجهات العدو ويعطيه الحجة ليحارب بذريعته الكرد أينما كانوا، طالما كان ذلك التنظيم موجوداً في مناطقهم، مضيفين أنه في المرات التي حاول بعض أنصارهم العمل بطريقة تُحرج العدو وتُفشل خططه ومآربه، سارع خاقانات الأوليمب القنديلي إلى تحجيم خطوات أولئك الأنصار أو معاقبتهم على طريقتها، إما عبر التصفية الجسدية، أو عبر إيقاعهم في أيدي الأعادي، أو على الأقل في التشهير بهم والنيل منهم اجتماعياً.

على كل حال مع أن قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي هو القطب الرئيسي في تلك القوات بسورية إلاَّ أنه حتى الآن لم يعترض على ما بدر من قادة قنديل في تبنيهم العملية الإرهابية في أنقرة والتي كانت ذريعة تركيا في استهداف معظم النقاط الاستراتيجية في مناطق انتشار قواته، إنما اكتفى عبدي بالقول: "منفذو هجوم أنقرة لم يمروا من مناطقنا كما يزعم مسؤولون أتراك، كما أننا لسنا طرفاً في الصراع الداخلي التركي، ولا نشجع على تصاعد وتيرته، تركيا تبحث عن ذرائع لشرعنة هجماتها المستمرة على مناطقنا وشن عدوان عسكري جديد"، وعبدي وفق شهادات بعض العاملين في الشأن الثقافي ممن التقوا به مِن قبل قد يكون صادقاً فيما يقول، ولكن ما فائدة الصدق أمام الجهة التي تقدم الذريعة تلو الذريعة لتركيا على طبقٍ من الماس، خصوصاً وأن مقدمو الذريعة في عُرف تركيا هم الذين يتحكمون بمظلوم عبدي! وبالتالي فإن محاولة تبرئة الذات من قِبل عبدي من تبعات العمليه التي جلبت لمناطقه الويلات أشبه بطريقة تهرب ضابط ما من قرارات القيادة التي لا يجرؤ على الاعتراض عليها أو نقد قراراتها مع إدراكه التام بأنها خاطئة جملةً وتفصيلا.

عموماً فإن النتائج الكارثية ـ حسب سكان المنطقة ـ للعملية التركية في مناطق الإدارة الذاتية والتي جاءت كرد فعل من قِبل الدولة التركية على عملية أنقرة في الأول من الشهر والتي تبناها على عجل حزب العمال الكردستاني، هي فرصة كبيرة أمام القطب الأوَّل في قوات سوريا الديمقراطية ألا وهو مظلوم عبدي، وكذلك الأمر كل من في حكمه للوقوف بوجه إملاءات قنديل، وفي التخلص الأبدي من تبعات قرارات القيادة فيها، أو على الأقل أن يقوم ذلك القطب السوري بقطع صلته بأقطاب قنديل وفك الارتباط النهائي معهم.