أطالع يومياً ما يكتبه الكتاب والمعلقون السياسيون إن في quot; إيلاف quot; أو في صحف ورقية مختلفة فيدهمني الغم وينتابني الحزن لكنني عندما أقرأ التعليقات على ما يكتبه مختلف الكتاب أكاد أن أتقيأ والعلة في هذا وذاك هي أن العربان لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون. وحسناً فعلت quot;إيلافquot; إذ يسرت للقراء التعليق فكشفت عيباً خطيراً في حياة العرب الثقافية والفكرية ـ فـُطم العرب على الإيديولوجيا وهو الفطام الذي جعلهم quot; يفهمون quot; الموضوع قبل قراءته. والعيب الخطير الآخر في حياة العرب الثقافية والفكرية هو أنهم يأخذون السياسة كمهنة من لا مهنة له أو كهواية يمارسها العربي وقت الفراغ. إنهم لا يعلمون أن السياسة هي أكثر العلوم تعقيداً، ولذلك يظل الإيديولوجي خارج أبواب علم السياسة مهما جهد لفتحها.
كتبت قبل أيام [ الجمعة 8 سبتمبر ] في موضوع في غاية الأهمية يشرح معنى الحرية التي هي مطمح الإنسانية عبر تاريخها الطويل. ولما كانت الحرية هي منطلق الليبراليين وجوهر دعاويهم خلصت إلى نتيجة تقول أن الليبراليين ليسوا ليبراليين طالما أنهم لم يتعرّفوا على الحرية. وكانت غايتي في استثارة الليبراليين أن يكتبوا في معنى الحرية علّـنا نتبادل المعرفة مما يساعد على تطوير معارف كلينا. لكن كيف قرأني الإيديولوجيون العربان ؟
أحد هؤلاء العربان أكد لي بأنه شتمني لكن quot; إيلاف quot; لا تسمح بنقل الشتيمة. لم يشتمني هذا اليعربي لأنني شرحت معنى الحرية أو لأنني عرّيت دعاوى الليبراليين بل لأن الشيوعيين السوفييت قد فشلوا أخيراً في تطوير حياة السوفياتيين !! ولعلي لا أثير في هذا الشتّام سـوى الكراهية إذ أؤكد لـه أن quot; الشيوعيين quot; السوفييت بقيادة نيكيتا خروتشيتشيف كانوا قد شتموني وأوسعوا في شتمي عندما أكدت لهم باكراً، عام 1962، أنهم فاشلون في التنمية الإشتراكية وأن الإتحاد السوفياتي، وهو أقوى قوة في الأرض، سنهار تماماً عام 1990. أكدت على فشلهم بالرغم من أن حياة السوفياتيين حينئذٍ كانت أفضل من حياة الأمريكان والأوروبيين وقد كلفني ذلك غالياً وغالياً جداً لو عرف هذا الشتّام. لئن كان هذا الشتام ليبرالياً، وهو ما لا أرجح، فبدل أن يشتمني، وهو ما أثار في نفسي الشفقة عليه، كان عليه أن يكتب خطاباً آخر في الحرية، أن يشير إلى أي ثغرات وجدها في خطابي. لكن أن يكتفي بشتمي لأن السوفييت فشلوا في التنمية فذلك يعني أنه لم يجد أي ثغرة في خطابي وهو ما يبعث في نفسي بعض الرضا رغم الشتائم. ما أثار غضب وحقد هذا الشتام هو إشارتي إلى النجاحات الكبرى والمذهلة، حتى بعرف أعداء الشيوعية، التي حققها مشروع لينين في التصنيع الكثيف في ثلاثينيات القرن الماضي وفي نجاح الدولة السوفياتية في سحق النازية الألمانية بعد انهزام إمبراطوريتين عظميين أمامها هما فرنسا وبريطانيا، ثم في إعادة الإعمار بصورة لافتة وقد عاد الإتحاد السوفياتي خلال خمس سنوات إلى أفضل مما كان عليه عام 1941. هذه الحقائق أصبحت ملكاً للتاريخ ولا يستطيع أي كاره للشيوعية شطبها أو تغييرها.
أما الليبرالي الآخر الذي استغرب حديثي عن الحرية التي كما يرى أنها ليست من مفردات الماركسية فأقول لسعادته أن ماركس هو المفكر الوحيد الذي بحث جدياً في تحرير الإنسان مستخدما أدواته العلمية تحت شعار يقول.. quot; إقرأوا التاريخ كما هو دون أي إضافة من عندياتكم quot;. ماركس هو من أوصى بالنضال لتحرير الإنسان من الإنتاج ومن الآلة وهما مربط العبودية وربقتها وهو الوحيد الذي أكد تلاشي الدولة نهائياً كقوة قمع في المجتمع لدى تحرير الإنسان من الإنتاج ومن الآلة. عندما تتعرف على الحرية حقيقة أيها السيد الليبرالي ستجد أن ماركس الذي كان رائداً في اكتشافها والتعرف عليها هو من رسم الطريق الوحيدة نحو الوصول إلى الحرية الحقيقية والتامة والتي ليست كحريات الليبراليين المزيفة وغير الحقيقية.
لكن سعادة السيد الليبرالي لا يصدق كل هذا، إذ تأكد له ـ وغالباً عن طريق الإعلام الغربي الإمبريالي ـ أن الشيوعيين قد سحقوا ملايين المواطنين تحت جنازير الدبابات !! ـ يشير السيد هنا إلى حادثة (تيانمنه) في بكين ـ وماركس ولينين يتبرآن تماماً من العصابة الحاكمة في بكين ويدينانها بقوة بسبب الإستغلال البشع للعمال الصينيين ـ ويتناسى إنهيار دولة كبرى بحجم الدولة السوفياتية بعد مقتل شخص واحد فقط (!!) في ساحة البرلمان في موسكو. ما عليّ أن أقوله لهذا الأخ الليبرالي هو أنه وهو يقول ذلك إنما هو ضحية الدعايات الغربية الإستعمارية المعروفة بأغراضها القذرة. لقد وجدت لجنة مختصة شكلها خروتشيتشيف في نهاية الخمسينيات من أشهر وأكبر القضاة السوفييت بقصد إدانة ستالين، وجدت أن جميع الذين تم إعدامهم في الإتحاد السوفياتي تحت حكم ستالين منذ 1922 وحتى عام 1953 وصل إلى 667 ألفاً من مختلف المجرمين. وبالمقابل أدعو الأخ الليبرالي أن يبحث في عدد السوفييت الذين تم قتلهم من قبل أعداء الشيوعيين ! أكثر من أربعة ملايين في الحرب الأهلية وحروب التدخل 1919 بجيوش أمريكية وبريطانية ويابانية وفرنسية وأربع عشرة دولة أخرى ! عشرات الألوف في عمليات التخريب في ثلاثينيات القرن الماضي من قبل جواسيس الليبراليين في الدول الغربية ! أكثر من 20 مليوناً في الحرب الوطنية ضد النازيين ! ليدلني هذا السيد الليبرالي كيف يدافع السوفييت عن حياة مواطنيهم ضد كل هؤلاء الأعداء الدمويين ؟!! 667 ألفاً رقم متواضع جداً في مواجهة كل هؤلاء الأعداء وخاصة عندما تعلم أن تحرير وارسو من النازيين عام 1944 قد كلف الجيش السوفياتي 500 ألفاً من الجنود. القتلة المجرمون هم الغربيون الإستعماريون من أمثال عجوز الإمبريالية ونستون تشرتشل الذين لم يتركوا الشعوب السوفياتية في سلام تام لعام واحد على الأقل.
هكذا قرأ الليبراليون ما كتبته عن معنى الحرية، أما معارضو الليبرالية من القومجية والمتأسلمين فلم يكونوا أقل سوءاً. ظن بعضهم أنني أعارض ما يكتبه الليبراليون بخصوص الحالة في العراق أو في لبنان. والعكس هو الصحيح فمثلاً ما يكتبه السيدان عبد الخالق حسين وعزيز الحاج عن الحالة العراقية أؤيده بقوة كما أنني أتبنى موقف الليبراليين في الحالة اللبنانية باستثناء دعوة شاكر النابلسي إلى الصلح مع إسرائيل واحتذاء حذو أنور السادات الذي عقد صلحاً منفرداً تاركاً الفلسطينيين يعانون كل القهر الفاشي الصهيوني.
وأخيراً، ليقرأ العرب جيداً، فالقارئ الجيد يساعد الكاتب على تطوير نفسه وإيجاد الكاتب الجيد بالتالي، وإلاّ فلماذا يكتب الكتاب ؟!
فـؤاد النمـري
www.geocities.com/fuadnimri01




التعليقات