GMT 16:29 2009 الخميس 5 نوفمبر GMT 21:23 2009 الخميس 5 نوفمبر  :آخر تحديث

آلة العود جسر بين شعوب المنطقة

ليندا منوحين- عبد العزيز

 ليندا منوحين- عبد العزيز من القدس: في اوآخر شهر تشرين اول نوفمبر الجاري (2009) سيفتتح مهرجان العود العالمي ابوابه في مدينتي القدس والناصرة. هذا الحدث بات من السمات البارزة للمشهد الثقافي في اسرائيل. وهذه هي المرة العاشرة والتي سيقام فيها هذا المهرجان بدعم من المفوضية الاوربية، صندوق وبلدية اورشليم القدس ووزارة السياحة وغيرها، حاملا في جعبته برنامجا حافلا بانواع الموسيقى، التي تتربع على عرشها آلة العود، رمز الموسيقى العربية. ويمتد البرنامج على مدى اسبوعين يعرض خلاله انتاج موسيقي واثني غزير ومتنوع. ويستضيف المهرجان فنانين اسرائيليين في عروض مشتركة للعرب واليهود من ناحية وفنانين اجانب من تركيا واليونان والهند من ناحية اخرى. 
 
  كان هذا المهرجان في أول أمره مقتصرا على عروض محدودة في قاعات صغيرة، يؤمها محبو الموسيقى العربية، الذين نشأوا في مسقط رأسهم على حب موسيقى عمالقة الطرب العربي الخالدين، من أمثال ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب او استمعوا اليها في البيوت التي ترعروا فيها في اسرائيل، بعد ان اجتثت جذورهم، مثلهم مثل الكثيرين من اللاجئين اليهود والفلسطينيين في الشرق الاوسط.

"عراق انرول" هو باكورة جديدة لفنانين كبيرين من المبدعين وهما يائير دلال وداود تاسا، اللذان ينحدران من اصل عراقي حيث " ينطلقان في رحلة موسيقية الى غياهب الثقافة العريقة المشتركة بلمسات عصرية ويدمجان اعمالهما وقصائد بابلية واعمالا آلية". وفقا لما جاء في البرنامج الذي نشر في ثلاث لغات هي العربية،العبرية والانجليزية. ولم استطع إخفاء سروري لمعرفتي الجيدة بهما من خلال نشاطي كمؤسسة لجمعية "قانون" لتطوير التراث الموسيقي العراقي في الفترة ما بين 2002-2005. يائير دلال، ملحن ومبدع على المستوى العالمي، ذو ثقافة موسيقية كلاسيكية وعربية. وهو يحاول منذ مدة طويلة احياء التراث الموسيقي للمشهورين من اليهود العراقيين امثال الاخوين الكويتي وعازفين فرتوازيين مثل داود اكرم ويوسف شمطوب اللذين بدآ رحلتهما الفنية في العراق.

داود تاسا هو حفيد دواد الكويتي- شقيق صالح الكويتي- الذي كان من مؤسسي الموسيقى العراقية الحديثة في النصف الاول من القرن العشرين. باشر تاسا اعماله الفنية في الغناء وعزف موسيقى معاصرة في فترة مبكرة من حياته ولم يعن بالموسيقى الشرقية او العربية وركز على موسيقى الروك والرجاي والالوان العرقية. التقيت به في اذاعة صوت اسرائيل حين عملت منتجة ومقدمة برنامج "الملتقى في مقهى بغداد" سردت فيه نوادر عن حقبة ازدهرت فيها العلاقات بين اليهود والعرب ومعها الانتاج الفني الغزير الذي خلفه الفنانون اليهود وهم في قمة ابتكارهم، اندمجت خلالها حياة المرحومين الاخوان الكويتي في تاريخ الموسيقي العراقية. وتطرقت بطبيعة الحال الى المكانة المرموقة التي حظي بها الاخوان لدى العائلة المالكة في العراق ودورهما الريادي في تشكيل اول فرقة موسيقية، كانت تبث معزوفاتها في اول الامر من قصر الزهور. ودار اللقاء في بث مباشر على الهواء. وعندما سئل داود عن جده، قال انه دهش غاية الدهشة،لدى سماعه مني، ان جده كان من من المقربين للبلاط الملكي واضاف انه كان واثقا من ان الكثير من اليهود الشرقيين ينسجون صورة خيالية من الواقع الذي يشتاقون اليه في الدول العربية ممجدين نشاطاتهم وانجازاتهم!.

يائير دلال مع الممثل الأمريكي ريتشارد جير وروني سوميك

  هذ الحادثة لا تعكس المسيرة التي مر فيها داود تاسا، الذي كان بعيدا عن موسيقى جده، وانما تعكس الجهل الكبير الذي كان المجتمع الاسرائيلي يعاني منه فيما يتعلق بالانتاج الموسيقي لليهود الشرقيين خصوصا والموسيقى العربية عموما. الموسيقى الشرقية كانت لقيطة، غير معترف بها، رخيصة وتباع في الاسواق الشعبية. لم تذعها وسائل الاعلام وبقيت مدة طويلة على الهامش، غير انها لقيت اقبالا شديدا من قبل الجمهور في الافراح والحفلات الخاصة.

وهناك عوامل عديدة ساهمت في تغيير تفكير وعقلية الاسرائيلي تجاه الموسيقى العربية والموسيقى الشرقية التي استطاعت في نهاية المطاف ان تؤثر على البيئة الموسيقية الاسرائيلية، هذه البيئة التي نشأت تحت وطأة الثقافة الروسية التي أتى بها النازحون من الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية الى اسرائيل في النصف الاول من القرن الماضي.

ساهمت الموسيقى الدينية هي الاخرى في دمج الموسيقى العربية بالموسيقى الاسرائيلية وحتى ان كبير الحاخامين من اصل عراقي، عوفديا يوسف، أباح استخدام موسيقى أم كلثوم في الترانيم الدينية، بعد ان تأثر بها عندما كان يعمل حاخاما في مصر في حداثة سنه. اضف الى ذلك الترانيم التي تم توزيعها موسيقيا على مقامات عراقية معروفة طورها اليهود خلال 3000 سنة عاشوا فيها على ضفاف دجلة والفرات.

ان نجاح الموسيقى الشرقية والعربية في تذليل العقبات والدخول الى "المين ستريم" في اسرائيل استغرق عشرات السنين والدليل على ذلك، الشعبية التي يلقاها مهرجان العود الدولي الذي يستقطب الجيل الصاعد من مختلف الخلفيات والانتماءات. ولم يعد يقتصر هذا الحدث الثقافي على احفاد اللاجئين اليهود من الدول العربية، بل نجد الجمهور خليطا من العرب واليهود من جميع الطوائف والاديان ومن جميع ارجاء المعمورة.

خلاصة القول ان كل رحلة تبدأ بخطوة صغيرة، ولاشك ان مهرجان العود الدولي هو شعاع من الامل في سماء المنطقة الملبدة بالغيوم. فما بالك ان تجد ضمن العروض امسية تكريمية لصباح فخري، سفير الطرب السوري الاصيل، يعطرها للحضور مصطفى دحلة من طرعان.
الحضارة العربية لديها الكثير من المزايا الحسنة التي يستطيع الاسرائيليون الاقتباس منها. وهذا ممكن تحقيقه من خلال اللقاءات بين ابناء هذه المنطقة حول مواضيع ثقافية وفنية من شأنها زيادة فرص الحوار البناء وفرص التعايش في المنطقة.

 

ليندا منوحين- عبد العزيز كاتبة وناشطة عراقية الاصل في المجتمع المدني الاسرائيلي وعضو المجلس الاداري في جمعية السلام بين اسرائيل وسوريا ومنتدى شرق اوسط حكيم


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات