يحاول أئمة جزائريون معتدلون استعادة الصورة المسالمة للاسلام عبر تصحيح التبليغ والارشاد الديني بين الجاليات المسلمة في أوروبا وأميركا، لا سيما في فرنسا.

إيلاف من الجزائر: مدت الجزائر يد العون للدولة الاستعمارية السابقة لمساعدتها في مجال تكوين أئمة المساجد، وانتداب أئمة جزائريين لمواجهة فكر التطرف الذي صار واقعًا تعيشه باريس، وتحاول أن تطوقه بالمزاوجة بين الحل الأمني ونشر الإسلام المعتدل الذي تراه قد يحد من ازدياد عدد الفرنسيين الملتحقين بتنظيمات متشددة.

وترسل الجزائر على مدار السنة أئمة إلى فرنسا للتكفل الديني بأفراد الجالية هناك، والذين يزيد عددهم عن 3 ملايين جزائري، بحسب ما تذكره إحصاءات غير رسمية.

وتلقت الجزائر هذا العام طلبات أيضًا من الولايات المتحدة الأميركية وكندا وروسيا وإيطاليا للتعاون في مجال تكوين الأئمة، كما ترسل الجزائر سنويًا في شهر رمضان أئمة لعدة دول لأداء صلاة التراويح.

تصحيح

وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري محمد عيسى، يرى أن مهمة الأئمة والمرشدات الذين ينتقون لتمثيل الجزائر بفرنسا تتمثل في أن يردوا للإسلام صورته الحقيقية و مسح الصورة "القاتمة" التي ألصقت به بسبب الإرهاب.&

وقال عيسى في كلمة أمام 61 إمامًا، من بينهم 3 مرشدات، منتدبين إلى فرنسا، إن مهمة هؤلاء تتمثل في "رسالة مسح الصورة القاتمة للإسلام، وذلك ليس فقط عن طريق الخطاب، ولكن بالسلوك والمعاملة وبالتواصل".&

وحضر هذا اللقاء ممثل المكتب المركزي للأديان بوزارة الداخلية الفرنسية أرنود شوماس وعميد مسجد باريس دليل بوبكر.&

ولفت عيسى إلى أن المنتدبين الجدد سيعملون في "زمن أصبح فيه الإسلام يتهم ظلمًا بأنه هو سبب الإرهاب، ويتهم أيضا بأنه دين التخلف وضد القيم والمبادئ".

ويشير عبد الرحمان طيبي أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة الوادي في حديثه مع "إيلاف"، إلى صعوبة المهمة المنوطة بالأئمة الذين يرسلون إلى دول غربية.

وقال" في اعتقادي أن مهمتهم ستكون بالغة الصعوبة، لأمرين أساسيين الأول قلة الزاد المعرفي لمواجهة بيئة مختلفة، والثاني وفق كثير من الأصداء يتم انتقاء جل المعنيين بناء على معايير المحسوبية والولاء".

غير أن الوزارة أكدت في أكثر من مرة أن الأئمة المختارين يخضعون لاختبارات ومسابقة صارمة للفوز بتمثيل الجزائر في الخارج.

وسيخضع هؤلاء الأئمة إلى تكوين على مستوى 15 جامعة فرنسية للحصول على شهادة في المدنية.

ووقعت وزارة الشؤون الدينية الجزائرية ووزارة الداخلية الفرنسية عام 2014 "اتفاقية إعلان النوايا"، التي تسمح للأئمة الجزائريين بالدراسة في المعاهد الفرنسية لأخذ صورة على القوانين التي تسير المجتمع الفرنسي، ويتخرجون بعد هذا التكوين بدبلوم في المدنية يتضمن تعلم القانون الفرنسي المدني.

وأعلن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف شهر نوفمبر الماضي أنه صار لزامًا على الأئمة الجزائريين الراغبين في العمل بفرنسا الحصول على دبلوم جامعي في العلمانية، لكن الوزارة الجزائرية تسميه "دبلوماً في المدنية".

وحول هذا الجانب، قال طيبي لـ"إيلاف"، إن "التكوين في المدنية لا يمكن أن يؤتي أكله 100 بالمائة، فما لم ينجح مع أبناء مهاجرين مواطنين لسنوات وعقود، لا يمكن أن ينجح مع دورات محددة لأئمة مبتعثين".

اعتدال

وبالنسبة للوزير محمد عيسى، فسبب إقبال الدول الغربية على الاستفادة من التجربة الجزائرية هو انتهاج الفكر الديني المعتدل البعيد عن التطرف والتشدد.

وذكر أن "الجزائر لم تفوّت أية فرصة للتذكير بأنها بلد مسلم وتعتز بذلك وأن إسلامها معتدل ووسطي".&

وطالب عيسى الأئمة بالاندماج في "المشروع الحضاري الذي بدأناه بوعي في أرض الجزائر، والذي نفتخر بأن تقاسمنا السلطات الفرنسية اهتمامنا".&

وثمّن عيسى ثقة الجانب الفرنسي "في الخطة التي تنتهجها الجزائر من خلال وزارة الشؤون الدينية في مجال اجتثاث والوقاية من التشدد".&

وذكر أن أئمة الجزائر استطاعوا في التسعينات تكوين "جدار ضد التطرف وأصبحوا اليوم كفاءات متمكنة من الوقاية من هذا التطرف".

أما بالنسبة لعبد الرحمان طيبي فسبب اختيار باريس للجزائر للاستفادة من تجربتها في مجال الإمامة، هو العدد&الكبير للجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا.

وقال طيبي لـ"إيلاف": "لا بد من استحضار نسبة الجزائريين من الكتلة الإجمالية للمهاجرين في فرنسا، مما يجعل من التجربة الجزائرية مندرجة ضمن مؤدى المثل العربي بأن أهل مكة أدرى بشعابها، فالحكومة الجزائرية بمختلف أجهزتها ومؤسساتها أعرف بنفسية وعقلية الجزائري، والتي إن أثرت فيها أجواء الهجرة إلا أنها محافظة على كثير من خصوصياتها".

وعود

ورغم هذا التعاون بين فرنسا والجزائر، إلا أن الأخيرة لا تخفي قلقها بشأن ما يتعرض له رعاياها في باريس من&تضييق على ممارساتهم الدينية واستهدافهم لأنهم مسلمون فقط.

لكن مسؤول المكتب المركزي للأديان بوزارة الداخلية الفرنسية أرنو شوماس حاول بعث رسائل اطمئنان للسلطات الجزائرية.

وقال شوماس إن الحكومة الفرنسية "تعمل بأكبر قدر من الصرامة ضد كل الأعمال والتصريحات المعادية للمسلمين".&

وكشف عن اتخاذ إجراءات ضد&صاحب مطعم فرنسي طرد سيدتين محجبتين من مؤسسته التي تقع بترومبلاي، مشيرًا إلى أن "هناك عملاً يتم مع الجمعيات ولجنة وزارية مشتركة في هذا الخصوص".&

وأضاف أن متابعات قد تمت مباشرتها ضده، و"يجب عليه تحمل مسؤولية كلامه".

وبحسب شوماس، فإن عدد الأعمال المعادية للمسلمين في فرنسا خلال السداسي الأول من سنة 2016 قد "انخفض بشكل كبير مقارنة بالسنة الفارطة".&

وأكد أن الفرنسيين من الديانة الإسلامية "لديهم نفس الحقوق"، مثل المواطنين الفرنسيين، خاصة من حيث التعبير والتنقل.&

وأضاف أن الحكومة والمقاطعات تقوم "بكفاح يومي" &في ارض الميدان، وكذلك المندوب الوزاري المشترك لمكافحة العنصرية من اجل السهر على عدم حدوث اعتداءات على المسلمين.&

لكن هذا الكلام يبقى غير مقنع عند الكثيرين، ويقول عبد الرحمن طيبي بشأنه لـ"إيلاف": "في هذه الفترة بالذات، أعتقد أن هذا الكلام للاستهلاك الإعلامي، شئنا أم أبينا سيبقى المسلمون الفرنسيون وقود حملة الرئاسيات المراقبة، لا سيما وأن المسلمين لا بواكي لهم".
&