حذر رجال دين في الجزائر من حملات تشيّع من خارج حدود البلاد، معتبرين ذلك تدخلا في إرث البلاد الديني والتاريخي لبلادهم.


عبد الحفيظ العيد من الجزائر: أعلنت الجزائر اتخاذ إجراءات لحماية المرجعية الدينية لسكانها من موجات حركات التشيع التي تستهدف مناطق من البلاد، خاصة المناطق الحدودية الشرقية والغربية.

ويتبع أغلب الجزائريين الذين يمثل فيهم المسلمون أكثر من 99 بالمائة من عدد السكان، المذهب السني في معظم محافظات البلاد، رغم وجود من يتبع بعض الطرق الصوفية والمذهب الإباضي جنوب البلاد.

ويضمن الدستور الجزائري حرية المعتقد، وتسمح قوانين البلاد بممارسة مختلف الشعائر الدينية للمسلمين ولغيرهم من باقي الديانات، إلا أن الحكومة تسمح ببناء المساجد ودور العبادة إلا بعد تكوين جمعية تحصل على ترخيص من السلطات.

وتسعى الجزائر بعد الأزمة التي عاشتها خلال التسعينيات بسبب مظاهر التطرف والتشدد التي أودت بحياة أكثر من 150 الف شخص (حسب الرواية الرسمية) إلى حماية شعبها من كل أنواع الخطاب الديني "الدخيل" الذي لا يتوافق مع مرجعيتها تفاديا لتكرار ما عاشته سابقا ووقاية نفسها من "فتنة الربيع العربي".

ورغم علاقاتها الوطيدة مع مختلف الدول العربية والإسلامية سنية كانت أو شيعية، إلا أنها ترفض ما تسميه تصدير الأفكار الدينية الدخيلة على شعبها.

خطر شيعي

وحذر في اكثر من مرة ناشطون من حملات تشييع يتعرض لها الجزائريون في بعض المساجد والجامعات، لكن السلطات ظلت تقول إلى وقت قريب ان هذه الحملات "معزولة" و"مبالغ فيها".

لكن بداية الاسبوع الجاري، اعترف وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى بوجود هذا التهديد الفكري حقيقة.

وقال عيسى "هناك إرادة أجنبية تريد التشويش على الجزائر من خلال سعيها إلى نشر فكرة الطائفية وتقوية حركات التشيع خاصة على مستوى الولايات الحدودية الشرقية والغربية للوطن".

وأضاف عيسى أن تقوية هذه الحركات في الفترة الأخيرة يؤكد أن الجزائر "مستهدفة".

وأشار عيسى إلى أن حملات هذه الحركات تم كشفها من قبل جهاز التفتيش التابع لمختلف وسائل الدولة.

لوم على الحكومة

يعيب القيادي في حركة مجتمع السلم (حزب إسلامي) فاروق طيفور على الوزارة تأخرها في معالجة هذا الخطر القادم من خارج البلاد.

وقال طيفور لـ"إيلاف": "إذا صح تصريح وزير الشؤون الدينية فهو اعتراف بحقيقة كان هو وغيره ينكرونها ولم يتجاوبوا مع الأصوات التي كانت تحذر من مثل هذه الظواهر التي أصبحت تهدد الأمن الفكري للجزائريين، وهكذا هي السلطة ومن يمثلها دائما تنهض متأخرة، وبدل أن تتحدث عن الاستهداف تتحدث لنا عن برامج الوزارة التي تشرف على 150 الف مسجد لمواجهة هذا المد".

تحصين

وتحدث وزير الشؤون الدينية أيضا عن اتخاذ اجراءات لتحصين البلاد ضد المد الشيعي من خلال المعلومات التي توفرها أجهزة التفتيش التابعة لمختلف مؤسسات الدولة.

وقال إن هذه الاجراءات تم اتخاذها قبل شهر رمضان، بالنظر إلى تخوف السلطات دائما من استغلال هذه الحركات موسم رمضان الذي يعرف وجودا أكبر للمصلين في المساجد في صلاتي التراويح والتهجد.

وكشف عيسى أيضا عن إنشاء جهاز تفتيش يتولى مكافحة هذه الأفكار ومعرفة مواقع حركات التشيع وذلك بالتنسيق مع الأجهزة المختصة، مشيرا إلى استفادة أعضاء هذا الجهاز من دورات تكوينية في القريب العاجل.

وبحسب الوزير، فإن تمسك الجزائريين بمرجعيتهم الدينية "الوطنية الأصيلة وموروثهم الحضاري"، وكذا التكوين العالي للأئمة هي العوامل "الكفيلة بتحصين الأمة من هذه الأفكار الدخيلة والرامية إلى تمزيق المجتمع الجزائري".

وسبق للرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن نبه في أكثر من مرة من "عدم السقوط في فكرة التقسيم الطائفي الذي تسعى إلى بثه قوة أجنبية في الجزائر".

أما طيفور فيذكر في حديثه عن طرق مواجهة هذا الخطر أن "التشيع هو برنامج مستمر وليس بالجديد فقد بدا منذ انتصار الثورة الايرانية وفي كل العالم الإسلامي، أما في الجزائر فان كل المحاولات باءت بالفشل الذريع على اعتبار المناعة التي تميز التدين والمتدينين".

وقال "وما يتحدث عنه الوزير وغيره اعتقد انه لا يشكل خطرا، ولكن لابد من برامج وخطط سياسات استباقية للوقاية من هذا المد المبرمج والذي أصبح يستخدم وسائل فعالة كالانترنت والفضائيات والتواصل الالكتروني وبرمجة الزيارات إلى طهران."

طهران متهمة

وامتنع وزير الشؤون الدينية عن توجيه الاتهام الى طرف معين، لكن مراقبين يرون ان الامر يتعلق بأمير موسوي الملحق الثقافي في السفارة الايرانية في الجزائر الذي اتهم من طرف عدة اطراف بالوقوف وراء حملات تشييع في الجزائر.

وبخصوص مدى تأثير هذا السلوك الايراني على العلاقات بين البلدين، يعتقد فاروق طيفور في حديثه مع "إيلاف" أن "العلاقات الجزائرية الإيرانية لا تعتمد على ما هو ديني حتى يؤثر فيها، وذلك لعدة اعتبارات منها ما هو متعلق بكفاءة المسؤولين على الملف ومنها ما هو متعلق ببراغماتية السلوك الدبلوماسي الجزائري تجاه مثل هكذا قضايا."

وأضاف " العلاقات الجزائرية الإيرانية علاقات تقليدية في تحالفات قديمة تنتمي إلى ما قبل الحرب الباردة، حيث لم تتأثر حتى لما كانت حملات تشيع قوية، لكن الخطر الجديد والمتطور والذي يشتم منه رائحة التوظيف عندما يتعلق الأمر بالحدود."

وأوضح طيفور أن "القضية لا علاقة لها بالتشيع بقدر ما لها علاقة بخطة استهداف استراتيجي يتعلق بوسائل الحرب بالوكالة، وهو ما يتطلب الحذر وتحيين وسائل الرقابة والوقاية، ومن أهم وسائل مواجهة هذا الفكر هو المزيد من نشر ثقافة وفهم أهل السنة والجماعة بالإسلام وقضايا التاريخ الإسلامي، وتمكين اهل العلم للاختصاص من التواصل عن طريق وسائل الإعلام ذات المصداقية بغرض تحصين المجتمع من مثل هذه الحملات".