GMT 8:00 2017 الأحد 22 أكتوبر GMT 8:08 2017 الإثنين 23 أكتوبر  :آخر تحديث
رداً على مقال سربست بامرني

أين كردستان؟

جبار ياسين

كتب الناقد الفرنسي موريس بلانشو، قبل نصف قرن " ان كلمة سكين قادرة على القطع ". بترجمتها اليوم ضمن واقع الشرق الأوسط فأن كلمة سكين قادرة على الذبح؟
اللغة معيار الفكرة والتعبير المباشر عنها وهي توازي السيف كما قال اللغوي الأسباني نبريخا لإيزابيل الكاثوليكية، ملكة اراغون حينما قدم لها أول قاموس للغة الأسبانية، قبل سقوط غرناطة واكتشاف الأمريكتين.
باللغة يتحاور البشر ويتقاتلون، واللغة تتنقل، كما كتب الفلسطيني الياس صنبر. لللغة جغرافيتها وتاريخيتها وبالنتيجة فعلها. لذلك كان النحاة والألسنيون والشعراء ضرورة، فهم يضعون قوانين اللغة وحدودها وفاعليتها وبلاغتها. مادام هناك قانون في اللغة فهو يحدد استعمالها، ليس جزافا، خصوصا في السياسة والمعاهدات الدولية. ان لكل مفردة وكل حرف عطف وأداة توصيل مكانها، عند الشعراء و رجال القانون والسياسيين.
في مقالة الكاتب العراقي -الكردي سربست بامرني " كوردستان المغدورة " المنشورة في ايلاف 21 اكتوبر "تشرين اول "بعنوان نسف لللغة. متعمد او لا واع او هو قصور لغوي، ذلك امر آخر. المقالة بمجملها تبدو كأنها بيان من جبهة معركة من القرن الماضي: من معركة ستالينغراد او راديو القاهرة في حرب الأيام الستة او جبهة المحمرة في العام 1982، حين تهاوى الجيش العراقي امام الجيش الأيراني في هزيمة ماحقة.ابتسم الكثيرون وضحك البعض على اول خطاب لصدام حسين حين بدأت حرب العراق في آذار 2003. ظهر صدام على شاشة التلفزيون وهو يهدد ويقرأ شعرا عموديا ركيكا يتغنى بالحسام المجرد الذي سيهزم الغزاة ويبيدهم عن بكرة ابيهم؟ لحظتها كانت صواريخ الغواصات الأمريكية تدك بغداد من البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر مقتلعة البيوت والقصور من ارضها، جاعلة من اشجار النخيل شظاياها الأضافية؟
يبدأ السيد بامرني مقالته بعبارة هي من غرائب اللغة والتفكير "مرة أخرى تكالبت قوى البغي والشر والعدوان والأستعمار الأستيطاني العراقي الأيراني التركي و بضوء أخضر من امريكا التي تدعي زورا وبهتانا دفاعها عن الديمقراطية و حقوق الأنسان.... الخ " قد نفهم، ضمن الحالة العاطفية التي تهيمن على بعض الأكراد من ملة مسعود البرزاني مفردات قديمة من نمط البغي والشر والعدوان، رغم انها مفردات أكلت نفسها لكثرة استعمالها في ادبيات الأحزاب والدول المتخلفة. لنترك للسيد الكاتب مترادفاته، لكن مانتوقف عنده هو " الأستعمار الأستيطاني العراقي الأيراني التركي ". ولا ندري هل ان كردستان، الموزعة ظلما، على بلدان خمسة، هي قارة او جزيرة مكتشفة حديثا ليأت اليها هؤلاء المستوطنون الجدد؟ اليست هي، منذ التاريخ القديم جزءا من العراق التاريخي، الآشوري والبابلي والأخميني ومن ثم الأسلامي؟ لنفترض ان الكاتب، الذي يلوح مثل غيره من الكتاب الأكراد ان العراق هو اختراع من اختراعات سايكس بيكو، لكن الحدود السياسية التي وضعها هذا الأتفاق وما تلاه في لوزان ثبت الحدود السياسية لهذه البلاد واعترف بها دوليا؟ ام انه يمضي، مثلما مضت داعش حينما احتلت الموصل وهدمت سدة الحدود الترابية الهشة، الفاصلة بين العراق وسوريا، مدعية انتهاء سايكس بيكو؟ الم تكن كردستان، دائما، ضمن حدود العراق الذي عاصمته بغداد، على الأقل منذ ابو جعفر المنصور؟ الم تبني بغداد في كردستان مدارسها ومستشفياتها وجامعاتها ومؤسسات ادارتها منذ انبثاق الدولة العراقية وحتى زمن متأخر؟الم يضم الجيش العراقي منذ تأسيسه اكرادا، جنودا ومراتب عليا، على رأس السلطة ولعل اشهرهم بكر صدقي " الكردي القح اما وأبا " الانقلابي الذي ذبح الأكراد والمسيحيين في مجازر ما زالت ذكراها ماثلة في التاريخ العراقي؟ اما استوطن الأكراد، بمختلف اصولهم العشائرية والأثنية والمذهبة كل ارجاء وطنهم الأول العراق من العمارة والكوت والرفاعي والحي و بدرة وجصان وكربلاء وبغداد والموصل وديالي. هل كان ذلك استعمار استيطاني كردي؟ ام ان الأكراد الفيلية، معتنقي المذهب الشيعي ليسوا اكرادا وتركتهم الحركة الكردية طعاما لذئاب صدام في مأساة مروعة من مآسي التاريخ العراقي الحديث، وهم من خدموا العراق في كل المجالات خدمات جليلة، ومنهم مثقفينا وتجارنا و فنانينا وابطالنا؟ هل مملكة اللر الكردية في جنوب العراق كانت استعمارا استيطانيا للجنوب العراقي العربي، وهل قرأت او سمعت مؤرخا كرديا او عربيا يشير الى ذلك؟ هل ان اجيالا من الأكراد التي درست في الجامعات العراقية، حينما كان للعراق جامعة واحدة، كانوا استيطانيين وانت واحد منهم؟
كلا ايها الكاتب المحترم، كانوا في وطنهم ولهم حقوق مواطنيهم، رغم العسف الذي اصاب الجميع من الحكومات العراقية المتوالية ومن المستعمرين القدامي من عثمانيين وخرفان سود وبيض وجلائريين وايلخانيين وهولاكيين.نعم اضطهد الأكراد حتى صارت قضية أضطهادهم عقدة عراقية، وليست كردية فحسب.كان عليك ان تعيد قراءة الأدبيات السياسية والدينية التي عاصرت تلك الحقب السود في التاريخ السياسي الحديث للعراق، على الأقل. كم عربي قاتل مع الأكراد ومن الذي قاد انتصار هندرين على اخوة لنا في اللغة والدين والوطن في صيف 1966؟لعلك تعرف عائلتي وتعرف كم " تبهذلنا " لأننا وقفنا مع الأكراد في احلك الأوقات؟تعارفنا في صحيفة التآخي في بغداد، الجريدة الناطقة بأسم الحركة الكردية، كنا اثنين من العائلة نعمل فيها، اخي جعفر ياسين الذي كاد ان يدفع حياته ثمنا لولا مشيئة القدر، وانا الشاب الذي لم يبلغ العشرين حينها. في تلك الأيام كانت الكثرة تهرب منكم بما فيهم بعض الأكراد الذين صاروا " جحوشا " للنظام يسميهم فرسان صلاح الدين وهم بمئات الآلاف " ساق الكاتب الكردي شة مال سليم في احد مقالاته عدد 800 الف جحش ". نحن بقينا بعد الأستسلام المريع في آذار بسبب لا مبدأية القيادة البرزانية 1975 ندافع عن انفسنا في بغداد التي كانت اشبه بمعسكر اعتقال مرعب بلا اسلاك شائكة.وكنا عربا "بغادة " اصولنا من الجنوب.
اخيرا، لو كانت بغداد " عاصمة الأنفال " كما يسميها البعض من الأكراد لماذا شاركتم في كتابة دستور العراق وصوتم عليه زرافات؟ولماذا شاركتم في الوزارات السيادية؟ ولماذا اصررتم ان يحاكم صدام من قبل قضاة اكراد وان يكون رئيس اركان الجيش العراقي كرديا وكذلك قائد القوة الجوية والكثير الكثير من المشاركة في الأعصاب الأساسية لعاصمة الأنفال؟ اما كان الأجدر بكم ان تقولو لبغداد " لكم دينكم ولي دين "وتمضون بعيدا عن الأستعمار الأستيطاني، بهدوء، الى مهب ريحكم بلا 17 في المائة ولا رواتب للبيشمركة والموظفين ولا كنتم ولا كنا كما في قصيدة البهاء زهير عن الصداقة.
ثم ماهي علاقة الشعب العراقي بالضوء الأخضر الأمريكي؟ أمريكا صديقة الأكراد الدائمة وخائنتهم الدائمة. كم مرة خذلتكم الولايات المتحدة الأمريكية وكل مرة تضعون بيضكم ولبنكم في سلتها؟ اكثر من كاتب كردي وعربي حذركم من امريكا التي ليس لها وجه واحد، فهي حمالة اقنعة في الكرنفال الأسود للسياسة الدولية. ثم ان امريكا ليست صديقة للعرب وقتلت من العراقيين اكثر مما قتلوا من جيشها. على العكس، يدعي الكثير من الأكراد ان امريكا صديقتهم فلم يقتلوا واحد ا من جيشها ولم تقتل كرديا واحدا، الا بالخطأ حد علمنا. وهل من عاقل يثق بسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط الجديد؟ بأمريكا واخواتها تفقد القضية الكردية العادلة اصدقائها. اليس من العار، وهذا ليس سرا، ان تكون اسرائيل، الأستعمار الأستيطاني منذ نشأتها وحتى اليوم، حليفا وصديقا للأكراد والمدافع عنهم في المحافل الدولية. وصل الأمر الى هذا الحد، ان يكون برنار ليفي الصهيوني المتطرف وصديقه برنار كوشنر الدعي، المتقلب، العنصري الذي يكره العرب، في درجة مستشار اول لمسعود البارزاني. هل خلت كردستان والعراق الصديق من العارفين بالأمور ام هو التحدي الأحمق لأغاظة الأصدقاء.الا تعلم بأن الشعب الكردي، ولعقود، كان يدافع عن قضيته وقضية فلسطين معا. كم كردي ناضل في صفوف المقاومة الفلسطينية وعلى رأسهم جلال الطالباني الذي كان عضوا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.هناك من الأكراد من دفع حياته ثمنا للدفاع عن الفلسطينين، ثم بعد ذلك يصير نينياهو ومصارعيه من " العهد القديم، عرابا للقضية الكردية؟
اين وصلنا واين سنصل وهل سيبقى اثر للقضية الكردية في الضميرين الكردي والعربي؟ لحسن الحظ مازال للقضية صداها الواقعي والعاطفي حتى بعد احداث كركوك.هكذا تحكم عقلية سايكس –بيكو الأكراد كما تحكم العرب، فكلنا اولادها، اذ لم نجعل من التاريخ وحكمته، ومن العقل وعاطفته، ومن الحوار وترفعه عن الصغائر، طريقا لحل القضايا، بل ما نرى تصريفات ساذجة وعدوانية للغة، أي لغة، كردية ام عربية.دولة كردستان القادمة، غدا او بعد غد، بحاجة الى سلام مع جيرانها" الجار ثم الجار ثم الجار كررها ثلاثا حتى ظننت انه سيورثه " بهكذا صيغة يروى حديث نبوي، وهو حكمة الجيرة التي حكمت اعراف الشرق لزمن طويل. لا حاجة للأكراد بدولة مثل اسرائيل، عدوانية ومذعورة ومسلحة بالقنابل النووية، دولة جيرانها، كلهم، يكرهونها وينتظرون فرصة لتهديمها. الدول الحقيقية تبنى على حق وتعطي حقوقا للجميع، خصوصا جيرانها في التاريخ والدين والنضال. والسلام

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار