GMT 4:45 2013 الثلائاء 17 ديسمبر GMT 19:29 2013 الجمعة 20 ديسمبر  :آخر تحديث

المجتمع المدني الإسلامي والتنمية

سهى الجندي
يقصد بالتنمية الاستخدام الأمثل للموارد بهدف زيادة الناتج القومي والفردي ورفع مستوى الكفاءات البشرية وتسلحيها بالعلم والمعرفة والحفاظ على البيئة لكي لا تستنزف الموارد. وتتولى الحكومات في المجتمعات الإسلامية عملية التنمية في مختلف القطاعات بهدف توفير الرفاه الاجتماعي، بينما يقتصر نشاط المجتمع المدني على الاستثمار بهدف الربح. والمقصود بالمجتمع المدني الاسلامي هو المؤسسات التي اتخذت الطابع الاسلامي في نشاطاتها وأهمها البنوك الاسلامية والمنظمات الأهلية. 
بعد الصحوة الإسلامية في السبعينات من القرن الماضي نشأ توجه نحو المصارف الإسلامية لتلبية احتياجات الشعوب الإسلامية التي عزفت عن البنوك الربوية انطلاقا من الحكم الاسلامي الصارم بشأن الربا وهو التحريم المطلق. وقد حددت البنوك الإسلامية رؤيتها بأنها قائمة على الإنتاج وليس المتاجرة بالمال والفوائد المالية وذلك من خلال الاستصناع والاستزراع والمرابحة من منطلق الفلسفة الأساسية للاقتصاد الإسلامي القائم على الإنتاج ولكن ما حدث على أرض الواقع هو أن نشاط البنوك الإسلامية اقتصر على المرابحة. وقد أخذ الدكتور يوسف القرضاوي على هذه البنوك أنها غلبت المرابحة على النشاطات الإنتاجية، وهذا النشاط يجافي الرؤية الأصلية التي نشأت بموجبها هذه البنوك. 
أما الموضوع الثاني فهو المنظمات غير الحكومية في البلدان العربية الإسلامية وتركز نشاطهاعلى المجال الخيري والتبرعات للفقراء في مختلف الدول، على الرغم من وجود ملايين الأثرياء العرب ممن يمتلكون ثروات هائلة يمكنها إحداث نقلة نوعية في مستوى الإنتاجية والدخل العام والفردي لو كانوا يحملون هموم أوطانهم ومجتمعاتهم بصدق، إلا أنهم يعزفون عن الدخول في مشاريع تنموية وإنتاجية وهذا يعود إلى عوامل ثقافية بالدرجة الأولى إذ أن مفهوم الإحسان وفعل الخير في الدول الاسلامية يقتصر على الصدقة وليس العمل المبرمج والمخطط له بطريقة علمية بهدف رفع المستوى العام. 
لا شك أن أسلمة النشاطات الاقتصادية يعكس رغبة عميقة لدى المسلمين بالتمسك بالأحكام الإسلامية كمنهج حياة واقتصاد، ولكن نيل المطالب لا يكون بالتمني، فهناك أسس وقواعد علمية منظمة للتخطيط والتنفيذ تتطلب دراية فنية وإدارية وتمويلا سخيا وإصرارا على المتابعة، فالدول التي وصلت إلى مستويات عليا في الإنتاجية تحملت الخسارة إلى عدة سنوات وقد نشرت الموسوعة الكندية  دراسة  حول تطور الصناعة الكندية جاء فيها أنه في الستينات من القرن الماضي كانت معظم الصناعات مملوكة من قبل جهات أجنبية ثم جاء القرار السياسي بإنشاء مصانع وطنية ووضعت استراتيجية لتطوير البنية التحتية لإنشاء صناعة وطنية قادرة على التنافس. ثم تم تحديد المصانع المراد إنشاؤها على مراحل ولكن منتجاتها فشلت في غزو السوق في المرحلة الأولى لكن الحكومة الكندية قررت تحمل الخسارة وإعادة المحاولة، إلى أن وصلت كندا إلى مرحلة تصدر فيها أكثر مما تستورد من المنتجات الصناعية. 
وهناك عدة عراقيل تقف في وجه الانتقال إلى حيز الإنتاجية بعيدا عن الاقتصاد الريعي في الدول العربية الاسلامية أهمها توفير الموارد اللوجستية والكوادر البشرية والتمويل اللازم وأهم من ذلك كله بلورة رؤية ورغبة حقيقية بخلق قطاع إنتاجي قادر على المنافسة والصبر وتحمل الخسارة حتى يؤتي المشروع ثماره. فإذا توفرت هذه العناصر فإن احتمال نجاح المشاريع الإنتاجية يصبح كبيرا في منأى عن المعتقدات التي لا تقوت العيال حين مسغبة، بل أنها تلعب دورا سلبيا من حيث أنها تبعث على التفاؤل غير القائم على أسس مادية على أرض الواقع. ويكفي أن نعلم أن أرباح شركة سامسونغ الكورية لعام 2006 بلغت 2.16 تريليون دولار وبالطبع فقد تضاعفت منذ ذلك التاريخ. 
إن طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع تلعب دورا كبيرا في تحفيز الأفراد على ارتياد الصعاب ونحن نعيش في ظل ثقافة تؤثر المألوف دوما وتحبط محاولات التجديد بشكل معلن أو غير معلن. ونستذكر ما قاله عالم الاجتماع العربي ابن خلدون عن العرب في مقدمته الشهيرة " ان العرب لا يتغلبون إلا على البسائط، وذلك انهم بطبيعة التوحش الذي فيهم اهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من دون مغالبة ولا ركوب خطر، ويفرون الى منتجعهم بالقفر. واذا تغلبوا على اوطان اسرع إليها الخراب والسبب في ذلك انهم امة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم فصار لهم خلقاً وجبلة". على أن تغيير الثقافة ليس بالمحال وقد عاشت شعوب في حالة ركود لقرون من الزمان ثم مرت في تحول فكري شامل غير منظومة القيم برمتها وتمكنت من تحقيق رفاه اجتماعي مثير للإعجاب وجدير بالاحترام. 
 

في أخبار