النبأ كما أرسَلَه السيد حيان نيوف من دمشق إلى موقع إيلاف في 18/ سبتمبر/2004 جاء كَالتالي:
في خطوة لا تخلو من الإثارة و الغرابة قرَّرَ مواطن سوري من الأقلية الأرمنية أن يرشِّح نفسه لِ رئاسة الجمهورية السورية عام/ 2007/....إلخ.
أمَّا السيدة سلوى اسطواني، فقد صاغت النبأ في موقع شام برس بتاريخ 19/9/2004 كما يلي:
في موقف لافت يثار لأول مرة في سوريا برفض الإسلام دينا للدولة، أعلن مهندس من التابعية الأرمنية...إلخ
و ذيَّلَتْ مقالها بعبارة- و لله في خلقه شؤون-، و لا أدري هل هي للسخرية، أم للشفقة عليَّ لأنني فقدتُ أهليتي القانونية و العقلية؟ شكرا لك يا سلوى على كل حال، و لِ يسامحنا ربّ السماوات و الأرض على كل شيء.
عزيزتي سلوى و عزيزي حيان إن مأساتنا تكمن هَهنا( الأقلية، التابعية، القبلية، العشائرية....إلخ)، و أنا دوري هو في رَفْعِ هذه العباءات المتسخة و المهلهلة من فوق هذه العروس التي ربطناها بِ أوتاد خيام الصحارى، هذه العروس ابنة الغابات و الجبال و البساتين و البحار، ابنة كروم العنب و عصاراتها، ابنة الورد و الفلَّ و الياسمين، العروس التي كانت تطير كَ الفراشات في بيارات البرتقال و تحطّ على أشجار الزيتون و الصبَّار، هذه الحرَّة التي كانت تفيق مع شدو البلابل و غناء العصافير مع اشعاعات الشمس الذهبية، هذه ال سوريا الجميلة التي لم تكن تعرف لون السواد إلاَّ في مناسبة واحدة لا غير، هذه ال سوريا التي كانت تقبِّل الجميع، و كان الجميع يركع أمام ناظريها و يتلمَّس شالها الليلكي لِ يكتسبوا بركاتها و رضاها عنهم، إنها سوريا العذراء التي لم تميِّز بين القليل و الكثير من أبنائها و أحفادها، سوريا أدونيس و قدموس و عشتار، سوريا سلوقوس و ديكران الكبير و هدريان، سوريا أذينة و زنوبيا، سوريا شاؤول و يوحنا و كنيسته في قلب الشام، سوريا الحُبّ و الخير و السلام، سوريا الكل لِ الكل، و الكل لِ الكل.
دمشق أيتها الحبيبة أنا هو ال أنا، و ليس أيّ عابر أو مارق على جسدكِ، أنا الذي خَرَجْتُ من أحشائك مبارَكا بِ سوائلك و دماء مشيمتكِ، رَمَتْني القابلة بأوساخي المقدسة على صدركِ و لم ترفضيني في تلك اللحظة الكونية، بل أخذتني بين أحضانكِ و لَعَقْتِ وجهي و عيوني، و نفَخْتِ في فمي من روحكِ الطاهرة و أنْعَشْتِ جهاز التنفس الصغير في صدري، و منحتني فرصة الحياة حيث رأيتُ أوَّل شعاع للشمس و أنا أرضع الرشفة الأولى من ثديكِ المقدَّس، و كانت مناغاتي الأولى و أنا أنظر في عينيكِ الجميلتين، و الدفء الأول في عُرْي كان دفء صدرك، و الرائحة الأولى في عمري كانت رائحتك و الصوت الأول لا بل الشدو البدئي في أذني كان شدوكِ الرخيم، و الشفاه الأولى التي لمَسَتْ كياني كانت شفاهكِ، و الحرف الأول الذي تعلمته كان من لسانك الحلو؛ فَ هل لنا طعم و لون و جنس و انتماءات خارجة عن قبة السماء و طيف الشمس هذه؟؟!!
يا حراس الليل و فدائيي الظلام دعوني أقول في دمشقي هذا الكلام:
" دمشق أيتها الوجه الصبوح التي خَذَلَتني في عشقي الحزين، كَسَرْتِ مرآتك الوحيدة، و رمَيْتِ الأحجار على صفحة المياه الصافية، أوصدتِ أبوابكِ في وجهي و ملأتِ قلبي بِ الثلج.
جعَلتِ المدى ثلجا و الرؤى كلها لونا واحدا... و أبقى عاشقكِ العنيد أحلِّق مع خيالاتي في فضائكِ السرمدي.
عاكَسْتُ الله في حبِّكِ، و احتسيتُ عصارة خَلْقه من أخاديد الكروم، فكنتِ الجمال في غفوتي و هدوء روحي في نشوتي، و صدى اختلاجات الخلايا في جسدي. أنتِ الحبُّ الذي لم يعرفِ الكون طعمه و لن يعرفه سواي تحت هذه الشمس. كنتُ معكِ في رحيلكِ فوق السحب و كنتُ في انتظاركِ على الشواطىء تحت لهيب الشمس و أمطار العواصف، لكنكِ مزَّقْتِ أوتار القلب و مضيتِ في رحلتكِ- ابنة للطبيعة الهوجاء-
أنا مَنْ أعماني حبّكِ يا دمشق، و بتُّ الشريد التائه في ساحاتكِ و أبواب مكتباتكِ، أنسّلُّ بهدوء في أحياء وردية، أدخِّن لفافة تبغ تحت شرفة عاشقة ترسل دفقات الحياة لِ مَنْ يحتضر تحت الثلج منتظرا حرارة الفراشة القادمة من سماء الشمال؛ خذني يا شمال إلى دمشقي، و اقرأني هناك متسوِّلا للعشق و رحَّالة التيه في دهاليز الحبِّ و ملكُ المغفَّلين في سراب الصحارى، و أمير الحبِّ في جحيم الجنوب، و التائه الأوحد في أزقَّتكِ يا دمشق"
لماذا لا أكون ابنكِ أخوكِ حبيبكِ أبوكِ، أو جزءا منكِ، ذرَّةً من تراب نعليكِ أو كحل عينيكِ، لماذا لا أكون نبض قلبكِ يا قلبي يا دمشق، لماذا يبعدونني عن صدركِ الحنون و أنا الذي لا يعرف حرارة الأحشاء سوى أحشائكِ، و لم يذقْ طعم الحنان سوى حنانكِ، و لم يستمتع بِ جمال العيون سوى عينيكِ الناعستين فوق مَهدي و عيوني؟؟!!
حين تطوعتُ لِ أكون متكأكِ و عيونك التي تبصرين بها، و الهواء الذي تنعشين رئتيك به/ كما فعلتِ معي مذ خرجتُ من أحشائكِ/، اندهش إخوة و أخوات لي و عيَّروني بِ أحرف اسمي الذي لم أختره أنا، و التي أحبُّها
( حروف اسمي) كَ حبِّي لكِ، و ليعلم هؤلاء الأحبة بأنني، و بِ سبب تشبثي بشالكِ الوردي يا دمشق يا أمّ الورد و الياسمين، يا دمشق الجمال و الفكر و التاريخ، دمشق الأسماء و الخيال و الساحات، دمشق الحضارة التي كان، و جمال صباياها و سحرهن الفتَّان، ليعلموا بِ أنني قد دفعتُ ضريبة طيشي( أو جنوني) من حياة أطفالي و لقمتهم التي كنت أسعى لتأمينها من خلال وظيفتي الوحيدة لدى الدولة العتيدة، لأنهم فصلوني تعسفيا من الوظيفة بتاريخ 20/9/2004، و أيضا من خلال مسرحية هزلية حيكت خيوطها السوداء من الرقة إلى دمشق، إنها الدراما السورية المتقنة، و التي تفوق / الحواسم، الكواسر، الطواحن، الصواعق، الهوارس، الهوابش، السواحق، القوارض.../، لكن عذاب جهنم سيبقى يلاحقهم كلما رأوا أطفالهم يأكلون و يلبسون و يضحكون، سيكون ليلهم كابوسا عليهم، و شَبَحَا يسكب الملح في عيونهم و يزرع الشوك في أسرَّتهم الزوجية.
نعم. إنهم عيَّروني و أعادوا سيرة ابن الشدَّاد الذي حصل على شرعية اسمه و انتمائه لِ زبيبة أمه و لِ شدَّاد أبيه في لحظةٍ كان الخطر يداهم القبيلة، فنحن أيضا( كَ عنترة) نَبَتْنا من أعماق هذه الأرض، و الأرض هذه تشرب الأمطار دون السؤال عن المكان أو الأماكن التي تأتي منها الغيوم، فلماذا لا نكون كلنا أبناء شرعيين لِ أمِّنا سوريا الحنون؟
لماذا نكون مطالبين دوما بِ تقديم إثباتات و صكوك براءة لأشباح الليل؟ و إذا كان الامتحان الذي يريدوننا اجتيازه لِ التأكد من زمرة دمنا أو أيِّ اختبار آخر؟ فأقول لهم بأن زمن التابعية قد ولَّى إلى غير رجعة، و أخلاق العثمانيين و ظلمهم علينا جميعا قد اندحر و لِ الأبد، و أن المشيمة بدمائها و سوائلها المقدسة هي مشيمة كونية دون ولاءات عصابية غرائزية، فهي لا تعرف و لا تعترف إلاَّ بالحياة التي تخرج معها من أحشاء الأنثى الكونية أمّ الخلق و الآلهة.
ولأن هذا الاسم هو فضيحة صاحبه كَ حالتي، فهل ترون في هذه الوضعية المجتمعية أيّ عدلٍ أو مساواة بين أبناء البلد الواحد؟!.و إذا كنتم ترون المسألة كذلك، فأرجو أن تضعوا علامة فارقة على بطاقاتنا الشخصية و جوازات السفر التي نحملها في جيوبنا تماما كَ تلك التي تحملونها أنتم في جيوبكم؛ إني أدعو، ليس فقط بلدي الحبيب سوريا، إنما هذا الشرق المبتلى بثقافة الظلام و الحقد و الكراهية، بأن نفتح نوافذنا و أبوابنا لأشعة الشمس و لنسمات الهواء النقي، و أن نحترم مشاعر بعضنا، و أن نكفَّ عن الاستقواء بأخلاق الهمج و الرعاع و الغوغاء، لأننا إخوة في الحياة، و لأننا شركاء في أشعة و حرارة الشمس التي تشرق علينا جميعا و في جهات الكون الأربع، و حتى الخامسة منها.
فهان كيراكوس* سوريا*15/ اكتوبر/004
[email protected]
خاص بِ كتاب إيلاف