إيلاف من واشنطن: تخيّل أن تتناول حبة دواء كل صباح، كما تفعل مع فيتامين "د" أو حبوب الضغط، لكن هذه المرة لحماية ذاكرتك من الضياع بعد عشر سنوات. هذا ما يعمل عليه علماء أميركيون الآن.

طوّر باحثون في جامعة نورث وسترن عقاراً تجريبياً اسمه "NU-9" نجح في إيقاف مرض ألزهايمر عند الفئران قبل أن تبدأ الأعراض، بحسب دراسة نُشرت في مجلة "Alzheimer's and Dementia" التابعة لجمعية ألزهايمر الأميركية.

والأهم: العقار يُؤخذ عن طريق الفم، مرة واحدة يومياً، تماماً مثل أي دواء عادي.

المشكلة: نكتشف المرض بعد فوات الأوان

"عندما ينسى المريض اسم ابنته، يكون الدماغ قد تضرر منذ 10 أو 20 سنة"، يشرح دانيال كرانز، الباحث الذي قاد الدراسة.

المشكلة أن ألزهايمر يبدأ بصمت: بروتينات سامة تتراكم داخل خلايا الدماغ، التهابات خفية تنتشر ببطء، لكن من الخارج لا شيء يبدو خطأ. المريض يعمل، يضحك، يتذكر كل شيء. لكن في الخفاء، يحترق دماغه ببطء.

"لهذا فشلت معظم الأدوية حتى الآن"، يضيف كرانز. "كنا نحاول إطفاء حريق بعدما احترق نصف البيت".

الحل: ابدأ العلاج قبل النسيان

الفكرة الجديدة بسيطة ومنطقية: لماذا ننتظر حتى يفقد المريض ذاكرته؟ لماذا لا نبدأ العلاج عندما تظهر المؤشرات الأولى في الدم، حتى لو كان الشخص لا يزال بصحة جيدة؟

أعطى الباحثون العقار للفئران لمدة شهرين فقط، قبل ظهور أي أعراض. النتيجة؟

  • الالتهابات توقفت قبل أن تنتشر في الدماغ

  • البروتينات السامة اختفت من الخلايا العصبية

  • الخلايا الدماغية عادت إلى حالتها الطبيعية الهادئة

ويليام كلاين، أستاذ الأعصاب المُشرف على البحث، لم يُخف دهشته: "النتائج مذهلة. العقار أوقف الالتهاب الذي يُشعل فتيل المرض في بدايته".

اكتشاف المجرم الحقيقي

أثناء التجارب، اكتشف الفريق شيئاً لم يكن متوقعاً: ليست كل البروتينات السامة متساوية في الخطورة.

وجدوا نوعاً خاصاً، أطلقوا عليه اسم "ACU193+"، يظهر في الخلايا العصبية المُجهدة ثم ينتقل إلى خلايا أخرى تُسمى "الخلايا النجمية" (لأنها تشبه النجوم تحت المجهر). هذه الخلايا وظيفتها حماية الدماغ، لكن عندما يلتصق بها البروتين السام، تتحول إلى "قنابل التهابية" تنشر النار في كل الدماغ.

العقار الجديد يمنع هذا البروتين تحديداً من الانتشار، وبالتالي يوقف المرض عند نقطة البداية.

مثل أدوية الكوليسترول تماماً

ريتشارد سيلفرمان، الكيميائي الذي يعمل على تطوير العقار (وسبق أن اخترع دواء "ليريكا" الشهير للأعصاب)، يشبّه الموضوع بأدوية القلب:

"الناس يفحصون الكوليسترول كل سنة. إذا كان مرتفعاً، لا أحد ينتظر حتى تحدث الجلطة، بل يبدأ بتناول الدواء فوراً لمنعها. نفس الشيء يمكن أن يحدث مع ألزهايمر".

اليوم، توجد فحوصات دم بسيطة قيد التطوير تكتشف مؤشرات ألزهايمر مبكراً جداً. إذا ظهرت النتيجة إيجابية، يمكن للشخص أن يبدأ بتناول "NU-9" قبل سنوات من نسيان أول اسم.

ليس أول نجاح للعقار

العقار ليس وليد اليوم. ابتُكر قبل 15 عاماً لعلاج مرض آخر يُسمى "التصلب الجانبي الضموري" (ALS)، وهو مرض عصبي قاتل يُصيب العضلات.

في 2021، نجح العقار في علاج الفئران المصابة بهذا المرض. وفي 2024، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية على بدء تجربته على البشر.

الآن، يتضح أن نفس العقار يعمل ضد ألزهايمر أيضاً، لأن المشكلة واحدة في الحالتين: تراكم بروتينات سامة تقتل الخلايا العصبية.

ما القادم؟

الباحثون يخططون الآن لـ:

  • تجربة العقار لفترات أطول لمعرفة إذا كانت النتائج تستمر

  • اختباره على حيوانات أكبر (مثل الأرانب) لأنها أقرب للإنسان

  • قياس تأثيره على الذاكرة بشكل مباشر، وليس فقط على الخلايا

إذا نجحت هذه المراحل، فقد نرى العقار في الصيدليات خلال سنوات.

لماذا هذا مهم الآن؟

في أميركا وحدها، يعيش اليوم 6.7 مليون شخص مع ألزهايمر. وبحسب مراكز السيطرة على الأمراض الأميركية، سيتضاعف الرقم إلى 14 مليوناً بحلول 2060.

كل 65 ثانية، يُصاب أميركي جديد بالمرض. وكل عائلة تقريباً لديها قصة مؤلمة: جد نسي أحفاده، أم لم تعد تعرف ابنتها، أب فقد ذاكرة 60 سنة من عمره.

هذا العقار لا يَعِد بعلاج من فقدوا ذاكرتهم، لكنه يفتح باباً جديداً تماماً: منع المرض قبل حدوثه.

بدلاً من أن نسأل "كيف نعالج ألزهايمر؟"، قد نسأل قريباً: "كيف نحمي أنفسنا من المرض".

* أعدت إيلاف التقرير بتصرف عن Courthouse News: المصدر