قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


الرحلة من رمبيك إلى الخرطوم أو العكس لن تكون سهلة، وقد يكون فيها الكثير من الكبد والمشقة، وربما استلزم الأمر خط طيران مباشر ومطارات حديثة حتى تسهل عملية هبوط القادمون الجدد وحرية التنقل بين الشمال والجنوب. و لا تدل هذه الحاجة الماسة على الاتساع الجغرافي للسودان فحسب، بقدر ما تدل على تلك العلاقة الواهية التي ظلت تربط بين أطرافه المترامية وأقاليمه القصية. وعلى الرغم من تأكيد جميع الحكومات باختلاف أنواعها وأزمانها على أهمية الوحدة وضرورة التئام أجزاء السودان مع بعضها البعض، إلا أن هذه الحكومات جملة قد فشلت في ترجمة هذه الرغبات إلى أدوات اتصال مباشر وفعال لتقرب بين هذه الأجزاء وتلملم الأطراف النائية بصيغة تحتوي هذا التنوع والتعدد في جبة واحدة يمكن أن نطلق عليها السودان الموحد. قبل عام قالت لي امرأة ما: إن لم تكن لنا شوارع سريعة Highways للربط بين أجزاء السودان المختلفة، لا يمكن أن نتحدث عن سودان موحد! و لعلّ هذه المرأة بجرأتها التي لا تخفي قد لخصت المسألة ببساطة مرعبة.

في الحقيقة هناك تحديات كثيرة تواجه تنفيذ اتفاق السلام لن يسع مقال واحد لتعدادها. ولعل أول هذه التحديات هو ما يتعلق بطبيعة الاتفاق نفسه، وما يرمي به البعض من تهم التدخل الأجنبي ودور أجنبي في إملاء شروط الاتفاق على الطرفين. وبغض النظر عن وجود ضغوط دولية، مقبولة أم مرفوضة، حميدة أم خبيثة، فإن سودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى مثل هذا التدخل الايجابي للمساعدة في وضع حد لهذه الحرب الطويلة، ووقف حمام الدم المستمر لأكثر من عقدين من الزمان. وقد أثبتت التجارب عجز الإرادة السودانية منفردة، وتأرجح الرغبات في التوصل إلى سلام ضمن حلقة طويلة من التفاوض استمرت لعقد ونصف. و كون أن الأمور قد صارت إلى ما هي عليه لفترة طويلة، لا يبرر لها الاستمرار على هذا المنوال. فالوطن قد تراكمت الهزائم الداخلية على أركانه، حيث هزمت الحرب الأهلية الطويلة شعبه و أكلته من كل جانب. وتمت هزيمة الإرادة الشعبية يوم أجهضت شعارات كوكادام 1986، ويوم هزمت اتفاقية الميرغني-قرنق 1988. وهٌزمت الديمقراطية وأجهضت يوم سطا عليها الشركاء الإسلاميون بليل عام 1989، ثم هُزمت الدولة يوم كرست لتلك المركزية التي تفرق بين أبناء الوطن الواحد، وتهمش بين أقاليمه. ثم هزمت الدولة يوم أعلنت في عام 1991 الجهاد الإسلامي ضد النصف الآخر من شعبها.

والآن بعد توقيع البروتوكولات الستة يسود إحساس عام لدى الجميع وسط النخب الحاكمة، و قادة الحركة الشعبية و قادة الأحزاب المعارضة، و المواطنين العاديين، انه قد آن أوان وقف هذه الهزائم المتكررة، ووقف هذا الانقسام الذي يسود في جسم الأمة والدولة معا، والحديث عن سبل جديدة وأنظمة بديلة للحكم تفتح آفاق المشاركة الكاملة على المستوى القومي والمحلي، وتعمل على اقتسام الثروة، وانسياب السلطة للأقاليم والولايات بصورة حقيقية وعلى أسس عادلة. و حقيقة قد بدا للكثيرين أن اتفاق السلام المعلن والمنشور بين الناس يلبي هذه الطموحات ويتناغم مع أماني الشعب القديمة في الحكم اللامركزي، ويسن سنة حسنة تجد منا كل التأييد، ونرى حسن إتباعها.

ثاني التحديات يتعلق بما يحمله وينطوي عليه الاتفاق، وما ينسجه من علائق دستورية معقدة للغاية، فهو ليس مثل اتفاقية أديس أبابا التي حصرت الأمر في الجنوب فقط، بل يحاول هذا الاتفاق معالجة الأزمة السودانية من جذورها وذلك بإرجاع الأمور إلى الأقاليم والولايات لتقرر في مستقبل بقائها في وحدة طوعية. كما يحدد مستويات متعددة للسلطات ويضع اللبنات الأولى لنظام سياسي جديد وإعادة هيكلة الدولة في صورة لم يسبق لها مثيل. كذلك يحتوى الاتفاق على بروتوكولات هامة تحمل روح ونصوص بعض المواثيق الدولية مثل حماية حقوق الإنسان وغيرها، وخطوات لازمة لإنجاز مشروع التحول الديمقراطي مثل المؤتمر القومي الدستوري واللجان القومية لصياغة الدستور وقانون الانتخابات.

أما إشكاليات التنفيذ فتكمن في هذه اللجان المتعددة والإجراءات الانتقالية الدستورية التي تحتاج إلى كادر من نوع آخر غير الذي يسيطر على مفاصل السلطة في الخرطوم، فالإنقاذ نظام مغلق ولا نعلم مدى استعدادها لفتح مساحات للقادمين الجدد من أدغال الجنوب، لعدو الأمس الذي جاهدوه ودفعوا الغالي والنفيس لدحره، وللقادمين من المنفى الذين شردتهم الإنقاذ. فقيادات الإنقاذ ليست مدربة على مواضيع الديمقراطية التعددية، بل لا يعترفون بمواثيق حقوق الإنسان الدولية. فهذا الكادر قد تربى وتدرب على انتهاك حقوق الإنسان واغتيال خصومهم وعلى فنون التعذيب في بيوت الأشباح وغيرها، كما أن معظم قادتها لا يخضعون للمساءلة والمحاسبة ولهم في ذلك تاريخ طويل منذ ظهور قصة القصر العشوائي، مرورا بشارع الإنقاذ الغربي، وانتهاء بالمؤسسات التي نهبت وذهبت أدراج الرياض والمنشية. و مثلما للحرب سماسرتها الذين أثروا من ورائها و عملوا على إطالة أمدها، فللسلام أيضا سماسرته المتطلعين الذين لا يهمهم من كل هذا العنت إلا مصالحهم وجيوبهم. كذلك تواجه نفس التحدي أعلاه قيادة الحركة الشعبية وقدرتها على الانفتاح على القوى الأخرى جنوبية كانت أم شمالية، وإتاحة مساحة لها للمنافسة العادلة.

ولا يقف الأمر على كادر الحكومة فقط، بل أننا نجد في مقابل هذا الاتفاق المتقدم جهاز دولة متخلف وضعيف، بصورة لا تجعله مؤهلا لتنفيذ هذا النوع من الاتفاقيات. فهو جهاز يتسم بالأحادية و بإرث وتجربة طويلة من الانغلاق على الذات، وهو جهاز قلما يوصف أنه غير عصري وغير مواكب للتغييرات التي شهدتها أنظمة الدول في العالم، وليس له ادارك بالتحولات التي تشهدها السياسة الدولية، وقد لا يمكنه مواجهة التحديات الجديدة التي سيفرضها وجود هذه الاتفاقية في حيز التنفيذ. وما تصريحات قطبي المهدي الأخيرة إلا خير تعبير وتجسيد لهذه الحالة ولما سيواجهه الاتفاق من تحديات تكمن في احد أطرافه الأساسيين. فكيف نضمن تنفيذ اتفاق بهذه القوة والتعقيد من قبل جهاز غير مؤهل، و لا يرحب به بعض أركان البيت الذي وقعه. كذلك لا يخفى أن هذا الاتفاق بعلاقاته الهيكلية الكثيرة يتطلب موازنة مالية ضخمة، كما يحتاج إلى آلية لفض النزاعات التي قد تنشب بين هذه الأجسام الحكومية المختلفة، بصورة قد تعطل مسار الحياة العادية في الدولة، مما يمكن أن يتسبب في نشوب صراعات دموية من نوع جديد.

آخر التحديات المتعلقة بالتنفيذ تكمن في إمكانية التغلب على العقبات الأولى التي قد تثور في بداية انطلاقة تنفيذ بنود الاتفاقية، حيث هناك تخوف أن يؤدي أي فشل في معالجة مثل هذه العقبات الأولية الخاصة بالمستوى القومي إلى رد الجنوب على عقبيه وتقوية شوكة الانفصاليين وجعل الغلبة لهم، مما يقلص طموحات قادة الحركة في حدود جنوب السودان فقط، وقد ينتج عن ذلك ظهور جنة ديمقراطية في الجنوب أثناء الفترة الانتقالية في ظل دولة شمولية آحادية باطشة في الشمال مما يهدد آمال الوحدة.

كذلك هناك تحديات أخرى تتعلق بالحفاظ على وحدة السودان تقع على عاتق الأحزاب والقوى الشمالية كافة، فالحركة الشعبية قد أنجزت نصف المهمة، وانتزعت نصف السلطة وهيأت المناخ للتحول الديمقراطي بوضع مواثيق ومبادئ دستورية من شأنها أن تعيد هيكلة الدولة على أسس جديدة وحكم لامركزي رصين يجد استقلاله من خلال قسمة عادلة للثروة. بالتوقيع عليها تكون الحركة الشعبية قد نجحت في وضع هذه المواثيق على عتبة الإنجاز والتنفيذ، مما قد ينقلنا إلى بر الأمان إن تم تنفيذها بصورة جلية. كل هذا يفرض مشاركة القوى السياسية الشمالية التي لم يشملها الاتفاق في لجان صياغة الدستور وقانون الانتخابات لأنهما عصب المرحلة المقبلة، ونخاع مستقبل السودان، بحيث يتم تمثيل هذه القوى السياسية والحزبية على صيغة إقليمية متساوية وعادلة حتى لا ينفرد بعضويتها نخب المركز القديم.

محامي متخصص في شؤون الكونجرس