قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

السيد عبد العزيز بلخادم، وزير خارجية الجزائر، شغلنا وشغل الإعلام العربى لأسابيع، بقضية جديدة من قضايا العرب العبثية، والقضية هى " التدوير "، أما الذى بحاجة الى تدوير كى ينصلح كل شىء فى واقعنا العربى الفكاهى، فهو منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية. بالأمس أضاف السيد بلخادم غموضا وطرافة على الموضوع حين صرح للصحافيين الذين تحلقوا حوله فى الجزائر بتصريح عنوانه : ( مسألة التدوير قائمة.. وإسألوا موسى..! )

لست أدرى لماذا سرحت بخيالى وتخيلت وزير خارجية كوريا الجنوبية، الذى كان واقفا الى جوار السيد بلخادم، وقد إنتحى جانبا بالسيد بلخادم وسأله ؛ هل تدوير منصب الأمين العام هو مشكلتكم فى العالم العربى ؟ ما أسعدكم ياسيدى.. لقد تغلبتم إذن على معضلات التبادل التجارى البينى وتوحيد التشريعات وتسهيل تنقل الأفراد والأموال ورفعتم الحواجز الجمركية، ورفعتم الـ gdp (صافى الناتج القومى ) لتكتلكم،وتبنيتم نظام تعليمى موحد، يرتقى بالذهنية العربية والإسلامية لتصبح " ناقده، مبدعة، عقلية، منفتحة " بدلا من " متلقنة، مستظهرة، نقلية، رافضة "، وإتفقتم على خطاب سياسى واحد تتوجهون به الى العالم يتحرى اللغة الدولية ولايغرق فى الإنكفاء على منظوره الشوفينى والدينى، ما أسعدكم ياسيدى إننا فى تجمع الأسيان، وتكتلاتنا الأسيوية الأخرى نعانى من مشاكل أخرى أكثر إستعصاءا وليت كل مشاكلنا كانت جنسية السكرتير العام لتجمعاتنا، ماأسعدكم أيها العرب..!

حسنا لقد فهمنا ولن نسأل موسى كما يطالبنا السيد بلخادم، إنه مشهد جديد من مسرحية هزلية بطلها العرب والجامعة، لم يخلفوا عادة من عاداتهم الضاربة فى القدم، وبمهارة شديدة يعيدون إنتاج نفس قضايا القبائل الهلامية، كى تكون مادة مسامراتنا الليلية فى الفضائيات، والجرائد المحجبة والمنقبة من مراكش الى القاهرة، ومن بيروت الى عدن، إستبق السيد وزير الخارجية الجزائرى مؤتمر القمة المزمع إلتئامه فى بلاده،بأن وضع الحرب بغير مكان الحرب، وحيث الحرب تقلد وتقلدنا معه ألافا من السيوف الخشبية، سقف البيت المتداعى يكاد يسقط فوق ساكنيه، وهم فى حمأة النقاش حول لون الطلاء الذى يتعين أن تطلى به واجهة البيت الأيل للسقوط.

جامعة الدول العربية، ولدت فى مدينة أنشاص المصرية فى أربعينيات القرن العشرين،ككيان إحتفالى عاطفى عشائرى ؛ إستجابة لظروف ضاغطة فرضها الوضع فى فلسطين بعد الإنتداب، وليس لحاجه جيوبوليتكيه وإقتصادية ؛ يكون التكامل فيها وسيلة لتحقيق غايات كبرى، يستفيد منها المجموع، كحال التكتل الأوربى ؛مع الفارق فى القياس. الجامعة ولدت ككيان مواجهة وليس كتكتل، ولذلك لم يلق ميثاقها العاطفى بـالا لهيكليتها وميكانيزم عملها المؤسسى ؛ فبقيت تعانى من معضلات كبرى، تتجاوز التدوير، وتتجاوز أى مشروع للإصلاح الشكلى من تلك المشروعات التى تتداولها المنابر الإعلامية العربية بين الحين والحين، بل إننى لن أكون مبالغا لو قلت إن مشكلات الجامعة تتجاوز الإصلاح المؤسسى نفسه، فأهل الجامعة بحاجة الأن الى عقد جديد، وقبل العقد لابد من المصارحة والمكاشفة ؛ من يريد أن يبقى ويحتفظ بنفس القناعات القديمة عن المصير الواحد لقطعة الجغرافيا المراوغة التى تسكن كل الكتب المدرسية تحت المسمى البراق " الوطن العربى "، ومن يريد أن يستأذن فى الرحيل، بعدما بقى لسنوات طويله يحمل بطاقة العضوية من باب الحرج العربى ويحضر متثاقلا الى المقر النيلى الشاهق إرضاء لعواطف شعبية ودينية، ويرسل مندوبين دائمين، من المغضوب عليهم والضالين فى مطبخه السياسى ؛كى يستمتعوا بنيل القاهرة وأمسياتها، ويكفونه شر وجع الدماغ. لابد أن يجلس الجميع مشرقيون ومغربيون،خليجيون وشوام ويسألون أنفسهم الأسئلة الصعبة، هل نريد تكتلا بكل أبعادة البراجماتية، أم نريد ناديا إجتماعيا ؛ يتلاقى فيه شيوخ القبائل بالقبلات والأحضان والقهوة بالهيل، هل نريده تكتلا يقوم على أسس موضوعية من المصلحة الإقتصادية والسياسية، أم يبقى كسرادق عزاء نجتمع فيه فى الملمات كى نبكى جماعة خلف إمام منا، هل نريده كيانا عربيا منفتحا على العالم، أم نجره الى مربع التكتل الدينى الذى يتحدث مع الأخر من فوق أرضية عقائدية، لاسيما وبعض الدول العربية الأعضاء، ليس الإسلام هو مكونها الحضارى الوحيد كمصر ولبنان والسودان
والعراق والمغرب، لابد أن يملك الأعضاء شجاعة الرد على الأسئلة الصعبة ويقرر كل منهم أمام الجميع ماهو موقع التكامل العربى من أجندته القطرية، هل يسبق مثلا، شوقا ملهوفا لشراكة مع أوربا أم يليه، هل يتماثل مع رغبة أكيدة فى شراكة قطرية مع الولايات المتحدة، أم يأتى كأولوية تالية، هل يمكن لثمرة بطاطس مصرية أو تفاحة لبنانية أن تجد مكانا على مائدة خليجية أم يطردها تفاح شيلى وبطاطس سلوفانيا..!

هل ستعرف الجامعة المرتجاة تصريف فعل ؛ فعل - يفعل - فهو فاعل، أم تتعاطى مع التحديات بمعالجات إنفعالية تتحرى عواطف العامة المباشرة،وإرضاء الداخل القطرى المغيب بالتهييجات والشحن الفضائياتى، ولاتتحرى الواقعية السياسية. خسرت الجامعة كل المنازلات التى دخلتها بداية من مشروع التقسيم الأول، ومرورا بالفرصة التاريخية التى أتاحتها حرب السويس، وسقوط أنطونى إيدن، وغزل إيزينهاور لها ككتلة كى تنضم الى الحراك العالمى فى وقت كانت شعوب كوريا والصين والهند والجنوب الأسيوى تحسد المحيط العربى على الفرص المتاحة أمامة، من لطمة الخامس من يونيو 1967، وما تلاها من ترنح،الى حرب أكتوبر (تشرين ) 1973 والتلاحم الهش الذى تلاشى بعد محادثات الكيلو 101 بسيناء، مرورا بالمستنقع اللبنانى، ومفاجأة السادات التى لم يستوعبها أحد من سكان الجامعة؛ فحملوا أمتعتهم الى تونس بمقر جديد وأمين عام جديد بعد مؤتمر صدام الشهير ببغداد ؛الذى قررإقصاء مصر الساداتية، وإلقاءها فى نفس البحر الذى ستلقى به إسرائيل، ثم محنة غزو الكويت، وحرب الخليج الأولى والثانية، محطات من الإخفاق والعجز وتاريخ ميكرفونى كسيح من المشاهدة السلبية. لن نعيد سرد القضايا التى نفضت الجامعة يدها منها، وتم التعاطى معها من خلال دوائر أخرى ومظلات إقليمية ودولية لاعلاقة لها بالجامعة وحسبنا أن نذكر بالسودان والصومال والصحراء المغربية والإحتقان الجزائرى المغربى، حتى المشكلة المركزية للجامعة وهى الصراع العربى الإسرائيلى فإن إسهام الجامعة العربية فى حلحلته لن يتجاوز الرجاء وإنتظار الغيث من أطراف دولية تحى أو تجمد الحل وفق رؤى تخص مصالحها.

وسط كل هذه التعقيدات يصبح الحديث عن التدوير نوعا من الإستخفاف بالشعوب التى مازالت تعلق قليل أمل على هذه المؤسسة، منصب الأمين العام ودولة المقر لم يكونا عبئا على أحد بقدر ماهم هم ثقيل على مصر التى وضعها المقر بين مشنقة الدور والقيادة ومقصلة مصالحها الداخلية وإرتباطها بمحيط خارجى فى حالة تنافر مع طروحات الجامعة، وهو دور إرتضته مصر الناصرية، وتعاملت معه بواقعية مفرطة مصر الساداتية، وتئن تحت جسامته مصر مبارك، وقد أن الأوان لمصر أن تتعامل بنفس الواقعية الساداتية مع الجامعة، إن مسألة أن مصر محكوم عليها بالقيادة والدور لن تفهمها الأجيال القادمة، ونحن لم نسمع فى أوربا مثلا أن بلجيكا هى القلب الكبير أو فرنسا أم الثورة الفرنسية هى القائدة، ينبغى أن يتذواب الجميع فى كيان يحدد الدور والمسئولية والهدف وليكن المقر على نيل القاهرة أو ساحل وهران وليكن الأمين العام من مصر أو من جزر القمر ليس هذا هو الداء، ربما كان العرض. إننى أقبل بأمين عام من شيلى تتعاقد معة جامعة الدول العربية كما تتعاقد أندية كرة القدم مع مدربين، بعد أن تكون قد أجابت على الأسئلة الصعبة وحددت الوسيلة والهدف واللغة، بعد أن تكون قد إنتقلت من طور النادى الإجتماعى البدوى الى المؤسسة، بعد أن تكون قد عالجت المرض وليس العرض وأعلنت للشعوب العربية عن المكان الذى يقع به هذا الكيان الذى يملأ صفحات الكتب المدرسية والمسمى بالوطن العربى، حينها لن نكون بحاجة الى تخريجات السيد بلخادم ولن نكون بحاجة لسؤال موسى..!!

[email protected] كاتب من مصر