أضواء حول ما نشره موقع المؤتمر الوطني العراقي عن وثائق مخابراتية باعتبارها حججاً ثابتة!!

انسجاماً مع الأوضاع البالغة التعقيد التي تمر بها بلاد الرافدين اليوم، حيث الدم والدمار والاثم والجريمة المباحة علناً مع سبق الاصرار، يجيء تهريج الحملة الانتخابية لبعض القوى والاحزاب والشخصيات السياسية التي اعتبرت نفسها حتى الأمس القريب، البديل الحضاري من النظام الشمولي الارهابي السابق.
وبدلاً من زرع الورود، والامتناع عن نشر السموم والمساهمة في وقف حمامات الدم الفوارة، نشر موقع المؤتمر الوطني العراقي الذي يتزعمه د. احمد الجلبي، وبدوافع ومصالح ذاتية وشخصية ليس إلا، يوم أمس، وثائق مخابراتية باعتبارها سبقاً "صحفياً" لا يضاهى، وهي في حقيقتها محاولة رد غير مباشر على تصريحات السيد حازم الشعلان، بعد حملات الاتهامات العلنية التي شهدها الاسبوع الماضي بينه والسيد الجلبي.
وقد وردت ضمن تلك الوثائق المخابراتية أسماء لشخصيات وسياسيين عراقيين معروفين، وغيرهم، ومن بينها اسم كاتب هذا التعقيب، وعلى انها "محطات" و "مصادر" معلوماتية حددها رجال المخابرات البعثية السابقة، واعتبرت "دقيقة" و "مستمسك اتهام"، سرعان ما طبل لها بعض طالبي السمعة والجاه والموقع، وزمروا لها، وقد يرقصون على ايقاعها لاحقاً.
وإذ لا يصح العتاب – دع عنك الادانة والرثاء – لمثل هذه الشعبوية والتهريجات السياسية والانتخابية، لمن نشر تلك الوثائق المخابراتية، أو لمن صدقها على عواهنها بحكم مستوى وعيه، إذ لا يصح ذلك لأولئك، فان كل العتاب والادانة والرثاء يجب ان يكال لمن أوعز بنشرها، والترويج لها، وسعى – بلحظة غضب او تساوم أو غير ذلك. فالمعني بهذا الامر ليس الصناع والمرتزقة وأشباههم، وإنما أرباب العمل ودافعو الأجور من مقاولين ومتعهدين سياسيين رئيسين أو ثانويين.
ولاشك في ان وثائق أخرى يمكن ان تطال كل أولئك الذين أوعزوا بنشر ذلك "السبق الصحفي"، وحينذاك سيتطلب الواقع تصديق كل ما قيل ويقال اعتماداً على "وثائق" و "معلومات" لا حصر لها... واللبيب تكفيه الاشارة!!
وبرغم ان المساحة لا تتسع للسجال مع طالبي الجاه والاسم والموقع الوطني انتحالاً، مع مقابليهم، أقول أن اللجوء للوثائق التاريخية، وليس المخابراتية، وللواقعية والاخلاص، وليس للشعبوية والاتجار، وللحرص على العام، وليس للمصالح الذاتية والآنية، كل ذلك، وغيره كثير، كفيل بان يفرز الوطني عن غيره، والمخلص عن السياسي قابض الأجر، والغبي عن الذكيّ، وصاحب الوجاهة عن مدعيها، وصاحب الاسم عن الساعي إليه دون جدوى.
ولعله محق من يقول، وماذا بعدُ؟ وأين الغث من السمين وراء هذه الديباجة المسهبة؟ أقول أن الوثائق المخابراتية ذات العلاقة هي واقع فعلي في عمومها من وجهة نظر كاتبيها، ومعديها وأهدافهم وتوجهاتهم! ولكنها من الجانب الآخر بائسة في حقيقتها، ولا أشك بأن ذلك ليس معروفاً أيضاً لمن أوعزوا بنشرها، وليس لناشريها، وهم معذورون في تنفيذ الأوامر طلباً للمعيشة أو للعلى، وإن كان خازوقا!!
وبخصوص صاحب هذه السطور الذي ورد اسمه ضمن تلك "الوثائق" الى جانب أسماء عديدة أخرى لاتُبزُّ وطنية أو نضالاً أو موقعاً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً وفكرياً (طيلة عقود وليس عن حداثة وجاهة ونعمة)، أقول ان لقائين قد تمّا فعلاً في براغ مع "ممثلين عن الدائرة السياسية في وزارة الخارجية حسب تعريفهم لأنفسهم، قدموا من بغداد للقاء مع شخصيات وطنية "لأهميتها" واستمزاج رأيها في واقع وآفاق العراق. وقد التقيت بهم، بكل ثقة بالنفس، لا في الظلمات والأماكن السرية المفتعلة، بل في مكاتب مؤسستي الاعلامية التي استضافت، وزارها عشرات المسؤولين والسفراء والدبلوماسيين والسياسيين والمثقفين، العراقيين والعرب والأجانب والتشيك، ومنذ عام 1990، تاريخ بدء نشاط المؤسسة الاعلامي والثقافي والتوثيقي.
وإذ استمعتُ في تينك اللقائين الى وجهات نظر "مبعوثي وزارة الخارجية العراقية"، أسمعتهم وجهة نظري، سياسياً واعلامياً عراقياً، ورئيس تحرير مؤسسة "بابيلون" للاعلام، ورئيس مركز "الجواهري" الثقافي. وقد عرفوا هم قدرهم، مثلما أعرف ذلك من جهتي. ولا أريد هنا المزايدة في مزاعم لا يحتاجها إلا ذوو الجاه الطارئ، والموقع المفاجئ، والمكانة التي لم تثبت بعد، ذلك ان "جرى التمكن من تثبيتها" أصلاً.
وبهذا السياق لابدّ من التأكيد بأن أولئك "الزوار" قد ترجّوا وبادروا الى اللقاء، وفي ذلك فرق عن "بعض" كثير توسطوا، وتوسلوا للقاءات مشابهة مع هؤلاء "الزوار" بل وحتى مع مرؤوسيهم، ولكن دون جدوى!!
وفي حينها أيضاً، تلقيت ملاحظات محبين، وانتقادات مدعين، واتهامات بائسين، حول ذلك الأمر، وأعني به أمر استقبال القادمين العراقيين من بغداد خصيصاً، بدعوى أهمية تبادل الآراء ومناقشة "توجهات النظام الحاكم" في حينها التي زُعم فيها الرغبة بالانفتاح على القوى والشخصيات السياسية "غير العميلة"!! وخاصة ما يتعلق بموضوعات "الحصار" والتوافق الوطني التي كان لهم رأي فيها، ولي رأيي الخاص بشأنها.
وعلى أية حال أعود لعنوان هذا التوضيح فأقول بان محاولة اعتماد التشهير، والتجاوز، واختلاق المواقف، واعتماد "الوثائق" وان كانت مخابراتية، ليست أسلوب الواثقين من أنفسهم، ولا تعني قدرة على تمكين الصغار من "الكبر" الزائف "ويكاد المريب يقول خذوني" كما قال الأسلاف، وفي الذاكرة، والأرشيف خزين من المعلومات والحقائق التي "تعلّم بأن فاقد الشيء لا يعطيه"، "وان من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس - وأي ناس! – بالحجارة".
براغ في 20/1/2005

* رئيس تحرير "بابيلون" للاعلام
رئيس مركز "الجواهري" الثقافي
www.jawahiri.com