قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

للشاعر الإيروسي الفرنسي بيير لويس ( 1870- 1925)

nbsp;

ترجمة وتقديم عبدالقادر الجنابي: كتاب "أغاني بيليتيس"، المشهور شهرة الكتب المقدسة، يعتبر واحدا من اعظم إنجازات قصيدة النثر الفرنسية. عندما طبع سنة 1895 قدمه الشاعر الفرنسي بيير لويس ( 1870- 1925) كترجمة أمينة لقصائد غير منشورة ألفتها امرأة تدعى بيليتيس، شاعرة يونانية من القرن السادس قبل المسيح، وأشعارها كانت محفورة على جدران قبر أكتشفه مؤخرا في قبرص العلامة الكبير غوستاف هايم.
رحبت به الأكاديميات المختصة بالتراث اليوناني كأكبر كشف أدبي. وبما أن الكتاب يتحدث عن هيام "بيليتيس" وغرامياتها مع عدد من النساء، شعر معظم القراء والمختصين أن الحلقة اليونانية قد تمت. ذلك مثلما هناك أفروديت إلهة للجمال، ها هي، أخيرا، بيليتيس إلهة للسحاق. غير أن عددا من الكتاب كاندريه جيد، بول فاليري وكلود ديبوسي كانوا على علم بأن القضية كلها خدعة : لا وجود لا لبيليتيس ولا لغوستاف هايم، وأن الكاتب الحقيقي لهذه "الأغاني" هو صديقهم الشاعر الشاب بيير لويس. ومع هذا فأن الأكاديميين أشادوا بالترجمة وبعضهم راح يضيف بعض المعلومات المتعلقة بحياة بيليتيس والبعض الآخر كتب رسالة الى بيير لويس معتبرا بيليتيس مثل الشاعر اليوناني الفينيقي الأصل ميلياغر موضحا " بيليتيس وميلياغر ليسا غريبين علي، إنهما من الآن صديقي الشخصيين"! والمثير في الأمر أن بيليتيس دخلت معجم الأعلام اليونانيين مع شكر للمكتشف هايم والمترجم المذهل لويس.
على أن خدعة كهذه لا تتم بسهولة وإنما تحتاج الى قدرات أسلوبية ومعرفة متبحرة بالأداب اليونانية واللاتينية، وتفهم حسي لمتطلبات جسد المرأة وأحاسيسه السرية. وبيير لويس رغم انه لم يبلغ الرابعة والعشرين عندما طبع "أغاني بيليتيس"، كان معروفا في الوسط الأدبي عبر أشعاره وبالأخص عبر ترجمته الفذة لأشعار ميلياغر، و"مشاهد من حياة السراري" للوسيان اليوناني، واشرف على مجلة " La Conque" التي قدمت جيد وفاليري. كما أنه صاحب أعمال فذة تتناول الجسد الأنثوي بالأخص من كل جوانبه اللذوية. فروايته "أفروديت" باتت ذائعة الصيت في اواخر القرن التاسع عشر.
وهو يكتب "أغاني بيليتيس"، كان في زيارة الى الجزائر فالتقى هناك بفتاة جزائرية اسمها مريم بنت علي، تعاشق معها، فألهمته، لصوغ ملامح بيليتيس، بدلعها الطفولي، لون عينيها، ضحكتها وشهوتها في حياة سريرية. كما أن الجزائر نفسها جعلتها يشعر وكأنه يعيش حياة اليونان الرعوية بطبيعتها، بحرها وخضرتها الدائمة.
استفاد بيير لويس في كتابة "أغاني بيليتيس" من نمطين أدبيين كانا شائعين في منتصف قرن فرنسا التاسع عشر: قصيدة النثر وإحياء الأدب القديم. غير أن تأثير قصيدة النثر واضح في الكتاب كل الوضوح. فلويس استخدم ببراعة النثر وإمكانياته الإيقاعية لخلق ما سماه بـ"سوناتات نثرية": شغل لغوي دقيق في اختيار الألفاظ وسيولة لغوية هائلة في منتهى البساطة، وتأطير الثيمة في كتلة عناصرها إيجاز، كثافة وجزاف.nbsp;nbsp;
لقد اخرج المصور الأميركي الشهير دافيد هاملتون "أغاني بيليتيس"، وانتج مئات الصور (التي باتت ملصقات في غرف المراهقات والمراهقين) لفتيات ونساء كنماذج لهذه الشاعرة - الإلهة التي ولدتnbsp; في رحم خيال بيير لويس، شاعر الموت والحب على حد عبارة أندريه بروتون: الذي هو عين خيال الحداثة الأوروبية المفعم بالشبق والتمرد على الأعراف، والذي لعب دورا بصياغة نظرة الكائن المعاصر الى الجسد وحق ممارسة حريته في فراش الحياة بملء الرغبة.
nbsp;

nbsp;

الصديقة المتغاضية

nbsp;

دامت العاصفة طوال اللّيل. سيلينيس ذات الشعر الجميل، جاءت لتهرب معي. بقيت خائفة من الطين. لقد ملأنا فراشي الصغير متعانقين واحدة إزاء الأخرى.
عندما تذهب بنتان إلى السّرير معاً، يبقى النّوم في الباب. "بيليتيس، قولي لي، قولي لي تُحبين مَن". كانت تدس برفق ساقها بين ساقي لمداعبتي.
وقالت بالقرب من فمي: "أعرف، يا بيليتيس، تُحبين مّن. اغلقي عينيك، أنا ليكاس."
أجبتُ وأنا ألامسها: ماذا، ألا أرى أنك فتاة؟ مزاحك ليس في المكان المناسب".
عادت تقول : "في الحقيقة، أناnbsp; ليكاس، إذا غلقت الأجفان. ها هما ذراعاه، ها هما يداه". وبرقة، في أعماق السكون، هلَّلتْ طيفي برؤيا منفردة.

nbsp;

اللقاء

nbsp;

أشبه بكنز، وجدتها في حقل مسيج بالآس، تلفها من الحلق إلى قدميها شَملةٌ صفراء أزرق التطريز.
ليس لديّ أيّ صديق، قالت لي، فأقرب مدينة على بعد أربعين فرسخ لذا أعيش وحيدة مع أمّي، وهي أرمل ودوماً حزينة. سأتبعكِ إذا رغبت.
اتبعك حتى بيتك. رغم أنه على الجانب الآخر من الجزيرة، وسوف أعيش في بيتك حتّى تطردينني. يدك رقيقة، عيناك زرقاوان.
فلنذهب! لا أحمل شيئاً معي سوى عشتار عاريةً تتدلّى من عقدي. سنضعها قرب عقدك، ونثوبها لكل ليلة وروداً.

nbsp;

أثداء مناسيديس

nbsp;

بعناية فتحت بيد ثوبها وعرضت لي ثديين ناعمين دافئين كما لو تقدم يمامتين حييتين للإلهة. احبيهما جيّداً، قالت لي، فأنا أحبهما جداً، إنهما حبيبان، أشبه بطفلين صغيرين. عندما أكون وحيدة أهتمُ بهما. ألعب معهما، أمتّعهما.
أغسلُهما بالحليب. أرش عليهما مسحوق الزهر. وشعري الناعم الذي يمسحهما جد عزيز على أطرافهما الصّغيرة. أداعبهما برعشة. أمددهما في الصوف ليناما.
وبما أنه سوف لن يكون لي أطفال أبداً، كوني، يا حبيبتي، رضيعاً لهما، بوّسيهما مكاني، بما أن فمي بعيد عنهما.


الغبش
nbsp;

تحت شرشف الصّوف الشّفّاف نندس، هي وأنا. حتّى رؤوسنا كانت محمية، والمصباح يضيء النسيج الذي فوقنا.
هكذا كنت أرى جسدها الحبيب في غامض النور. واحدةٌ قريبة من الأخرى، كنا أحراراً، أكثر حميمية، أكثر عرياً. "في نفس القميص"، كانت تقول.
أبقينا الشعر ملموماً حتى نكون مكشوفين أكثر، وفي فسحة الفراش الضيقة، كانا عطران نسائيان يتصاعدان من مبخرين طبيعيين.
لا أحد في الدنيا ولا حتى المصباح، رآنا تلك الليلة. أيتهما كانت العاشقة أو المعشوقة، هذا أمر لا يعرفه إلاّ هي وأنا. لكنّ الرّجال لن يعرفون أي شيء عنه.

nbsp;

الحبّ

nbsp;

وحسرتاه! ما إن أفكّرُ بها، حتى يجفُّ بلعومي، وينتكس رأسي، وتتصلب أثدائي حد الألم، فأرتعش وأبكي أثناء مشيي.
إذا أراها، قلبي يتوقّف، يداي ترتعشان، تتزلقان قدماي، تتصاعد حمرة أشبه بالجمر في خدي، صدغاي يدقان بنحو مؤلم.
إذا ألمسها، أُجَنُّ، تتصلب ذراعاي، تخور ركبتاي. أسقط أمامها، وأضطجع كامرأة حان موتها.
كل ما تقوله سيجرحني. حبها عذاب والمارة يسمعون شكواي... وحسرتاه! كيف يمكنني أن اسمّيها المحبوبة.nbsp;

nbsp;

nbsp;

الذكرى الممزقة
nbsp;

أتذكّر . . . (في أي ساعة من النهار، لم يقع نظري عليها؟) أتذكّر الطريقة التي كانت ترفع بها شعرها بأصابع ضعيفة جد شاحبة.
أتذكّر الليلة التي مررت فيها خدها على صدري، بنعومة، بحيث أبقاني الفرح يقظة، وفي اليوم التالي كان على وجهها أثر الحُلَيمة الدائرية.
أراها تمسك طاس الحليب وهي تنظر إلي بطارف العين مبتسمة. أراها مُبَودَرةً ومتجملة مشرعة عينيها أمام المرآة، وبإصبع تمس حمرة الشفاه.
وبالأخص إذا كان يأسي تعذيباً متواصلاً، فإني أعرف، لحظة فلحظة، كيف تسقط في ذراع الأخرى، وما تطلبه وما تعطيه.