الشباب والبرتقالة:
الأجساد عندما تتفهكن
| علاء سعد .. مطرب البرتقالة |
حسن المصطفى:
بطبيعة حالهم ترى الشباب مندفعين تجاه أي جديد بغية كسر الروتين والشعور بحال من الحيوية والنشاط تدبُ في حيواتهم. لأن البقاء على القديم مهما كان جميلا معناه السكون في الماضي، والعيش ضمن نسقية ووتيرة واحدة لا تتغير. ولذا حضر التجديد هنا كلازمة من لوازم الشعور بالحياة، ولازمة يطمئن الشاب من خلالها نفسه بقدرته على البقاء. الجديد والانبهار، بل والتماهي مع نموذجه حد التطابق يبرز بشكل فاقع في قضايا مثل اللباس، والموضة، والزينة، والإكسسوارات، والموبايلات، وأجهزة الكمبيوتر النقالة، وصولا إلى الأغنية "الشبابية"، والتي تؤسس إلى لازمة ثقافية تشكل دالة على حال معينة، ووضع نفسي ومزاجي يعيشه الشاب، يمكن من خلالها أن تقرأ بواطنه.هذه الأغنية الشبابية ترسخت عبر الفيديو كليب، وأول ما بدأ الفيديو كليب يثبت حضوره كثقافة حية لا يمكن تجاهلها والإستخفاف بقدرتها على التأثير كان مع نانسي عجرم في أغنيتها "أخاصمك آه". وهي الأغنية التي شكلت منعطفا حقيقيا في مسار الفيديو كليب، رغم أسبقية الكثير من الأغنيات عليها.
ليس المهم هنا تحليل الصورة وفنيتها، بل الأهم هنا هو ثقافة هذه الصورة، والرسائل المرسلة من خلالها، وتلقيها من جيل الشباب.
في أغنيته الأخيرة "البرتقالة" حاول المطرب العراقي علاء سعد أن يلعب لعبته من خلال مكنونات الخطاب المضمر للأغنية، معتمدا على عدة عناصر ابتنى من خلالها حضورا واسعا بذكاء المغني اللماح الذي يعرف من أين "تُؤكل الكتف".
الجو جو عراقي تام، سياسيا، وإنسانيا، وجهاديا، وثقافيا. وصورة وأخبار العراق تطغى على سائر الصور والأخبار. والجميع عربيا، وبالأخص خليجيا معني بالحدث العراقي، وكل ما يصدر عن ومن العراق. وضمن مناخ كهذا يمكن الإصطياد بشكل سهل، وبإمكان أي طائر أن يحلق، وأي مجربٍ أن ينجح مهما كانت إمكانياته متواضعة وأولية.
هذا المناخ جير لصالح الأغنية، وطُعم بكلمات تتواشج والحس الشبابي العام، المهيئلاستقبال هذا المسج، بل والمنتظر له، بغية إكتشاف عالم جديد لم يجربه، فهو كان محجوبا عنه لسنوات مضت.
ففترتي حربي الخليج الأولى والثانية، وما تبعهما من حصار إستمر إلى أن أُسقط النظام العراقي البائد، جعل الصورة العراقية غائبة عن هذا الجيل الجديد من الشباب، بالرغم من سماعه الكثير عن العراق ممن سبقه. ويتردد كثيرا في الخليج المثل الشهير "اللي ما شاف البصرة، يموت حسرة"، وحديث الممثل الكويتي عبد الحسين عبد الرضا عن "القيمر البصراوي" حاضر في أذهان هذا الجيل بكل ما يحمل من دلالات حسية وجنسية. وقصص الجيل القديم عن مغامراتهم الحسية مع الصبايا العراقيات في البصرة وشط العرب وبغداد، كل هذه الحكايا ماثلة في الذاكرة، محفزة على التجريب، منتظرة ساعة يحين لها ذلك. من هنا لاحظنا إقبال كثيرين من الشباب الخليجي على التعامل مع بنات الهوى العراقيات، ممن يمارسن هذه المهنة في بعض الدول الخليجية، ما زاد من قيمتهن، وجعل لهن الأولوية على سواهن من باقي بنات الهوى من جنسيات مختلفة، وكل ذلك عائد إلى جدتهن على الشباب الخليجي فـ"كل جديد مرغوب".
العراقيات كصبايا معروفات بأجسادهن البضة، تلك الأجساد اللواتي طالما تغزل وأعجب فيهن المستشرقون ومن قبلهم العرب الأوائل. الأجساد العربية الأصيلة، المكتنزة...النهود البارزة، والأرداف الممتلئة...وبعبارة موجزة أجساد تلبي رغبة الشباب الخليجي، وتتوافق مع رؤيته للمرأة، تلك الرؤية الحسية القائمة على الخيال البدوي الفحل، الممجد لهكذا أجساد، والكاره لكل ما هو هزيل وصغير ودقيق. من هنا جاءت إستعارة "البرتقالة" كمفردة تحيل على هذه الصفات. فالبرتقالة فاكهة ممتلئة مستديرة، تحوي في داخلها كمية كبيرة من الماء واللب، يمكنك تناولها من أي جهة أردت.
البرتقالة في الثقافة الشعبية الخليجية تحضر بإستمرار، كطعام يومي يتم تناوله بعد الغذاء الدسم. بعد وجبة من اللحم أو الكبسة الخليجية. وهي تعمل كهاضم لهذا الدسم، ومريح للمعدة من عبء الطعام الثقيل. وهي ليست على نوع واحد، بل عدة أنواع، أشهرها ما يعرف ببرتقال "أبو صرة"، والذي يحتوي على ما يشبه "السرة"، ولك أن تربط بين سرة الصبية كموضع حسي هام يتلذذ به الرجل، وسرة البرتقاله كموضع محبذ يبدأ أكل البرتقالة منه.
هذه الإستعارة للفاكهة للدلالة على الأنثى ليست أمرا مبتدعا، بل موغلة في القدم في التراث العربي، ولا يخلو عضو من أعضاء جسد الإنسان لم يشبه بنوع من الفاكهة أو الخضار. فالنهدين رمانتان صغيرتان، والشفاه كالعُناب....وبذلك يتحول الجسد الأنثوي لسلة من الفواكه يتلذذ بها الرجل كيف شاء.
الفكهنة للجسد متعاضدة مع العوامل السابقة وما إلى الفيديو كليب من حضور طاغٍ، كل ذلك جعل الشباب في الخليج يتلقون أغنية "البرتقالة" تلقي الظمآن للماء. ولا ننسى أن المخرج كان ذكيا عندما لبنن الفيديو كليب عبر تطعيمه بصبايا جميلات يتمايلن بأجسادهن رقصا، في رقصات "زار" خليجية ستكون أكثر تأثيرا على الشباب الخليجي مما لو كانت رقصات على الطريقة اللبنانية أو الغربية.
البرتقالة كانت هي البداية لسلة من الفواكه الأنثوية التي ستجد حضورا مباشرا لدى الشباب الخليجي، وستحقق نجاحا كبيرا طالما ظل هذا الشباب يتعامل مع الأنثى تعامله مع مائدة الطعام، التي ما أن ينتهي من طبق فيها حتى يبدأ في الآخر.




التعليقات