قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ترجمة وتقديم: محمد الأمين

انبثقت بوادر التجديد في الشعر الفارسي في مستهل القرن الفائت بعد جملة من التغييرات الجذرية التي طرأت على الحركة الثقافية الايرانية في مجالي المسرح والرواية تحديدا، ففي المسرح تم اخراج العديد من المسرحيات العالمية الشهيرة ذات المضامين الاجتماعية والفكرية، فيما ساهمت ترجمة روائع الروايات الفرنسية والانكليزية والروسية بضخ روح جديدة في النثر الفارسي مما جعلت ينفتح على قاموس الحياة اليومية، كما لعبت الصحافة دورا بالغ الاثر في تشذيب اللغة الفارسية من عبء الكليشيهات التي طغت على الأدب الفارسي منذ أفول المدرسة الاصفهانية في نهايات القرن السابع عشر ميلادي. فكانت النقلة النوعية الأولى في مضامين الشعر الفارسي على يد مجموعة من الشعراء الصحفيين؛ شعراء انتموا الى اتجاهات سياسية وتيارات فكرية مختلفة وكان العديد منهم يترأس تحرير الصحف اليومية والاسبوعية كمحمد تقي بهار(1886-1951) صاحب صحيفة "نوبهار" وأبو القاسم لاهوتي محرر صحيفة "بيستون" وكان شاعرا ثوريا أغتيل في شبابه وأديب بيشاوري (1842-1931)وأيرج ميرزا جلال الممالك (1874-1925) وعارف قزويني (1838-1929)وميرزادة عشقي (1893-1924) وهم شعراء إتسمت قصائدهم بالنفس الثوري الرومانسي، أما على صعيد التقنية فلم يساهم هؤلاء الشعراء المنخرطون في النضال السياسي بتقديم رؤية جديدة أو شكل جديد، غير أننا لانستطيع انكار دورهم في وضع حد ونهاية للقصيدة التقليدية وإبداع قصيدة ناضلت معهم من أجل تحقيق مكاسب اجتماعية، وان لم تخل من مسحة الحزن الرومانسي الذي يبلغ أحيانا حد النرجسية، لقد مهّد هؤلاء الشعراء (وشعراء آخرون بادروا بكسر الأوزان الشعرية والتمرد على ثوابت القصيدة الكلاسيكية كتقي رفعت وجعفر خامنئي وشمس كسمائي وأبوالقاسم الهامي) الطريق للثورة التي سيطلقها علي اسفندياري الملّقب بنيما يوشيج (1897-1960) رائد الشعر الفارسي المعاصر بلا منازع. فبعد قراءات معمّقة للشعر الفارسي الكلاسيكي وشعراء المدرسة الخراسانية بشكل خاص، وهي المدرسة المهتمة بتوظيف الأسطورة والنفس الملحمي وأعتماد لغة فخمة، زاوج نيما يوشيج تجربته الشعرية (وبحكم تضلعه باللغة الفرنسية التي درسها في مدرسة سان لوئيس بطهران ) بما نهله من الشعر الفرنسي الرومانسي.
ويرى بعض النقاد أن تجربة هذا الشاعر لم يكن ليحالفها النجاح لولا مزاوجته بين الرومانسية الكلاسيكية الفارسية المتمثلة بنتاج "المدرسة العراقية" وعلى رأسها حافظ الشيرازي والرومانسية الكلاسيكية الفرنسية وقد بدأ الشاعر هذه التجربة الثرية مع قصيدته الشهيرة "القصة الشاحبة" إذ قدّم مضامين انسانية لاتخلو من عبق الرومانسية الكلاسيكية الفارسية مطعمة بفضاء الحرية المستمد من التجربة الفرنسية، وقد أشار نيما يوشيج شخصيا في تنظيراته وكتاباته النقدية ان الدخول الى عالم الحداثة لايمكن أن يتم دون المرور بالمرحلة الرومانسية.

بريشة صادق هدايات

وبالرغم من الرفض التام الذي واجهته قصائده الاولى من قبل أنصار الشعر الكلاسيكي، الا أن الوسط الأدبي سرعان ما احتفى بملحته " الأسطورة" والتي أشار بعض النقاد الى تأثرها الكبير بالموشحات الأندلسية كذلك بقصيدته "أيها الليل" وقصائد اخرى هجر فيها الرومانسية والتأرجح بين النفس الكلاسيكي والمعاصر، وأرتكز على واقعية حادة لم يألفها الشعر الفارسي من قبل ويُستشف منها وعي عميق بالزمان والمكان واللغة والمجتمع، قصائد بوأته مكانة مرموقة كشاعر معاصر تعتمد رؤيته الشعرية على الموضوعات الاجتماعية والطابع القصصي وخلخلة التتابع السائد لنظام التفعيلة بالاعتماد على الايقاع الداخلي. وبسبب الاختناق السياسي الذي شهدته البلاد بعد انتهاء الفسحة الديمقراطية
1942-1947 انتهج نيما يوشيج الرمزية في قصائده وتوظيف حكايات ذات مداليل رمزية ككليلة ودمنة وقصص مستوحاة من الأدب الفارسي الكلاسيكي. كما كتب قصائد عديدة اتسمت بالذهنية المفرطة.
من نيما يوشيج الى الجيل الشعري الذي تلاه وواصل مسيرته ممثلا بأحمد شاملو ومهدي أخوان ثالث وفريدون مشيري ومنوجهر آتشي ونصرت رحماني ونادر نادربور ورضا براهني ومحمد حقوقي وسهراب سبهري ومحمد علي سبانلو وفروغ فرخزاد وآخرين نادرا ما نلحظ غياب صدى الواقع الاجتماعي في الشعرية الفارسية (باستثناء الشاعر سهراب سبهري) وقد أفرط بعض شعراء هذا الجيل في محاكاة الواقع الاجتماعي الى أن أنهك القصيدة بتقريرية مملة. وبالرغم من الجهود المضنية التي بذلها الشاعر أحمد شاملو من أجل مسار شعري مغاير للنموذج النيمائي، إلا أن عوامل عديدة حالت دون نجاح هذا المشروع لعل في مقدمتها إرتكاز قصيدة شاملو على المضامين السياسية تارة وعلى موضوعة
الحب التقليدية تارة أخرى. كما شهدت فترة الخمسينات جدلا حادا وردود فعل عنيفة تجاه القصائد النثرية التي نشرها هوشنك ايراني في مجلة "الديك الحربي" تحت تأثير السريالية بعد عودته من فرنسا، أما المحاولات الأكثر أهمية في ترسيخ مكانة لقصيدة النثر فقد جاءت مع جماعة "الموجة الجديدة " التي ثارت في ستينات القرن الماضي وأرست مناخات جديدة في الشعرية الفارسية، ومن أبرز رموزها الشاعر أحمد رضا أحمدي الذي تتسم قصائده بمهارة عالية في المزج بين الفكرة والصورة الحسية واعتماد الذائقة البصرية عبر تداعيات ذهنية تمنح المخيلة فضاء شاسعا لتفصح عن رغبة عميقة في الهروب من الواقع أو التعالي عليه رغم توظيف مفرداته. والشاعر يد الله رؤيائي الذي اهتم في منجزه الشعري بتفجير اللغة وإثراء المفردة بمداليل جديدة.
في الستينات ايضا فاجأت الشاعرة فروغ فرخزاد الوسط الأدبي بقصائدها ذات النبرة الاحتجاجية المتحدية لكل القيم الاجتماعية السائدة. وتشكل مجموعتها الشعرية "ولادة اخرى" علامة مشرقة في الشعر الفارسي المعاصر. وقد شهد عقد السبعينات إعادة قراءة للموروث الشعري الفارسي الذي يمتد قرابة الألف عام كما كان للجهد النقدي المنفتح على المناهج الفكرية والنقدية الغربية دور بالغ الأهمية في رفد حركة التحديث التي أستطاعت ان تقطع شوطا مهما في التحرر من هيمنة التيارات الثقافية الايديولوجية. ومع الثمانينات تم إعادة الاعتبار للشاعر سهراب سبهري الذي ركّزت تجربته الشعرية على البعد التأملي وتوظيف المناخ العرفاني في القصيدة الحديثة بعد أن همّشه الوسط النقدي ولسنوات طويله بسبب إهماله لواقع الاجتماعي، كما شهدت هذه الفترة لجوء العديد من الشعراء الى القوالب الشعرية الكلاسيكية وعودة قصيرة الأمد للشعر الملحمي فرضتها أجواء حرب الخليج الفارسي الأولى، كما ساهم الشعراء الافغان المقيمون في ايران بتجديد الغزل كشكل شعري قادر على استيعاب المضامين الجديدة.
منذ التسعينات والي يومنا هذا يشهد المشهد الشعري الفارسي سواء في ايران أو أفغانستان انفتاحا على اتجاهات متنوعة بتنوع المصادر الثقافية وتجارب مهمة مسكونة بهاجس التجريب وتقويض النمطيات ا لسائدة، أصوات شعرية همّها ابتداع جماليات جديدة وقصائد تحمل في طياتها مستويات عديدة من التواصل مع الذات والعالم.

علي اسفندياري (نيما يوشيج)

الناقوس*

في سكون الفجر
يشق الجرس الآسر للناقوس
ذرات التراب المبثوثة في الهواء
ويهدم، كل لحظة،
بأظافره الحادة
جدران الفجر الباردة.

كطائر سحب
تائه في فضاء مستنقعات نائية
يدوي صدى الناقوس ملتاعا في الأفق
في زحمة أفكار يخلقها ذات الرنين
ترن ترن
كيف لهذا الجرس أن يتلاشى أو يصمد
وقد أضحى ظلا راعشا فوق صفحة الماء؟!

منه ينفرط عقد آلاف الأحداث
والنائم لم ينفض غبار النوم عن عينيه
ماذا جرى؟
لا نائم يغط في نومه
لماذا أصاب الكساد أسواق الناس. .
والألم قلب الفلاحين البؤساء. .
أم أن النيران قد التهمت بيوت الراحلين؟
هل ثمة عدو سفاح في طريقه الى المدينة. .
أم أنه الصبح
- بابتسامة على الشفتين -
قد انبثق من قلب هذا الليل المدلهم؟
(من يصيبه الهلع سوف يبكي في الطريق)
أم أن ليلا هرب من باب الصبح
متجها نحو صحراء شاسعة؟!
مقطع من قصيدة مطولة

أحمد شاملو

مطر

آنذاك، رأيت سيدة حبي المغرورة
تفكر علي عتبة مغطاة بالنيلوفر
بسماء ماطرة

آنذاك رأيت سيدة حبي المغرورة
علي عتبة المطر المكتظة بالنيلوفر
وقد اجتاحت قميصها ريح مرحة

آنذاك رأيت علي عتبة النيلوفر
سيدة المطر المغرورة
عائدة من سفر السماء الشاق

صرخة، ثم لا شيء

صرخة، ثم لا شئ
ذلك ان الأمل غير قادر على سحق رأس اليأس
علي بساط العشب رقدنا
مفعمين بيقين الحجر
علي بساط العشب، تعاضدنا بالحب وبيقين الحجر ذاته
وقد هيمنا على الحب
لكن بساط العشب ويقين الحجر ليسا سوي ترنيمة
ازاء قدرة اليأس
صرخة
ثم لا شيء

شاهدة قبر

ما من نشاط في الرحيل
ما من صمت في البقاء
لا قدرة للأغصان تمكنها من الانفصال عن الجذور
والريح المشاغبة
لم تسر للوريقات السر اللائق

صبية حبي
أم وحيدة

والنجمة اللألاءة
تدور في ممريائس
حول مدار أبدي.

أعمامكِ

لا من أجل الشمس، لا من أجل الملحمة
انما من أجل ظل سقفها الصغير
من أجل اغنية أصغر من كفيكِ
لا من أجل الغابات، لا من أجل البحر
من أجل قطرة اكثر نضارة من عينيك
لا من أجل الجدران، من أجل خيمة
لا من أجل البشرية، من أجل رضيع العدو، ربما
لا من أجل العالم، من أجل بيتك
من أجل يقينك الصغير
ذلك ان الانسان عالم شاسع.

من أجل الرغبة في أن اجاورك للحظة واحدة
من أجل كفيك الصغيرتين، في كفي الكبيرتين
وشفتي السميكتين علي وجنتيك البريئتين
من أجل سنونوة في الريح، اثناء هلهلتك
من أجل قطرة ندي تلامس وريقة اثناء غفوتك
من أجل بسمتك حين ترينني معك
من أجل انشودة واحدة
من أجل حكاية تسرد في اكثر الليالي بردا، عتمة
من أجل دماك، لا من أجل الناس الكبار
من أجل الطريق الصخرية التي توصلني اليك
لا من أجل الطرق النائية
من أجل بيوت النحل والنحلات الصغيرات
من أجل استغاثة غيمة بيضاء في سماء رحبة، هادئة من اجلك
من أجل كل شيء صغير طاهر وملقي علي الارض
تذكري أعمامكِ
وأخص مرتضى.

فروغ فرخزاد

ولادة اخرى

كل وجودي آية معتمة
يتكرر رحيلك فيها
وستقتادُك ذات يوم
نحو فجر الإنبثاق والنمو الأبديين
أني تأوهتكَ في هذه الآية: آه. . .
أني عضّدتك في هذه الآية، بالشجر والماء والنار.

الحياة ربما
شارع ممتد، تجتازه كل نهار، امرأة بزنبيلٍ خاوٍ
الحياة ربما، حبل يتدلى به رجل من غصن شجرة
الحياة ربما طفل عائد من المدرسة.

الحياة ربما، إشعال سيجارة في البرهة الرخوة بين ضجعتين
أو عبور مُواربٍ لمارٍ، يرفع قبعته
ليحيّي، بإبتسامةٍ باهتةٍ، ماراً آخر: " طاب صباحك ".
الحياة ربما تلك اللحظة الموصدة
إذ تبدذد نظرتي نفسها في بؤبؤي عينيك
أو في هذا الشعور الذي سأمزجه بإدراك القمر وإستيعاب العتمة.

في غرفة بحجم عزلة
قلبي الذي بحجم حب
يحدّق في دعاوى السعادة الساذجة
بالزوال الجميل لورود المزهرية
بالغسيل الذي غرسته في حديقتنا
بغناء الكناريات المزغردة بمقدار نافذة.

آه
هي ذي حصتي
هي ذي حصتي
حصتي سماء تنتزعها مني ستارة مسدلة
حصتي الهبوط من درجة سلّمٍ مهجورة
واللحاق بشيء قابع في التلاشي
حصتي دوران حزن ملوّنٍ في مزرعة الذكريات والغربة
والإحتضار في أسى نداءٍ يقول لي: " أحب يديكِ "

أزرع يديّ في الجنينة
سأخضّر، أعلم، أعلم، أعلم
وستضع النوارس بيوضها في حفر أناملي المطلية بالحبر
سأعلق على أذني قيراطاً من حبتي كرزٍ توأم
وسألصق أوراق وردة الكوكب على ضفائري
فثمة زقاق
ما زال فتيانه الذين أحبوني ذات يوم
بشعرهم المجعّد،
أعناقهم الرفيعة
وأقدامهم النحيفة
يفكرون بإبتسامة بريئة لفتاة إختطفتها الريح ذات ليلة.
سفر حجم في مسلك الزمان
وإخصاب خط الزمان الجاف بحجم آخر
حجم من صورة واعية
عائد من ضيافة مرآة
وهكذا ثمة من يموت
وثمة من يبقى

ما من صيّاد، قط، سيصطاد لؤلؤة من جدولٍ متواضع
يصب في حفرة.
أنا أعرف عروسة بحر تسكن الأوقيانوس
تعزف بتؤدة، قلبها في قصبة.
عروسة بحر حزينة تموت ليلاً بقُبلة
وحين الفجر، تعود إلى الحياة بقُبلة أخرى.

وردة حمراء

وردة حمراء
وردة حمراء
وردة حمراء
هو اقتادني الى مزرعة الورود الحمر
في الظلمة علق على جدائلي المضطربة وردة حمراء
ثم ضاجعني على وريقة وردة حمراء.

ايتها الحمائم الكسيحة
ايتها الاشجار اليائسة المقفرة التجارب
ايتها النوافذ العمياء
تحت قلبي،
بين حنايا خصري
ثمة وردة حمراء تنمو
حمراء كبيرق سامق يوم قيامة
اه، حبلى انا حبلى،
حبلى

فـوق التراب

لم آمل أبداً
أن أصبح نجمة في سراب السماء
أو كروح الأولياء
جليسة خامدة للملائكة
لم أنفصل عن الأرض
ولم أُصادق نجمة.
واقفة أنا على التراب
بجسدي الشبيه بساق نبتة
تمتص الهواء والنور والماء
كـي تحيا.
مُلقحة بالشهوة
ملقحة بالألم
واقفة على التراب
كي تمدحني النجوم
ويداعبني النسيم.

أنظرُ من نافذتي
لستُ سوى دوي أغنية.
لا أرغب إلا بصدى نجمة
في صراخ لذة
أنقى من صمت حزن ساذج.
لا أرغب عشاً
في جسدٍ هو الندى
فوق جسدي الزنبقة.

على جدار كوخي ـ الحياة
ترك المارة بخط العشق الأسود
ذكريات:
قلب مطعون بسهم
نقاطا صامتة باهتة
فوق أحرف جنون مبعثرة.

كلما لامست شفة شفتي
تشكلت نطفة نجمة
فلماذا أتمنى أن أصبح نجمة
في ليالي الجالس جوار نهر الذكريات؟.

هذه نغمتي
المحببة للقلب.
قبل الآن لم تكن
قبل الآن. .

ستأخذنا الريح

في ليلي القصير ياللأسى
للريح موعد مع وريقات الشجر
في ليلي القصير ثمة قلق من الخراب.

إصغ!
هل تسمع عصف الظلمة؟
اني احدق في هذه السعادة باستغراب
اني متآلفة مع يأسي
إصغ!
هل تسمع عصف الظلمة؟

في هذا الليل ثمة شئ يمر
القمر أحمر ومضطرب
وفوق السطح الآيل في كل لحظة
الغيوم كحشد مفجوع
تنتظر المطر.

هنيهة
ثم لاشئ
خلف هذه النافذة يرتجف الليل
والأرض تكاد تكف عن الدوران
خلف هذه النافذة
ثمة غريب
قلق علي وعليك.

ياذا القامة الخضراء
إشبك يديك الشبيهتين بذكرى ملتهبة
بيدي العاشقتين
ودع شفتيك
كشعور كوني دافئ –
تداعب شفتي العاشقتين

ستأخذنا الريح

ستأخذنا الريح

النافذة

نافذة لرؤية
نافذة للأصغاء
نافذة كفوهة بئر
تمس نهايتها قلب الأرض
وتشرع على هذا الحنان المكرر الأزرق.

نافذة واحدة تملأ أكف العزلة الرقيقة
ويمكن من هناك استضافة الشمس
في حفل غربة الشمعدانات
نافذة واحدة تكفيني.

قادمة أنا من ديار الدمى
من تحت ظلال شجيرات من ورق
في جنينة كتاب مصور
من الفصول الجافة لاختبارات الحب والصداقة العقيمة
في أزقة البراءة الترابية،
من سني نمو حروف الأبجدية الباهتة
خلف طاولات مدرسة مسلولة،
من اللحظة التي استطاع فيها الأطفال أن ينحتوا على السبورة مفردة حجر
إذ هجرت الزرازير شجرة شائخة.
قادمة أنا من زحمة جذور نباتات تمضغ اللحوم
ومازال دماغي يدوي
بحفيف موحش لفراشة
صلبوها في الدفتر بدبوس.

حينما كانت ثقتي مدلاة من حبل العدالة الناحل
حينما كانوا يقطعون في المدينة قلب قناديلي إربا إربا
حينما كانوا يعصبون عيني حبي الطفلتين
بمنديل القانون الداكن
حينما كانت نافورات الدم تنفجر من اصداغ أملي المضطربة
وحينما لم تعد حياتي سوى دقات ساعة جدارية
أدركت أن
أن
أن أعشق بجنون.

نافذة بلحظة صحو ورؤيا وصمت
والآن
فقد سمقت شجيرة الجوز
حتى صارت تترجم لاوراقها اليانعة معنى الجدار.

سل المرآة عن اسم منقذك
أليست الأرض الراجفة تحت قدميك أكثر عزلة منك؟!
حمل الرسل رسالة الدمار الى عصرنا،
أليست هذي الانفجارات المتتالية والغيوم المسمومة
دوي آيات مقدسة؟!
ياصاحبي
ياأخي
يابن دمي
حينما تصل القمر
دون تاريخ مجزرة الأزهار!

يسقط الحالمون دوما من علو سلم سذاجتهم ويموتون
اني أشم رائحة ورود الليلك النامية على قبر الافكار الهرمة
ترى هل كان شبابي تلك المرأة المتفسخة في كفن انتظارها وبراءتها؟
هل سأتسلق، ثانية سلم الفضول الشاهق
كي ألقي تحية على الإله المتمشي فوق سطح الدار؟
أشعر أن الوقت مضى
أشعر أن "اللحظة" هي حصتي من وريقات التاريخ
أشعر أن الطاولة فاصلة خادعة بين ضفائري وأيادي هذا الغريب الحزين
قل لي شيئا!
قل لي ماذا تروم منك من تهبك طراوة جسدها الريان
سوى إدراك الأحساس بالحياة؟!
قل لي شيئا
ففي ملجأ نافذتي لي صلة بالشمس.

مياه الصيف الخضراء

أكثر عزلة من وريقةٍ مهاجرة
أجدِّفُ بتأنٍ، مع زاد مباهجي المهجورة،
في مياه الصيف الخضراء،
تجاه مملكة الموت
أجدِّفُ، نحو ساحل الهموم الخريفية
مُنقادة لظل الحب الضحل
لظل سعادة هاربة
لظل العنفوان.

ليلاً إذ يتسكع نسيم حائر في سماء منخفضة كئيبة
إذ يعصف ضباب دامٍ في أزقة شرايين زرقاء
إذ تترنح عزلتي مع رعشات أرواحنا الوحيدة
يغور في دقات النبض، الإحساس بالكينونة
ذات الكينونة السقيمة.
ثمة سر يترصد المنحدرات
هذا ما نحتهُ- على أحجار مسنّنة- أولئك الذين زيّنوا بتضرعاتهم المريرة قمم الجبال.

في فلق الأيادي المُترعة
ثمة طمأنينة غير جوفاء
رائع هو صمت الخرائب
هذا ما رددته امرأة في مياه الصيف الخضراء
وكأنها تحيا في الخرائب ذاتها.
نحن نلوّث بأنفاسنا بعضنا البعض
نلوّث ذواتنا بتقوى السعادة تثير فينا الهلعَ أنغامُ المطر
ندهش حين تتوغل مزارع الشك
في بساتين قُبلاتنا
ونرتجف في قصر النور إثر فكرة الإنهيار.

أنتً هنا الآن.
مُشاعٌ كعبق الأكاسيا في أزقة الفجر
جاثم فوق صدري
ساخن في يدي
ملتهب مندهش في ضفائري المنفلتة مني
أنت، هنا، الآن.
شاسع، غامض، متراكم
مشوّش كصوت نهارٍ قصي
تنكمش وتنتشرُ في بؤبؤي عيني المضطربين.
ربما سيعزلونني عن الينبوع
ربما سيحصدونني من الغصن
ربما سيوصدونني، كما باب، بوجه اللحظات الآتية،
ربما لن أرى بعد الآن.

في أرض قاحلة ترعرنا، على أرض قاحلة سنهطل.

لقد رأيتُ اللاشيء في الطرق
ممتطياً حصانه الأصفر المجنّح
طاوياً الأرض كما ملِك.

يا للأسى، أننا سعيدان هانئان
يا للأسى، أننا كئيبان صامتان.

سعيدان لأننا نُحِب
كئيبان لأن الحب لعنة

لنؤمن ببداية فصل البرد

وهذه أنا
امرأة وحيدة
على عتبة فصل بارد
في ابتداء إدراك وجود الأرض الملوثة
ويأس السماء. . الساذج المهموم
الأيادي الأسمنتية وعجز هذه
مضى الزمان
مضى الزمان والساعة أربع مرات دقتْ
أربع مرات دقتْ
اليوم هو اليوم الأول من (دي) *
إني أعرف سر الفصول
وأفهم نطق اللحظات
المنقذ يرقد في الرمس
والتراب
التراب المسالم
شارة للهدوء.

مضى الزمان و الساعة أربع مرات دقتْ
تهب الريح. . . في الزقاق
تهب الريح. . . في الزقاق
وأنا أفكر بزمن تتلقح فيه الأزهار
بالبراعم الهزيلة المقفرة الدم
بهذا الزمن المتعب المسلول
ويمر رجل من بين الأشجار المبتلة
رجل تشبه فروع عروقه الزرقاء
الأفاعي الميتة النافرة من بين كتفيه
ويكرر بصدقية المتقلبين
ذاك التهجي الدامي
سلاماً
سلاماً
وأنا أفكر بزمن تتلقح فيه الأزهار.
على عتبة فصل بارد
في مآتم المرايا
في عزاء التجارب الباهتة
وهذا الغروب المثرى بالصمت
كيف يمكن أن نعطي لذلك الرجل
الصبور
الوقور
الحائر
أمر الوقوف ؟
كيف يمكن أن يقال للرجل أنه ليس بحيّ
وأنه لم يكن حياً في أي وقت مضى ؟

تهب الريح. . في الزقاق
غربان الانزواء المنفردة
تحوم في بساتين الكسل المسنة
وكم وضيع هو ارتفاع السلم.
إنها حملت معها كل سذاجة القلب
إلى قصر القصص
و الآن
كيف سينهض شخص واحد للرقص
ويرمي ضفيرة طفولته
في المياه الجارية
ويسحق تحت قدميه
التفاحة التي جناها وشمّها ؟

يا صاحبي، يا صاحبي الوحيد
يا لها من غيوم سوداء تنتظر يوم ضيافة الشمس
كأن في مسير من تجسدالطيران ظهر ذلك الطائر في يوم
كأنها كانت من خطوط الخيال الخضراء
تلك الأوراق اليانعة
المتنفسة في شهوة النسيم
كأن تلك الشعل البنفسجية المحترقة في الذهن
الصافي للنوافذ
لم تكن سوى تصور برئ للمصباح

تهب الريح في الزقاق
هذا بدء الانهيار
حتى يوم انهارت يداك
كانت الريح تهب
ايتها النجوم العزيزة
ايتها النجوم الورقية العزيزة
حينم يعصف الكذب في السماء
كيف يمكن آنذاك اللجوء الى سور الأنبياءالمهشمي الرؤوس؟
نحن كموتى منذ ألوف السنين
نلتقي ببعضنا لآخر
وستحكم الشمس حينذاك على تفسخ اجسادنا

اشعر بالبرد
اشعر، بالبرد وكأني لن اشعر، ابدا، بالدفء
ياصاحبي ياصاحبي الأوحد
ترى كم من السنين مضت على هذا الشراب؟
انظر:
اي وزن هنا للزمن
وكيف تمضغ الاسماك لحومي
فلماذا تحفظني دوما في قعر البحر؟

أشعر بالبرد ومشمئزة انا من اقراط الصدف
أشعر بالبرد وادرك
ان من بين جميع الأوهام الحمراء لزهرة شقائق وحشية
لن يبقى شئ
سوى قطرات من الدم.

سأهجر الخطوط
سأترك عد الارقام
وسألجأ من بين الاشكال الهندسية الضيقة
الى فضاءات حسية رحبة
عريانة انا
عريانة
عريانة
عريانة كالصمت في غمرة حديث الحب
وكل جراحي من العشق
من العشق من العشق من العشق
انقذت انا هذه الجزيرة الحائرة
من عنفوان المحيط
وتشظي الجبل كان سر ذلك الوجود المتناغم
إذولدت اشعة الشمس من اصغر ذراته.

سلاما أيها الليل البرئ
سلاما أيها الليل يامن تبدل أعين ذئاب الصحراء
الى حفر عظمية للايمان والثقة
وجوار روافدك تشم ارواح الصنوبرات
رائحة الفؤوس الرؤوفة.

قادمة أنا
من عالم مهمل للافكار والاحاديث والأصوات
من عالم يزفر بوقع خطى أقدام أناس
عندما يقبلونك
ينسجون في مخيلتهم حبل شنقك.

سلاما ايها الليل البرئ.

بين النافذة والرؤية
ثمة فاصلة
لماذا لم أنظر
كذاك الزمان الذي كان يمر فيه رجل من جنب الاشجار المبتلة
لماذا لم انظر؟
كأن أمي قد بكت في ذلك المساء
مساء بلغت فيه الألم وتشكلت النطفة
مساء غدوت فيه عروس سنابل الاكاسيا
وامتلأت اصفهان بدوي البلاط الازرق
وذاك الذي كان نصفي
عاد الى نطفتي
كنت أتامله في المرآة ناصعا وضاءا مثلها
ناداني فجأة
وصرت عروس سنابل الاكاسيا.

كأن امي قد بكت تلك الليلة
ياله من ضياء عابث تسلل الى المنفذ المغلق
لماذا لم أنظر؟
كل لحظات السعادة كانت تعلم ان يديك ستنهاران
وأنا لم انظر
الى ان فتحت نافذة الساعة
ودق الكناري الحزين أربع مرات
أربع مرات غنى
وصادفت إمراة صغيرة
ذات حدقتين شبيهتين باعشاش عنقاوات مهجورة
كانت تسير بفخذيها على نحو
كأنها تصطحب بكارة احلامي الهائلة
الى فراش الليل.

هل سأمشط ضفائري في الريح ثانية
هل سأزرع الجنينات بنفسج، مرة اخرى؟
هل سأنصب الشمعدانات في سماء، خلف نافذة؟
هل سأرقص ثانية فوق الكؤوس؟
هل سيقودني جرس الباب الى انتظار الصدى
مرة اخرى؟

قلت لأمي لقد قضي الامر
قلت هذا مايحدث قبيل ان تفكري
علينا ان ننشر مواساة في الصحف.

انسان خاو
انسان خاو، مترع بالثقة
! انظر
كيف تنشد أسنانه أثناء المضغ
وكيف تتفرس عيناه حينما تحدقان
وكيف كان يمر من جنب الاشجار المبتلة
صبورا
وقورا
حائرا.

في الساعة الرابعة
لحظة نفور شرايينه الزرقاء، كافاع ميتة
مكررة بصدغيه المنقلبين ذاك التهجي الدامي
سلاما
سلاما

ترى هل شممت، ذات مرة
تلك الجوريات الاربع الزرق؟

مضى الزمان
مضى الزمان وهوى الليل فوق أغصان أزهار الأكاسيا العارية

ينزلق الليل على زجاج النافذة
ويلفظ بلسانه البارد ذيول النهار الى أعماقه.

من أين آتية أنا
من أين آتية أنا
مضمخة هكذا برائحة الليل
مازال تراب مثواها طرياً
. أقصد مزار اليدين الخضراوين الشابتين
كم كنتَ عطوفاً يا صاحبي، يا صاحبي الأوحد
كم كنتَ حينما كنتَ تكذب
حينما كنت تغلق أحداق المرايا
وحينما تقتطف الثريات
من السيقان النحاسية
وكنتَ تصطحبني في الظلمة المستبدة إلى مرتع الحب
ليستقر ذاك البخار الدائخ المكمّل للهيب الظمأ
. علىأحراش النوم
وتلك النجوم الورقية
كانت تطوف حول اللانهايات.

لماذا قالوا للصوت، كلاماً
لماذا استضافوا النظر في بيت اللقاء
لماذا اقتادوا الحنان لحجب ضفائر البكارة؟
أنظر
كيف صلبتْ، هنا، علي أعمدة الوهم
روح من نطقت بالكلام
وعزفت بالنظر
وتخلّصت بالرأفة من شغب الموت
وكيف بقي على خدّها إثر أغصان كفك، الخمسة
الشبيهة بأحرف الحقيقة الخمسة.

ما الصمت. . ما الصمت. . ما الصمت يا صاحبي الأوحد؟
ما الصمت إلا أحاديث لم تقل
عاجزة أنا عن الكلام. . لكن لغة العصافير
لغة حياة الجُمل السارية لاحتفاء الطبيعة
لغة العصافير تعني: الربيع. . الأوراق. . الربيع
لغة العصافير تعني: النسيم. . الندى. . النسيم
لغة العصافير تموت في المصانع.

مَن هذه. . مَن هذه السائرة علي مسير الأبدية
صوب لحظة توحدٍ
من هذه التي تُملي ساعتها الأبدية
بمنطق الرياضيات ذي التفرقة والتفريق
من هذه التي لا تعتبر صياح الديكة
بداية قلب النهار
إنما بدء رائحة الإفطار
من هذه المتوجة بالعشق
المتفسخة بين فساتين العرائس؟

لن تسطع الشمس، إذن، في آن واحد
علي قُطبي اليأس
لقد فرغتَ من نداء البلاط الأزرق
ولكثرما مفعمة به أنا
تراهم يصلون على صوتي.

جثث سعيدة
جثث ضجرة
جثث صامتة متأصلة
جثث لطيفة، أنيقة، حسنة المأكل
في محطات الأوقات المقررة
في المدار القلق للأنوار المؤقتة
وشهوة شراء فواكه العبث الفاسدة
آه يا للأناس القلقين من الحوادث في التقاطعات
وهذا صوت صافرات الوقوف
في اللحظة التي يجب، يجب، يجب
رجلٌ يدهس تحت عجلات الزمن
رجلٌ يدهس تحت عجلات الزمن
رجل، كان يمر من جنب الأشجار المبتلة.

من أين آتية أنا؟

قلتُ لأمي: لقد انتهي قلتُ: يحدث دوماً قبيل ان تفكري
علينا أن ننشر مواساة في الصحف.

سلاما يا غربة العزلة
أسلمُكَ الغرفة
لان السحب الداكنة هي دائماً رسلُ آيات الطهارة الطرية
وفي استشهاد شمعةٍ،
ثمة سرّ منوّرٍ، تعرفه جيداً أطول وآخر شعلة

لنؤمن
لنؤمن ببداية فصل البرد
لنؤمن بخرائب بساتين التخيّل
بالمناجل المقلوبة العاطلة
وبالبذور الحبيسة
انظر، يا له من ثلج يهطل. . .

الحقيقة ربما، تلك اليدان اللتان دفنتا
تحت الهطول المتواصل للثلج
وفي سنة قادمة أخرى
حين يضطجع الربيع مع السماء وراء النافذة
سيفوران في جسدها
ستخضوضر االنوافير الخضر للسيقان الرشيقة
يا صاحبي. . يا صاحبي الأوحد
لنؤمن ببداية فصل البرد

*دي أو ديماه الشهر الأول من فصل الشتاء وفق التقويم الأيراني

سهراب سبهري

صداقة

كبيرة ومن أهل هذا العصر، كانت
ذات صلة بكل الآفاق الرحبة
ولكم كانت تفهم لحن الماء والأرض.
صوتها على شاكلة أشجان الواقع الهائج
وأهدابها دلتنا على مسار نبض العناصر
يدها ورقت هواء السخاء الزلال
والرأفة سيرتها نحونا.

كانت تشبه عزلتها
وكانت تفسر للمرآة أكثر انتشاءات وقتها حبا
كما المطر
كانت ملآنة بطراوة التكرار
كما شجرة
مترامية بين عافية النور
دائما تنادي طفولة الريح
وتعضد خيوط الكلام بالماء
ذات ليلة، أدت سجدة المحبة الخضراء على نحو من الصراحة
جعلنا نتلمس عاطفة التراب
وصرنا طازجين كترتيل دلو.

شهدناها كرارا تصطحب السلال لقطف عنقود بشارة واحد
لكن لم تجلس قط إزاء وضوح الطيور
لقد مضت نحو حافة العدم
ولم يخطر على بالها
كم صرنا وحيدين بين اضطراب الفاظ الأبواب
من أجل التهام تفاحة واحدة.

أحمد رضا أحمدي

لفرط عينيكِ

لفرط عينيك أستيقظ من النوم باكرا
ناكراً لغتي الأم.
إثرَ طيران الحمائم
تتدفأ الأغصان. . .
نحن ضيوف أغصان الصيف الدافئة.

للحقيقة فلأقل:
كنّا نتهامس تحت أغصان الأشجار
المرتجفة في الربيع. . .
الأشجار لا تسمعنا في الشتاء.
في حضورنا وحضور الأشجار العارية
كأنَّ ثمة غفلة تتوهج
على ضوئها كنّا نتدفأ، نتعرّى
ونحترق بعد هنيهة.

تحت الأغصان ذاتها
في ربيع مضى
كانت العروس بلا فكرة واضحة عن المستقبل
لذا إنتشر نثار الورود الميتة تحت الأغصان.
في تلك الأعوام،
في خرائب اللاشيء الأخضر. .
صارت الورود دموعاً
وكانت السماء زرقاء.

قرب أغصان ورود البيلسان
كان الحريق هائلاً على نحوٍ
أننا نادينا على بعضنا الآخر " أيها البستان! "
وأدركنا أن مفردة " ماء السنة " تعني البستان
كان الحريق هائلاً على نحوٍ
أن الأساطير جرفتنا
وأن براعم التوت البرّي صارت ثماراً.
كنّا واقفين إلى جواره حين شبَّ الحريق صيفاً
نستطيع الموت وقوفاً
لكنا صبرنا كي نجيب على أسئلتكم حول العروس
التي تداعت في الربيع
فإنسكب الزمن من أعيننا.
نظرنا، رأيناكم جميعاً في آخر الصيف
نعرفُ أنكم كائنات صاخبة، غير واقعية،
هرمينَ
وقورينَ
مغرورينً، كنتم.

أذكر ُامرأة مُسنِّةً
كانت تستفسرُ عن الحدّادين الذين رحلوا
مع ببغائها إلى البحر
ولم يخرجوا منه، قط

رأيتُ مشاعل النار.
موجزة كانت قامتي تحت أغصان الأشجار
جوار الحريق،
لكنها كافية كي أدرك أن الولهينَ يتبرعمون جوار الحرائق
أحببتهم حتى تبرعم الحريق بدوره.

كنّا نبحثً عن مبرّر لإدامة الحياة
قلتُ بإيجاز: سأعود ثانية، مرتدياً حذائي. .
أسترجعُ الجلابيب البيضاء من الخيّاط
أتأمل الولهين، مرة أخرى
أُؤمِّن الرؤيا لديهم
كي يدخروها في بيوتهم إلى فصلٍ آخر
هكذا دوّنتُ في مذكرتي يوم الحريق
الحريق الذي اضاء ملامح الإنسان الغارق
في البحر، وأيام العُطل،
وإذا صار الصمتُ بحراً محضاً
رأيتُ في تخومه جادة طاهرة
تبددتْ إثر تشظي الثمار في السلال
فذات يوم عطلةٍ
أضاع الجيران سلال الثمار
وكنتُ أعرف أن قلبي قد نأى كثيراً عن البيت.
كنا على دراية بهذا الوجع
دائماً يفد حديث الموت أثناء الليالي الناصعة
لذا كنا نغيبُ
لنهب الملابس البالية للبحر
ونقفُ منتظرين اللا أحد
وكأنّ الملابس ما زالت على أجسادنا.
لقد مرَّ قلبي المنفيُ بجوار حشدِ
يشيِّع التوابيت تحت مطر الربيع
وأنا المضمّخ بالورد والأسى
كنت أعرف لحظة الموت
أنا والموتُ ممتزجان بوجهكِ المطري. . .
أنتِ الجالسة تحت شمس. . .
أنتِ المحتجبة مع هطول المطر
بحثاً عنكِ، بلا مبالاة، قضينا النهار كله تحت المطر
كنّا نجتاز الجسر
طلبتُ منكِ أن تستضيفيني بمحبةٍ ولطف
فالجادةُ ممتدة،
وقد اضعتُ درب العودة
ومازال المطر يهطل في ذاكرتي.

حشد كبير مرَّ بجوار الحريق
حشد يكرر سؤاله الأبدي:
متى ستخمد نيران الحريق؟
متى ستعود سلّة البحر إلى بيتنا؟
وإذا كنّا نكرّر السؤال ذاته
كانوا يجيبوننا بآهة مقتضبة: كم فسيح هو الليل!
وكنّا نرّد:
جافة هي الأرض
ولا مطر!
على قارعة الطريق رأينا الحريق يشّبُ في مطلع كل فصل. . . كُنّا وما نزال

الخريف الكسول

الخريف الكسول كان جالساً
يطلي الوريقات باللون الأصفر
ولما اصفرّت الوريقات
ماتت العروس.

العريس يدرك الآن
لماذا تنمو الأعشاب تحت حوافر الفرس
وضعَ الوريقات في الخُرج
واتجه نحو الشتاء
مع بكائه وفرَسيهِ.

نزل الثلج
ليطلي لحيّة العريس بالأبيض.
هَرُم العريس
فيما طفولته كانت تناديه من بين أزهار اللبلاب:
ما زلتَ علي قيد الحياة،
لكن العريس لم يسمع نداء طفولته.

حينما جاء الربيع
اخضوضرت الوريقات الصُفر
تذكّر العريسُ العروسَ
راد ان يذهب الى الخريف
ليأتِ بها من هناك لمشاهدة الربيع
لكن فَرَسَه ذهبت نحو الصيف
لتشتري الدفء للشتاء

بيجن جلالي

عدمٌ شهي


1

متى سنحتفي بانتصار الكلام
ونطلق حمائم التراب في السماء؟
متى سنتحدث عن الشعر
ليتجلى لنا العالم كملاك؟

2
أنا وانت أشعلنا نارا
كي نرى أنفسنا من خلالها
لكن النار أحرقت عالمنا أيضا
هاجمتنا جيوش الأشباح
والدخان يدا بيد صعد الى السماء
الآن ياحبيبتي
نحن بلا عالم.


3

لن أتراجع عما قلته
فقط سأضيف:
كل ما قلتُه
كان من أجلك.


4
فجأة أُسميك
وأحادثك
ثم أحدق بيدي الممتلئتين بك
أتحسسُ جسدك في كل هامتي
أكثر سلاسة من صخب العالم
يعصفُ إسمك في رأسي
لكني أُسلمك للنسيان
كبستاني يهب الأزاهير لصمت الجنينة
ذلك أنني سأعود إليك ثانية
ومرة أخرى سأحدثك.

5
يبتدأ العالم من حيث أنتهي
حيث الجبال السامقة والأنهار الجارية
أبتدأ من حيث ينتهي العالم
حيث الجبال تواصل تطوافها
والأنهار الساكنة. .
في عدم شهي كهذا يتدفق من قلبي دم البراكين.

6

بالقصيدة نوقظ العالم
ثم نتأمل عينيه لحظة
ثم نخلد معه الى النوم.

7

أحيانا نقبضُ على القصيدة
مثلما يقبض غصن على طائر مُتعب.
8

كي ننسى ذواتنا
علينا أن نتذكر بعض المفردات
وأن نمضي برفقة العبلرة الى نهاية الكون
كي ننسى ذواتنا

سلمان هراتي

ابتهالات


ـ 1 ـ
الليل يسقط. . وأنا أنضج
أفتحُ فمي نحو السماء كالنيلوفر
اشتياقاً لهطول الندى
يا خالق الغيم والندى
هلاّ أنهيت ظمئي. .
أريد أن أرتوي بك.

ـ 2 ـ
أقفُ جوار الليل
أتأمل عباءة السماء الزرقاء
أتأمل نجوماً نُسجت بخيط النور
أسمعُ ترنم الأشجار:
ـ يا له من نسيم منعش
أنا لبُ برعمة
ستغدو كمثرى.

أقفُ جوار الليل
الليل مرتو بك
وأنا قاب قدمين
مبلل بالندى.

ـ 3 ـ
أحياناً، كزهرة قرنفل
تأتي من النافذة
وتجلس محل أشعاري
وأنا مجرد حتى من كلمة واحدة
عيناي طافحتان ببصيرة
هي ذروة تكامل عين.
يسألني جاري: ما هي الصفات الثبوتية؟
أقول مرة أخرى
يا لها من رائحة عطرة
ملأت هذا المكان.

ـ 4 ـ
أحياناً
تتجسد إلى حدٍ
يسجدُ فيه جبيني لغيمة،
أتأمل شجرة
وأتوقع العطف من الأحجار.
المطرُ يهطل على كتفي
فتغمرني البهجة.
أحياناً، تتجسد إلى حدٍ
أسمعُ فيه صوت انهيار أكتاف الشيطان الحجرية
ولا عجب أن أرى القمر
يحصد الريحان مع أطفال الجبال.

ـ 5 ـ
أمس،
كنت قريباً إلى حدٍ
تذوقت النافذة الملح من بهجتي.
كنتُ هائماً بك
نيلوفرة انبثقت من عنقي
وخرجت من النافذة.

ـ 6 ـ
ضياؤك كشلال
ينسكبُ من ارتفاعات المستحيل
يمتزج بضياء نافذة
تحتشد فيها سبع سماوات
لذلك تراني أغني في حدائق المستحيل
للأحجار الطائرة.

ـ 7 ـ
رحل الصيف الحافي عن ضفة النهر
هبط الخريف من الغابة مع المياه،
وعلى جسد التراب الندي
هيمن رقصُ الأوراق.
السماء تبدأ حيث أنت تكون
منك تبدأ الكواكب وحولك تطوف المجرّات
إنك تظهر حتى جوار نافذتي الصغيرة
وفي نفس الآن الذي تبكي فيه سمكة صغيرة
في قعر المحيط
ثمة طائر يرفرفُ في دفتري
إنك تسمعهما معاً.

صادق رحماني
كل شئ أزرق

ولادة الشعر

في أول نهار للشجرة
وهج ياإلهي
قلم رصاصي الجديد
بفورة الشعر!

لازورد

في شارع وليعصر*
جوار إسكافي لوزي العينين
أرى الى الواجهات
اذن هوذا الصباح
اسود وبرتقالي اصفر.
أيها الصديق
كم نأينا عن اللازورد

* أشهر شوارع العاصمة طهران أحد

صمت

الظلمات الماضية
الصباحات الجائية
مغروزة في الساعة الجدارية
يا صديق ليال مقفرة النيازك!
اشعل النهار! بعود ثقاب
يانجمة الملاك
انسني وأطفئني
لابد أن ننسى الليل.

تناسخ

هاأسير على مدارج اعوامي المرهقة
ماضيا نحو الزقاق
كانني لستُ من يتمشى في ملابسي الهرمة
بسمتي على شفتي غيري
وحزن الاخرين في زوايا بيتي.
ليتني،
عوضا عنهم
أغمض العين بوجه الغد،

رمانة

نصفها دمع
نصفها نار
تأمل الرمانة
كم هي فانوس!

قمر، أسود

فجأة
تصير عيناك المفاجئتان كالقمر
فيما تمتلئ بالسواد
دهشة عيني

أزرق، أسود

أزرق
هو الماء
زرقاء هي السماء
ازرق هو العالم
أزرق هو ألازرق
كل الاشياء هنا زرقاء
إلا
عيني السوداوين.

حمائم

حمائم نحن
كقمر السماء
كالموج
كانا الواقف على الارض.

حمائم نحن
وملتاعون دائما

عود ثقاب

الأصابع المتوهجة
غافية في مجمرة باردة
في شمس آذر الكسولة.
أشعر بالبرد
آه يا غرفة الأب الشتوية
هيئي لي عود ثقاب وحطب
الشهر الثالث من فصل الخريف حسب التقويم الايراني آذر هو

حافظية*
ربيعات.

طوبى للمدارج السادرة في حافظية
بؤسا لنا
نحن حجر.
.
مزار الشاعر الايراني الشهير حافظ الشيرازي.


الرجل الأخير

كنتُ الف رجل وكان لي ألف مرآة
اليوم لم يتبق مني سوى هذا الرجل الذي ترينه أمامك
إذن إما أن ان تتكلمي كي أغرق في طوفان شفتيك
كزورق في غمرة صخب ألأمواج الحزين
وإما ان تنهضي وتمسكي بيدي المتعبتين
الطافحتين بقُبل يديك
فلم يتبق مني سوى هذا الرجل المشرف هو الآخر على الإمحاء.


التفاحات المتساقطة كما التفاحات هذه

بعد حشود الازرق المحاذية للجسور
قاب عتبتين من ساقية اصطحبت شاراتك المتعبة
قرب حديقة منتصف الليل
كنت تقول كم نايتَ عن ليل كلداني منفرد
عن ام هندية تهيئ الحليب والبيض والموز
كي تستدر مطر السماء لنظرة جنين طرية
مازلت تقتفي إثر قدم النسيان
قرب خفين يحذرانك من تضرعات الطين البليلة
فيا لحزنك الشفيف.

قرب أزرار قميص الانثى
جوار هذي التفاحات التساقطة كما التفاحات
لصق أعناب ظهيرة لاهبة
كان بودك أن تتسكع فوق جسور شيراز الصلدة
أن تؤطر أحزان جنود من حجر
ان تقتسم معهم نعليك المهترئين وترحل. . .

مثلك
مشاعرك غريبة مثلك.

تيمور ترنج

ظلال الصمت

نمّيتُ نوافير الصرخة
رفعتُها فوق بيارق الربيع الملونة
لكنكَ لم تسمع.

من ظلال الصمت الى البيت
صحبتُ الأغاني الناقصة
لكنك لم تر.

اجلسُ الآن في مشرق الأنين
فيما سماء كئيبة
تمطرُ ليل ضفائرها اللامتناهي
على ارجوحة أحلامي العاطلة.

ضيافة

أيها القمر، ياقمري
حين تسلقتُ أهداب أسئلتي العالية
قاصدا مشهد بسماتك المفعم بالنشاط
كان لي قلب، يهب شاراتك نجوما للأرض
لكني هبطتُ مثلما تهبط الشمس من عليائها
درجة. . . درجة
في ضيافة موتاي جلستُ
ودفنتُ كل معنى جديد
بين دفتي كتاب مهترئ. .

واصف باختري

كارثة

من أجل مصير حبات الرمان المفجع
قلبي يلتهبُ كحطب في مجمرة
كل من طاول يده لأنقاذها من عذاب القشرة والحُجب
اعتصرها بقبضته حبة حبة
ثم إلتهمها مبتهجا.

شكيلا عزيز زادة

رؤيا

رويدا
رويدا
تاتي
سائرا على اطراف قدميك
لحظة تسمع الرؤيا وقع خطاك

. تسكرني عيناك
حينما تزحف كالقطة تحت لحافي
نائما او مستيقظا
. تقبل حرير نومي

في مسافة مد يديك حول عنقي
تغفو على وسادتي

بين الحلم واليقظة
لحظة اخلو من الرؤيا
امتلئ بك

فيروزه حافظيان

مظلة

نجمة تتبرعم على نافورة العشب
والقمر يرقص في المرصد.

رجل يتسكع في مجرة
وقطار ينقل مسافرين بلا رؤوس
على سكة حديدية من الالفية الخامسة

اريد مظلة فقط
كي أجتازهذه الظهيرة الماطرة التي تثير الكابة في القلب
آه
ثمة طائر تهجى مفردة الليل
والتحق بقطعة من القمر. . .

بنفشه حجازي

تأجيل

خريف.
لينقذ أحد الشمعدانات
ولأحبك
حين تتأرجحين وسط السماء
ستقرأين قطرات الماء ينابيع
أيتها الفتاة
لا تقولي ماهمني إن نضج التمر
أو نثر أحد ما بذور عباد الشمس كي يرى الشمس
كفي عن ضرب نفسك بالأرض ستكسرين موزائيك المطبخ
أعلم لو كنتُ مكانك
لبهتت ألوان أزاهيري إثر هذي النصائح
لكن علي أن أبقى إلى يوم غد
لأستلم راتبي الشهري
وأبتاع لك مايكفيك من الكلام
لأدعك تخطين في دفترك مائة مرة مفردة عشق
شريطة أن لاتخجلي
وأن ترضعي الفراشات من نهديك
وإن تهملي كل من يستهزأ بالحمى التي في عينيك

لكن لأصارحنك
أن وجع رأسي لاتشفيه صيدلية بأكملها
وأخشى أن لاأصل إلى الغد
فإن لن يحصل غدا فبعد غد
عليك أن تقولي إسم جسدك للينبوع
كي تنبت أجنحة للأرض
ويمطر هذا الكوكب شمعدانات حمر
أحبك
وبقية الكلام مؤجل إلى حين آخر.

غراناز موسوي

حواء صغيرة

عبثا تتسلقين السلم أيتها الفتاة اليافعة
يدك لن تلمس خد القمر
عبثا تصرخين
صوتك الرقيق سيعكر فقط أحلام العصافير.
ينبغي أن تعلمي
أن الغابة ليست من صنع اقلامك الملونة
وأن جنية البحرقد اضاعت مزمارها.
أنظري لا أحد يضع الكمادات على جبين القمر الملتهب
أو يردد له ترنيمة دافئة.
إلى أين تهربين؟
لقد نسج القدر ضفائرك
سيعيدونك
سيعيدونك.
عبثا تنمو أضلعك
ستتوهين في غمرة الأصداف
وعليك أن تنتظري تبرعم الصحراء
فهذه ليست بلاد الطفولة الفسيحة
حتى الغبار لا يتجاوز الأسلاك الشائكة.

غيتي خوشدل

أيها الموت

يرنُ غناؤك في عظامي
كناي ذي خمسة آلاف عام
و يطوق عنق الزمرد.

أريد أن أبتلع النجوم
لأصير سماء.
في شراييني سلسلة من الورود
تقتادني نحو فراش الليل.

قاطع الأشجار الزرق
يمسك مزماره بيده
في غابات الأوكاليبتوس.

من عينيك أحصدُ أبدية متحررة من "ألآن"
أحصدها بشعلة الشعر التي اسمها الحب.

أيها الموت
خذني الى المزرعة
ألاترى هذا اللحن المتدفق في عروقي
وكأن ألف راع نفثوه معا في الناي؟!.

رضا صفريان

بصيرة الظلال

آنذ