دراسة في "الطريق" نجيب محفوظ
ما هي علاقة الرواية بالواقع؟
الواقع بطبيعة الحال هذا الحشد الهائل من الأشياء والظواهر والعلاقات، هذا العالم الكبير بصرف النظر عن مصدره وطبيعته، الواقع الذي يعادل مصطلح الوجود بلغة الفلسفة، وبلسان مدرسي بسيط، هذا الجبل، وذلك البحر، هذه الأرض وتلك السماء، هذه المشكلة الكونية وتلكم المعضلة الإنسانية، وبالتالي ليس الواقع هنا معياراً معرفيِّاً، أو مقياساً منطقياً، بقدر ما هو حقيقة إنطولجية، بقدر ما هو جماد ممتد، وحياة تنبض، و فكر يشتعل، وإشكاليات تتجدَّد، ومعضلات تتجسّد هنا وهناك...
قبل كل شي لا يمكن إنكار العلاقة بين الرواية و الواقع على نحو مطلق، لأن الواقع حاكم، لا شي قبله، ولا شي بعده، وأنا هنا أستعير موقف الفلسفة الرسمية التقليدية التي جعلت من الوجود موضوعها الأول، وقضيتها الجوهرية ، نعم، ثمة علاقة ماضية بين الرواية والواقع.
ولكن ما هو نحو هذه العلاقة؟
ما هو مستوى هذه العلاقة؟
هل الرواية نسخة طبق الأصل عن الواقع؟ عن الحدث؟ عن الشكل ؟ عن هذه المشكلة أو تلك المعضلة؟ عن شعورنا ومصيرنا ومسيرنا؟
هذا الرأي يعطي للرواية مهمّة تقريرية ميِّتة، فالرواية مُخبِر أمين هنا، آلة تصوير سلبية، يعيد لنا هذا الرأي فلسفة (المُثُل) الإفلاطونية إلى الواجهة في تحليل الكون، تحليل كل مفردة كونية، فالرواية ظل يحكي حقيقة سابقة عليه، عملية نسخ بريئة للغاية!
الرواية ليست نسخاً للواقع، تلك سذاجة مفرطة، بل هي تفعيل للواقع، تصعيد له باتجاه المزيد من الإيجاب، تهذيب للواقع من الشوائب، وتنقية له من الزوائد.
الرواية رسالة أخلاقية، رسالة تعني بالنهوض بالهمم الكبيرة، تتناول الواقع بشي من الشفافية، تخلِّصه من آثار الأشرار، تنقِّيه من عبث العابثين، تعيده إلى نقائه الذي ينسجم مع فطرة الإنسان النظيف، هناك دائما بطل رائع، يتولى بهمةٍ عاليةٍ تطهيرَ الواقع من الظلم، يخلِّصه من الخطر، فارس مقدام، يمتشق السيف البطولي ليبتر الشر، ويبعثر وجوده.
الرواية هنا لا تخرج عن ا لتصور السابق، هي بنت الواقع، استمرار للواقع، ولكن في سياق نيّة مسبقة، تقوم على فكرة أخلاقية، الرواية حسب هذا التصور عملية مصطنعة تهدف إلى إغراء الإنسان بالقيم، تشحن فيه طاقة الخير والجمال، ليست إشكالية معقّدة، بل إشكالية بسيطة للغاية، هناك شذوذ ينبغي أن نقطعه من الجذور، والبطل هو الكفيل بذلك.
ولكن لماذا لا تكون الرواية تسجيلاً للواقع المر؟ تسجيل لهذه الفواجع الرهيبة التي تمزًّ ق الوجود شرَّ ممزَّق؟ تسجيل للشر وهو يعتلي منصّة الوجود؟ تسجيل للظلم وهو يعلن عن جبروته الطاغي في هذا الوجود؟ لماذا لا يكون التفعيل باتجاه السلب؟ توكيد للواقع المريض؟ فإن معالم العبثية ظاهرة مستبدة في حركة التاريخ؟ بل لماذا لا تكون الرواية تأويلاً للواقع في سياق تأصيل اليأس، والخراب، والدمار، والحزن، والموت، والهزال...؟
أليس التصدّع الكلي ينتاب العالم؟
ألم يسرقوا الحياة؟
في تصوري البسيط أن الرواية تنتمي إلى الواقع على نحو الافتراض، فهي واقع مُفترض، تنتسب إلى الواقع من حيث هي مستوى (حكاياتي) خاضع لسلسلة من التحولات، وهذا الواقع المُفترَض تشترك في صياغته كميِّة هائلة من العوامل، الظاهرية والباطنية، فإن الواقع يجيش بالصريح و الغامض، وكل منّا نتاج هذا الواقع المائج، وذلك حتى على مستوى فرضه.
هذه الحكاية قد تخضع للزمن الصارم، وقد تكون متمرِّدة على الزمن، قد تعالج الكون، وقد تكون مجرِّد عبث صاخب، قد تكرس حالة التطور الصاعد، وقد تخضع لهزَّأت مضطربة الاتجاه، قد تنبيء عن نهاية واضحة، وقد تكون ذات نهاية مفتوحة، قد تنطلق من عظمة الكون، وقد تنطلق من تفاهة الوجود.
هذه الحكاية شخصيات، وحوادث، وأفكار، وعبث، وجد، وذاكرة، وزمان، ومكان، عالم مختلط التركيب يتواصل أو يتنافى بين جزئياته وعناصره باللغة، اللغة التي قد تكون جميلة شفافة الواضحة ، وقد تكون غامضة مبهمة.
رواية (الطريق) واقع مُفترَض، هذا الواقع يتوزَّع على ثلاث نماذج من الموجودات الإنسانية، ثلاث نماذج من البشر بشكل عام.
النموذج الأول :
الشخصية السلبية، الشخصية المُعدِمة والمعدومة في آن واحد، شخصية متصدِّعة من الداخل، ضائعة، تفتش عن هدف ليس مفقوداً بل معدوم، ولكنَّها لا تعي هذا الضياع في جوهره رغم وعيها له على مستوى الإحساس، على مستوى الشعور، هي ضائعة، خائفة، تريد الخلاص، ولكنّ الطريق مسدود أمامها في ذمة الجبر، لأنَّ الهدف الذي تسعى إليه قد مات في المهد فيما هي لا تعي هذه الحقيقة الصلبة! من هنا قد نلتقي بمفهوم القدر الجَبري مع هذه الشخصية، والصورة الصارخة لهذه الشخصية هي البطل المركزي (صابر!)، وهناك شخصية سالبة من نوع آخر، تلك هي شخصية أم صابر (بسيمة عمران)، فقد رضيت لنفسها أن تتحوّل إلى قوادة، بعد أن جنت على علاقتها الزوجية بالخيانة المرّة، طمعا في عشيق ينحدر من طينتها الساكنة! تحوّلت إلى قوادّة رغبة في المال، أو تهالكا على امتلاك القوّة السحرية التي يمكن أن تقهر بها الرجال الكبار! وقد كانت تفتخر بكونها عارفة بأسرارهم ونقاط ضعفهم! ومن ثم نلتقي بشخصية سالبة من نموذج ثالث، تلك هي (كريمة)، التي قررّت أن تنتقم من التاريخ بكل وسيلة ممكنة، وكان القتل آخرها.
النموذج الثاني
الشخصية الإيجابية، الشخصية التي تحمل في داخلها نور الوجود الناشط، الوجود الحي، ممتلئة بالأمل، وتجيش بمفهوم الإمكان العريض، لم تهدأ من الإيمان بشفافية الحياة، وممكناتها الثريِّة، لم تستسلم للتاريخ السابق، تؤمن بالقدرة على خلق التاريخ من جديد، تلوح لها ممكنات السطوع من بين ثنايا الظلمات، ظلمات النفس، وظلمات التاريخ، وظلمات الكون، هي في صراح مع اليأس، ليس على صعيد الكسب الشخصي الضيق، بل على صعيد المعركة الإنسانية الكبيرة، والصورة الصارخة لهذه الشخصية هي (إلهام)، ولعلّ الروائي الكبير كان قاصداً بهذا الاسم، فهو يشع بالقوّة و الخير، بل يشِّع بإمكانية التغيير والتحوّل، ويرفض الجمود والخمول.
النموذج الثالث
الشخصية الساكنة، الحيادية، في الحقيقة لا وجود لنقطة وسط بين السلب و الإيجاب في التصور الفلسفي التقليدي، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ولكن (الصفر) كما نعلم مقترب حيادي في عمليات الجمع الحسابية، فهل يمكن الاستفادة من ذلك في تحليل شخوص الرواية الأدبية؟
هذه الشخصية لا تضر، ولا تنفع، تعيش مع مرور الأيام بريئة على نحو ساذج، لا تضيف للكون، ولا تنقص منه، تاريخها يساوي مجموع أيامها، وربما هي المتوفِّرة على الحصة الغالبة من الموج البشري، منذ آدم وحتى يرث الله الأرض وما عليها، والصورة الصارخة لهذه الشخصية (خليل أبو النجا، علي سريقوس، الشحاذ صاحب الموشَّح التقليدي، حارس البوابة...).
هذا هو جسد الرواية، شخوص متناقضة متضاربة، كل شخصية تجسِّد حالة خاصّة من الفكر، وتعبِّر عن حالة خاصّة من الوجود، وتكرِّس حالة من الأثر، والصراع هو الذي يجمع بين هذه الشخوص، صراع داخل الذات، وصراع بين ذات وذات، صراع أفكار وحالات ووجود، صراع مع الحقيقة، صراع مع الوهم، صراع مع القدر وضد القدر...
ولكن أين هي النقطة التي سوف يرسي عليها هذا الصراع؟
لا نقطة!
هناك عماء مطلق!
هناك جوف هائل يبتلع الجميع، هناك مسيرة تتعثَّر على وقع الأمل والخوف، ولكن النتيجة لا أمل ولا خوف، بل هباء يبشِّر بالعدم، ويؤسس لليأس البهيم، هناك مسيرة جائعة، تلتهم على غير هدى، تسحق الآتي كما سحقت الذي مضى!
دم...
سجن...
يأس...
وتبقى (إلهام) تنتظر معجزة الأيام، ولكن المعجزة خرافة بعد ختم النبوات، ويبقى (الحياد) بليد الوجود، لا يدري ما جرى وما يجري!
الحكاية في طورها السردي
(صابر) هو نقطة التواصل بين عناصر التكوين والصيرورة في الرواية، وقد سمّاه محفوظ كذلك لأنّه عاش بين نارين، كابد صراعاً شاقاً بين طموح الضمير من جهة وبين لُجَّة الطين النتنة من جهة أُخرى، ولد لأب هو (سيد سيِّد رحيمي)، كان متزوجاً من (بسيمة عمران) ذات الأصول الهابطة، ولكن بسيمة لم تصبر على زواجها من سيد رحيمي، فقد هجرته وتزوّجت من عشيق ينتمي إلى ذات طينتها. فحفر الحدث الفاجع في أعماق (سيد) جرحاً غائرا، وهل غير الهروب من علاجٍ لمثل هذه الحالة الصادمة؟ وهو الرجل الذي كان يتوسّم التطلّع إلى فوق، لكن (بسيمة) تنقاد تحت ظروف مجهولة إلى ممارسة القيادة، رغبة منها في المال والسلطة، وبدافع شهوة الضمير الساخن بمرارة الحياة النكد، وبدافع الحرمان من الذريّة تغدق (بسيمة)العطاء على ولدها الوحيد (صابر)، فيرفل بمباهج الدنيا وأفراحها ومتعها، وهو لم يزل شاباً يافعاً لم تكتمل فيه حكمة الحياة، ولم تنضح في داخله تجربة معالم الهدف من الوجود في ضوء التجربة الحيّة ، والتفكر العميق، وتقود مفارقات المهنة وتعاستها وتشابكها السرّي المخيف القوَّادة (الأم)... تقودها إلى السجن ثم الموت، ولكن هذه الأُم تفاجأ ولدها الوحيد بملحمة دراماتيكية مدهشة، فالأب ما زال حيا، وهو يعيش على أرض الله، ذو مال وجاه، وما عليه إلاّ أن يفتش عن هذه الكنز الثمين، فالعثور عليه ينقذه من مستقبل مظلم ينتظره بعد موت أُمه، وإلاّ سيكون مصيره (برمجياً أو بلطجياً أو قوادا) ص 9، فبرم الشاب عزمه على السياحة من أجل أن يعثر على هذا الكنز الكبير، فجاب القاهرة والإسكندرية يبحث عن ألأب المفقود، لئلا تتحقق نبوءة الأم المفجعة، ولكن دون جدوى، حتى أضناه التعب والنصب، استعان بالصحافة، والعارفين ودوائر الشرطة، والصحة وكل وسيلة ممكنة على هذا السبيل ولكن بدون جدوى، وفي سياق هذه المعادلة الصعبة، في سياق هذه الرحلة السحرية، يلتقي صابر بأكثر من مصادفة تحوِّل مسير حياته، كل مصادفة تحوّلت إلى رواية معقّدة، بداية لمسيرة جديدة، طبعت بقية عمره، وقرّرت نهايته، كانت المصادفة الأولى هي (كريمة)، نعم، كريمة زوجة صاحب الفندق الذي كان قد نزل فيه، وكريمة تنتمي إلى ذات العالم الذي ينتمي إليه صابر، الماخور و القيادة والمال الحرام، شراها صاحب الفندق العجوز (خليل أبو النجا) من زوجها وابن خالتها ، فتزوّجها على أن تصون شرفه، وتداري عجزه، فالرجل طاعن في السن، معطَّل الأعصاب، فاقد الحيوية، وفي خضم تزاحم الأحداث وتطورات البحث عن الأمل المفقود، تتجاذب خفقتا الطين النتن ــ كما يرى الراوي ــ فقد تحوّلت أحضان صابر إلى ماخور جنسي ليلي لـ(كريمة)، فصابر رغم تشوقه للخلاص من ذلك المصير المخيف يحمل عبق الزفرة الخائنة من أُمّه، ومحيطها الراكد، فهو الصيد المناسب لإزاحة الشيخ الكسيح الذي يمارس أنانيته المقيتة بلا وعي، وهكذا تواضع اللقاء الخفي مع الإغراء بالقتل على أمل الحياة المشتركة بالإرث الموعود، ولكنّه لم يكن إلاّ (صيد) عابر في تخطيط (كريمة)، فلم تف كريمة بوعدها، خانت صابر، كانت تخطط لتسخيره وليس لمشاركته، فما كان من صابر إلاّ أن يلحقها بالشيخ العجوز، الأمر الذي قاده إلى السجن، وكانت هي نهايته.
وفي غمرة أو زحمة المسيرة المتعبة يلتقي صابر (إلهام) أيضا، وهي الشابة الرصينة التي وهبتها التجربة والتربية وحسن التقدير الصائب معنى شفافا للحياة. تعرَّف عليها بالجريدة التي أعلن فيها عن رغبته بالعثور على أبيه، وإلهام هي الأخرى هجرها أبوها، وهي شابّة جادّة ضمن طاقم هيئة التحرير، وفي الوقت ذاته تواصل دراستها الجامعية، ذات نظرة واقعية تتّسم بالطهر والعفاف، سحرها جماله الذي يهب الحركة للحياة، وهو الأخر بادلها الحب السامي، وهنا تجاوب جديد، أي ليس على غرار الممارسة المحمومة التي تتمًّ خلسة في ظلمات الفندق التعيس، وتجد (إلهام) في إنقاذ (صابر) من محنته التي تفاقمت بسبب عدم العثور على أبيه، وقد في تصورها أن العمل هو الحل الوحيد، وقد وجدت له عملا تجارياً، ولكن (صابر) وبعد مرواغة معقّدة، مشحونة بالإختلاق والكذب، يعترف لها بكل شيء.فهو لا يصلح للعمل، وينحدر من عائلة هابطة، وقاتل، ولكن رغم ذلك تبقى إلهام وفيَّة لهذا الحب الجميل، وتتصرّف بموجب قيمه العليا!
في السجن يرافع عنه محامي هو الأخ الأكبر لإحسان الطنطاوي مدير إدارة الإعلان في الجريدة التي تشتغل فيها إلهام، وهناك يدور حوار طويل بين المحامي وصابر، يعلم من خلاله أن أباه ما زال حيا، يهاجر من مكان لأخر، يطلب الحب بلا انقطاع، ومن الصعب العثور عليه، وأن صابر لم يكن سوى ولد واحد من جوقة أولاد، هائمين في القارات السبع، ممِّا يولِّد لدى صابر أملاً جديداً يخلّصه من حبل المشنقة، ولكن المحامي يؤكِّد له صعوبة ذلك، ويعده بأمل من سحائب القدر، فقد يستبدل الإعدام بالمؤبد! وعندما يأس صابر يقول للمحامي (فليكن ما يكون).
البحث عن (كودو)
هل كان صابر يبحث عن أبيه (سيد سيِّد رحيمي)؟ هل كان لصابر (أب) على قيد الحياة، يحتفظ بثروة طائلة؟ يتمتَّع بالقوّة والجاه؟ يمكن أن يوفِّر لـ (صابر) حياة جديدة، حياة تنتشله من منابته الطينية النتنة، من إفلاسه، من ماضيه الملوّث بالدعارة والجريمة، من أبخرة الماخور، وصدى الآهات الدسمة بشهوة الليلة المقبوضة الثمن سلفا؟
تقول(بسيمة عمران) لابنها (إنِّي أوجهك إلى المخرج الوحيد من ورطتك... ص 14)، فهل هي الحكمة التي خرجت منها (بسيمة) من تجربتها الطويلة هذه؟ لقد التقت بمئات من ذوي المال العريض، كانت على قرب استحواذي بذوي القوّة، والبأس، والجاه، والأُبهة... تجار... حكُّام... وزراء... ولكن رغم ذلك، كانت تملك زمام قلوبهم، كانت تعيش في هاجسهم، يخافون همستها، يشعرون بقبضتها تهوي على مكامن عقولهم وقلوبهم، يخشونها، يخافون همستها، يخافون نظرتها الغاضبة ولو من بعيد، فأين هو سحر المال والقوة والجاه في استجلاب (الكرامة والحرية والسلام)؟
صابر كان جاداً في العثور على أبيه، فكما قالت له أمه القوّادة (بديله الوحيد ـ أي بديل الأب ــ أن تعمل برمجيِّاً أو بلطجيا أو قواداً أو قاتلا، فلابد ممّا ليس له من بد) ص 14... ولكن هذا الأب يترجمه صابر بثلاث كلمات تتصاف مع بعضها لتؤسِّس حياة ذات معنى عميق، ذات جذور تتواصل مع ثقل الإنسان وهو يخرج من بذرة الأرض طاهر الذات... فهو (لا يحتاج إليه حباً في الحرية و الكرامة والسلام فحسب وإنّما خوفاً التردي في الجريمة... ص 107)، وتلك قيم ليست صنيعة المال، ولا صنيعة القوة الغاشمة، ولا وليدة الجاه، تلك قيم تحتاج إلى رؤية كونية في الوجود، تحتاج إلى ثورة في داخل الذات، وليس إلى حفنة مال قد تأتي وتروح ، بل يمكن أن تكون سببا في جريمة لا تُغتفر!
كان (صابر) يبحث عن ملجأ روحي، كان يفتش عمّا يفتقده، هناك في الأفق البعيد، ربما يجد صداه، ربما يأنس برائحته العبقة المفقودة في ماخور أُمه، في جسد هذه الأم، وهي تُفصِّل على خريطته مواصفات (قحبة) مًستجدَّة، لزبون يستجمع بنهم جنوني بين شفتيه شهوة الوصال بالجسد السوقي، عبر هذه الخريطة الشيطانية، فهي ليست ــ كما يبدو من تجربتها ــ دلاَّلة عرض وحسب، بل دلالة توصيف على جسد ينضح بفتنة الإغراء المدروس، فلا حرية، ولا كرامة، ولا سلام... ذلك هو منطق الجسد الخاوي من آيات هدفه البعيد...
الحرية...
الكرامة...
السلام...
يغمغم بهذه الكلمات وهو يستمع لـ (إلهام) تسرد على مسامعه الجافّة كيف هجر أبوها أمَّها ، ولكن من دون أن تمر بعوالم (القوادين والبلطجية و البرمجية... ص 91)، تلك العوالم التي كانت تتداخل فيما بينها، لتؤسِّس عالم (أُمَِه) المخيف بالأصالة، وعالمه الخاص تبعاً وتتابعا.
هل كان عبدا؟
هل كان مهاناً؟
هل كان مضطربا؟
كانت (بسيمة عمران) ذكية العقل متوقدة القلب، تعرف ماذا ينتظر ابنها العزيز، فلذة قلبها، صوّبت الحقيقة من تجربة مرّة، لا تريدها تتكرر لابنها الوحيد، نطقت بحكمة (القوَّادة) التي خبرت الحياة بدقة تفاصيلها الحية، فكان كلامها حكمة مبطّنة، حكمة تشي بتجربة طويلة شاقة.
الحرية... الكرامة... السلام... تطلّعات بعيدة... بعيدة... بعيدة... فهي معجزة حقا / ص 21 / فالطريق إليها شاق متعب، وإذن هي تتطلّب رحلة طويلة شاقة أيضا.
كانت الرحلة محكومة بين قطبين، ينسجها في غيب الزمن أكثر من مقترب، يدنو بعضها من الطين، ويدنو بعضها من الروح، و النتيجة غير محسومة.
في الإسكندرية وهو يحث السير بحثاً عن أبيه صادفته أكثر من مناسبة تجتذبه لمطاوعة أبخرة الزيف في مواقد المال الحرام، وزفير الجاه النتن، المجلوب بزفرة الأفخاذ المباحة والمباعة سراً وعلناً، ولكنّه انتصر، فإن وصيَّة (الأم)الحنون ما زالت مستعرة بحلاوة (الحرية والكرامة و السلام)! وفي القاهرة تتشابك أسباب الطرد والجذب على ساحة القصد البعيد...
ليس البحث عن أب ضائع، عن أب غني، عن أب مرهوب الجانب، بل هو بحث عن حياة جديدة، عن ملجأ يروي غريزة القلب من شبق الحب الطاهر، ويحرق شهوة الجسد بين فخذين زاهدين بكل رغوة زائفة.
ــ ما أجملك! ما أجمل الحب، هو الحب الذي يشدني إليك يوما بعد يوم، وهو الذي يكمن وراء كل كلمة من كلماتي إليك مهما يكن موضوعها الظاهري، واسمه لم يجر على لساني من قبل الساعة، ولكن لولاه ما كان ثمة مبرر أو معنى لأي كلمة قلتها) ص 109.
تلك هي أصداء الحاجة إلى الحرية والكرامة والسلام، تصرخ في داخله، هي أمنية، فلم يعدم ذلك أبداً، ولكن هل كان يبحث عن شي ممكن؟
هو ذاك السؤال!
لا...
كان يبحث عن شي معدوم!
وتلك هي قصة الرحلة بمفارقاتها الرهيبة...
بين نارين
النقود تتناقص يوما بعد يوم، وسيِّد رحيمي صار نكتة زمنية، والعمل فكرة تافهة، والأسكندرية جسد رطب يفوح بشهوة مستهترة...
نقطة حرجة!
(كريمة / صوت رقم واحد) لذة صاخبة، و(إلهام / صوت رقم ثاني) وعد ملهم بالشهامة والحب والنظافة، وبين هذا وذاك لا خيار حاسم، بينهما كما بين الهواء و النار، فما هي حصيلة هذا التوازي بين صدفةٍ يمكن أن ترمي موضوعها في جحيم أبدي، وبين صدفةٍ يمكن أن تقوده على مهل إلى مسؤولية التاريخ؟
هنا تكمن نقطة المصير!
هنا يتأجج الصراع، وهنا يأتي دور(فرويد) لُيمضي أسبقية المخفي على الظاهر، وتتخلَّق عبقرية (لاكان) ليعطي الهامش مركزيَّة القرار، وينحي الظاهر بعيداً عن مسؤولية تجلِّيه الصارخة!
كريمة...
تعيد للذهن صورة الأم وهي تدلك نهداً بريئاً ليفقد حرارة الحب، فيكون طريقه جاهزا إلى مزاد اللذة العابر بدون كلل أو تعب!
كريمة...
تُنعِشُ فيه ذكرى الأبخرة الماجنة، الأبخرة التي تنعش الأفخاذ بسحنةٍ تهرول نحوها لذة مرهونة بقرش أو قرشين، نصفها يعيش في دمه، ونصفها يعيش في دم مشغول بلعنة الكون كله، في لحظة من لحظات السكون المخيف.
كريمة...
تثير في خياله أصابع (بسيمة عمران) وهي تستجمع شهوة جسد حديث، لتكثِّفه حول نقطة مرعبة، فتفجِّره بين صريخ ضميرٍ بدأ يموت، و شهقة ضميرٍ لا يبالي بحريق الكون كله، تدرِّبه كيف يتلّوى كذبا وغشا على فراش منسوج من خيوط تجارب تفوح منها جريمة الكذب على الطبيعة بكل جبروتها وشفافيتها.
تلك هي كريمة!
تثير في ذاكرته أيام (بنت عطفة القرشي) بكل ملابسات الهروب، و السرقة، و التسكع على موائد الوعد المؤقت ص 39.
إلهام...
حقيقة، نعم حقيقة واعدة، تشع بنور القوة الخيرة، تقاتل دون الإيمان حتى النفس الأخير، إرادة حيّة تشع بالحب والصدق، تُلهِبُ (بصوت التغيير والتعذيب) ص 183، جاذبية لا تخمد، تنتشل الروح من رقدة الخدر، تبعث في نسائم الروح المعذّبة رشفات الأمل والحب.
هناك جمال مستباح...
وهنا جمال وديع...
أي الصوتين سوف يجلجل في القاع البعيد؟
إنّ افتقاد إلهام لأبيها فعّل سحر جماله في روحها الطيِّبة، فإن التطابق في بعض جزئيات المحنة يرسخ فتنة الإعجاب الأول، والبحث عن الحرية والكرامة والسلام يغذِّي طهارة النظرة الأولى بنار الشوق، ولكن كريمة تثير ترسَّبات ا لما خور، تصبَّ على مكامنه البعيدة نار المغامرة النفسية...
أيُّهما ينتصر؟
إلهام أم كريمة؟
الماضي القابع في أعماق اللاشعور أم المستقبل الذي ما زال بذرة في طورها الكموني؟
في خضم هذا الصراع المريع كان (صابر) وفيِّاً بعض الوفاء لأنغام الكون الجميل، ولكنَّه كان شعلة مضطرمة بضجيج الآهات الحرام، يسمعها تتدفق على روحه، يشمُّ رائحة الشبق الجنوني تتصاعد من الغرف المتدفئة بخميرة الشيطان.
صابر!
أين أنت الآن؟
هو على مفترق طرق (مع إلهام تعذِّبه كريمة، ومع كريمة تعذِّبه إلهام، والتوحيد أمنية لا يجرؤ على تمنيها... ص 110)، عالمان لكل منهما سحره، ومستحقاته، ونتائجه (إلهام سماء صافية يجري تحتها الأمان وكريمة سماء ملبَّدة بالغيوم تنذر بالرعد والبرق والمطر... ص 108).
لم يكن صراعا عاديا، فإن (رغبته الغشوم في كريمة لا تموت، تغفو إلى حين، ولكن لا تموت، جاذبيَّة إلهام لا تخمد، ولكن سيطرة الأخرى لا مهرب منها، كالقضاء، ولشدَّة وطأة هذه السيطرة يحققها أحياناً بقدر ما يعشقها، وكم نادى باطنه إلهام لكي تنقذه، ولكنّه نداء اليأس... ص 108).
وكان الحسم!
ولكن لماذا تنتصر (كريمة) في المطاف الأخير؟ لماذا ينتصر النصف الثاني من الليل على النصف الأول من النهار؟ لماذا ينتصر الدم على الماء؟
هل هو توكيد على الجانب الشرير من التكوين البشري؟ هل هي مستحقات الماضي النتن؟ أم هو نقص في إرادة صابر؟ أم تلك جريرة المجتمع البائس؟ أو عقاب الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة؟ هل ذلك فن روائي يهدف تعميق المأساة؟ هل هي فلسفة تقوم على أصالة اليأس وعرضيّة الخير؟
أين قيمة الصراع هنا في التفكير البشري؟ بل أين هي قيمة هذه المعاناة في ميزان اللطف الرباني؟ لماذا لا يقترب الله من صابر وهو الذي كان صادق النية بالتقرب من الله؟
لستً أدري!
انتصرت كريمة... قتل (صابر) صاحب الفندق كما هي الخطة التي رسمتها (كريمة) ، فدخل في دوّامة جديدة، دوّامة ما بعد القتل، هل ستتحقق المعجزة؟
كان القتل بداية نهايتين، نهاية تخطط لها كريمة، ونهاية يخطط لها قدر التكوين لكلا الطرفين، فقد كانت منذ زمن تخطط للخلاص من هذا الزوج الكسيح، تفتش عن إرواءٍ يشفي غليل الجسد الممزَّق تحت رغبة تموت في بداية شهقتها الشرهة، وتفتش عن خزين من المال يعوِّض ذلك الحرمان الذي كان يلهب روحها، وجسدها، وأعصابها... الجوع اللعين... الجوع السافل...
إرواء جسد ليس مشكلة بالنسبة لكريمة، ولكن المال هو المشكلة، ولذا ليست كريمة من السذاجة أن تحاصص به من أروته ليلا مخاطرة بكل شي، فيما لم يخسر هو شيئا في حساب كلا الطرفين، فالقتل ليس جريمة كبيرة في ضمير كريمة أو صابر!
لم تكن كريمة تختلف عن صابر في بذور الحصّة الأولى لكل منهما من قدر الحياة والوجود والسيرة ، فكريمة (ربيبة بلطجي، جارية سوقية، زوجة رجل فان، مدبرة جريمة رهيبة، بائعة لذات جنونية... 176)، كان يستعرض هذه الحقيقة بكثير من الذهول، هي (معذبتك إلى الأبد، ومجرّد وهم لا أساس له ساقك إلى فندقك الدامي ثم رمى بك إلى براثن هذه الحيرة القاتلة، كالوهم الذي دفعك تجري وراء سيارة كالمجنون ص 176) وهو وهم (سيِّد رحيمي) لحظة فاجأه من سيارة مرّت به خاطفة، فجعله رهين هذه الأيام الطويلة من البحث المضني.
مركب (الحرية والسلام والكرامة) تهاوى في لجة بحر من شك عميق، وكريمة كانت خدعة مرسومة بدقة متناهية، و الفندق صار لغزا في غياهب الغيب، والدم الحرام كان بلا ثمن، وإلهام لا يستحقها منْ يكذب عليها (أنا أبن أعيان، جئت أبحث عن أخي...)، والنقود تتناقص يوما بعد يوم، والإسكندرية تعبق برطوبة الأفخاذ النزقة، ومآذن القاهرة بعيدة... بعيدة... بعيدة... ورائحة الماخور مازالت تطوح في رأسه...
ما هو الحل؟
أن تلحق (كريمة) بذلك الزوج المخدوع!
القتل!
الخلاص من وخز الضمير
منذ اللقاءات الأولى كان يشعر بأنّه لا يصلح لـ (إلهام) ، كان يحار في كيفية معالجة هذه المفارقة الكبيرة، لقد أحبته حبا عارما، يشع بنور الواجب الإنساني تجاه معنى الحب بالذات، وأية ذلك التضحية، ورغم يقينه بذلك سار معها على سليقته الموروثة من أخلاق الماخور، فقد كان الكذب وسيلة تواصله معها، فهو أبن أعيان، وجاء يبحث عن أخيه، يملك المال والقوة والجاه، وقد حاول أن يرتفع إلى ذروة شعوره النظيف تجاهه ولكن لم يستطع!
كانت تتواصل معه بلغة البراءة (وعندما انظر في وجهك لا أشك في أنني أرى وجه رجل صالح... ص 110)، فيما يتساءل في الأثناء (وأين ذهبت عربدة الحياة، والدعارة البهيمية؟ وأمه وأساطيرها، ونزوات الليالي المرعبة؟ يجب أن يجئ الأب لينتشله من مأزقه، ويطرد الأكاذيب) ص 111، وكانت كذبته من دلائل المغدورة بظاهر الوجه المليح! ألم يتحمَّل كل هذه المتاعب كي يعثر على أخيه؟ ولقد كان (رعب الوعي) له بالمرصاد، يراوده بين خيارين، أحلاهما مر، فكريمة تهبه متعة مسروقة، تمارس معه صدقاً مُشترَىً وليس صدقا من الأعماق، فيما (إلهام) تُلهمه متعة لحظة الحب المقدسة، خارج كل هذا التاريخ الملوث بالدم، والعربدة، والهمجية، والغدر، والكذب، والسفالة، والسقوط... والآن وقد ساح دم (خليل أبو النجا) على راحتيه، دم يصرخ من وجع خيانتين، خيانة زوجة حلفت على صيانة شرفه، وخيانة نزيل تعهدّ عرفا صيانة حرمة المكان...
ما هو الموقف؟
شي يبعث على الدهشة أن تتحرك نوازع الخير هنا، فهل هي ردّة فعل على جرائمه النكراء مع هذا الطير الوديع؟ أم هي صدمة الدم الذي ما زال رطبا؟ أم هي نزعة لا تخلو منها نفس مهما تسافل بها القدر الكسيح؟
الاعتراف...
نعم (قل لها ماذا كانت أمك، وقل لها ما ذا فعلت أمس، قل لها أنك تزوجت من أُخرى بوثيقة دم. قل لها أنَّك تودّ أن تصرخ حتى تصدع أركان الأرض) ص 152.
ذلك هو الموقف الذي يخلِّص به نفسه من مسؤولية الشرف المطلوب تجاه حب خالص، وينقذ به (إلهام) من هذا الحب الذي برهن على أصالته الرائعة، الاعتراف الشامل، وكانت البداية صارخة...
ــ أنا لا أصلح لشيء فكيف أصلح لك؟
وتتوالى قائمة الاعترافات المرّة، ذاك هو أبي، وتلك هي أمي، وها أنا، وهذا هو تاريخي... ثم أني قاتل يا (إلهام)...
ولكن يأبى الحب إلاّ أن يصمد، فهو ليس بالحب العابر، بل نبت في أعماق الروح العذبة، والتضحية معلم جوهري على صدق هذا الحب.
ــ أنا أعني شيئا واحداً بكل إصرار وهو إنني غير أهل لك ًص 181.
ورغم كل هذا يصمد الحب...
ـــ صابر... أردت.. أريد... أريد أريد أن أقول أنّ كل ما قلت لي بالأمس لا يهمني ص 182.
مرثية الوجود / هذيان نقدي
هذا الوجود لا يثير الشك في أصله وحسب، بل يثير الشك لأنّه إضافة لذلك يمزِّق كيانه بأنيابه ا لقاسية، يقطِّع جسده بسكين مشتقة من خيوطه اللعينة. هذا الوجود لعبة آلهةٍ مخبولةٍ تستهين بمخلوقاتها كيف ما تشاء، تحمِّلها رغبة الانتحار ثم تعرض عليها قيم الحياة النبيلة.هذا الوجود يستدعي نفسه على نفسه، يستدعي سكاكينه لتذبحه من الوريد إلى الوريد، يشخب دمه عبيطا، صارخاً من لعنة ذاته على ذاته. هذا الوجود يستغيث من دمه الذي يسري في شرايينه، يستغيث من روحه التي تهبه الحياة والشعور، يستغيث من عقله الذي ينتصر به لذاته، يرثي جسده في المزاد العلني للشك الخفي.هذا الوجود يقول : لِمَ الصخر لا يشعر؟ أليس الشعور قيمة جميلة؟ لِمَ الشجرة لا تتكلم؟ أليس الكلام حقا؟ لم لا يصير العقل موضوع نفسه؟ أليس العقل نعمة كما يقولون؟
تلك هي (كريمة) تصرخ في ضمير الإله!
هل هي قاتلة حقا؟
أم هي مقتولة؟
يا رب...
فزع ينتابني...
نبوؤة القوَّادين!
كذلك قالت له أمه القوّادة...
(بديله الوحيد أن تعمل برمجيا أ و بلطجيا أو قوادا أو قاتلا، فلا بد ممّا ليس منه بد...)...
هو الآن قاتل...
قتل أثنين عن سابق إصرار...
هو الآن في السجن!
ضاع السلام...
ضاعت الحرية...
ضاعت الكرامة...
هل انتهت مسيرة المأساة؟
يأتي الحب بلا ثمن، جاء مجانا، ولكنّه يرفضه، يرفضه بقوة، بإصرار، فيما هو يسطع بالأمل، يسطع بالخلاص الذي رحل من أجله (... ها هو الحب و الحرية والكرامة والسلام فأين أنت؟ ولماذا لم تقع المعجزة قبل الجريمة؟) ص 180...
هل هو صادق في تساؤله هذا؟
ولكن ما هي النتيجة النهائية؟
أنها أكبر...
ــ وقد ضاعت الحرية والكرامة والسلام وإلهام وكريمة... ص 218.
ويعود الأب من جديد!
في السجن يقول لمحاميه : ــ
ــ الحكاية كلها كالحلم، جئت من الاسكندرية للبحث عن أبي، فوقعت أحداث غريبة، نسيت فيها مهمتي الأصيلة، حتى وجدت نفسي أخيرا في السجن...
ثم وهو يتنهد :
ــ والآن أكاد أنسى كل شي إلاّ المهمة الأصيلة التي جئت من أجلها...
هنا يتقدم المحامي ليقدم له معلومات ثرية وغنية عن أبيه؟
هو مقيم في كل بقعة من بقاع الأرض، نسله في مكان، خفي عن الأعين، ما زال يحتفظ بشبابه رغم هذه السنين الطويلة، يتجوّل بدون رقيب أو حسيب، يظهر فجأة ويختفي فجأة، ماله لا ينفذ، وطاقته تتجدّد، لا يتحدث إلاّ عن الحب...
كان مالاً وقوة وجاها في تصور الأم القوّادة...
صار سلاما وكرامة وحرية لدى صابر...
هو الحب هنا...
أم هو الله؟
القاري هو المسؤول عن تقديره...
وتلك عبقرية محفوظ..
المشكلة إذن ليس صابر... ا لمشكلة هي ما نبحث عنه!
القوة والمال والجاه؟
أم الحرية والكرامة و السلام؟
أم الحب؟
أم الله؟
أم قوت يوم؟
أم شهوة فخذ حار؟
أم مؤنس يرفع وحشة الليل وعناء النهار؟
ليس هناك إذن بطل مركزي وشخصية هامشية، كل شخصيات الرواية أبطال، لان لكل منهم شيئاً يبحث عنه، حتى الشحاذ الأعمى، وهو ينشد صبيحة كل يوم على باب الفندق...
طه غاية مديحي... صاحب الوجه المليح!
نداء المخفي
ليس هناك كتلة بشرية خالصة، والكائن الإنساني خليط هائل من القوى، والرغبات والأفكار، والشهوات، هناك المخفي الذي يموج بحركة قوية داخل الذات، يحرِّك الشعور الإنساني باتجاه إحداثياته، وتكويناته، ومشاريعه، وبالوقت الذي كان فيه الفكر مشدوداً إلى التعاطي مع الظاهر من حركة الكائن الإنساني وسلوكه، قلب الفكر الحديث هذا التصور رأساً على عقب، هناك مصفوفة من الثنائيات الضخمة التي تتسيَّد على الذات الإنسانية، هناك الظاهر والمخفي، هناك الشعور واللاشعور، هناك الصحة والمرض النفسيان، هناك السوي والشاذ، وقد كان الاتجاه يقوم على تسليط الوعي على اللاوعي في تحليل عملية الفكر، تقديم الشعور على اللاشعور في تفسير السلوك، تقديم الاستواء على الشذوذ في تقييم المواقف وتعليلها... ولكن منذ الثورة التي أطلق عنانها العالم النفسي الشهير (فرويد) انقلبت المعادلة تماما، لقد تخلَّى المشرق عن مكان الصدراة في تحليل فكر الإنسان، وثقافته، وشعوره ليحل محله الغامض... المبهم... المخفي... اللاشعور هو البنية التحتانية للسلوك، للعمل، للتفكير، الوعي تجلي خاص لعدمه، أي عدم الوعي، وبذلك نقلنا هذا التطور إلى ضرورة التنقيب في أعماق الذات، فلا نكتفي بمعاينة الظاهر، بل الظاهر ربما يخفي ما يعاكسه، ما يخالفه، هناك خفي راقد في الأعماق، يتجلى من خلال هذا الظاهر...
في ضوء هذه الإطلالة السريعة نتساءل عمّا كان مطموراً في أعماق المجرم(صابر)، وما هو الغاطس في القاع النفسي البعيد للقوادّة (بسيمة عمران)، وأي صوت خفي كان يصرخ في داخل المخلوق الجميل (إلهام)، وأي نقطة مستترة في البنية المعقّدة للقحبة المهذّبة (كريمة)، وما هي فواعل الذات المتخفية في طيات ذلك الشحاذ الأعمى، وأي دافع كان يتحكم في غريزة الأناني البليد خليل أو النجا ، وما الذي كان يعوم في الفضاء السرّي للمحامي المتبرّع؟
هل كان اليتم الصوري هو دافع الحب المتيَّم لدى إلهام؟ وهل كان صابر مصاباً بعقدة حب الأم، فتعلَّق بـ (كريمة) تعويضا عن ذلك؟ وقد استكمل ذلك بقتل صاحب الفندق انتقاما من استغلالها، ومحاولة منه لاسترجاع اهتمامها به وحده؟ و بسيمة عمران كانت تصدر من عقدة الخيانة الأولى، كانت في الحقيقة تريد الرجوع إلى زوجها الأول، ذلك الزوج الذي خانته بلا مبرِّر منطقي، فتكون عودة صابر لأبيه بمثابة عودتها له؟ وهل كانت كريمة تحاول الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المال، لتعالج بذلك شعورها بالمهانة، لتغطيه، لتخفيه عن ألسنة الآخرين؟ فقد باعها ابن خالتها البلطجي ـ وكان زوجها ــ لهذا الرجل وقد بلغ من العمر سبعين عاما، فيما هي شابَّة تفور برائحة الشهوة الحارة في كل ذرّة من ذرَّات جسدها اليافع ، فقد اعترفت يوما لصابر بأنها (امرأة تعيسة، أتعس ممِّا تتصور / 121)، وهل زواج خليل أبو النجا من كريمة بدافع الجنس؟ أم بدافع حب قديم لم يكتب له النجاح؟ أم رد فعل على زواج فاشل؟ وأي شي كان يحرك كوامن المحامي الطيب؟ هل كان ينوي رسم هدف جديد لصابر، فبدل البحث عن شي فانٍ ليبحث عن شي خالد، ذلك هو الله ؟
وبعد...
تمضي مسيرة الجميع بتؤدة وهدوء فيما (لكن أحدا لم يعرف إنْ كانت كريمة صادقة أم كاذبة، ولا أن كان الرحيمي موجودا ام لا)... ص 207
كذلك قال صابر...
السويد : المنفى الطوعي والقسري
[email protected]




التعليقات