لم يعد تعريف «قوة الدولة» في الربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين مرادفًا لمساحة الأرض أو ضخامة الجيوش التقليدية فحسب. نحن نعيش لحظة تحوّلٍ تاريخية، انتقل فيها مركز الثقل الاستراتيجي من الجغرافيا الصلبة إلى «الجغرافيا الرقمية». وفي خضمّ هذا التحوّل، جاء الحراك التشريعي السعودي مؤخرًا، والمتعلّق بطرح «إطار نظام المركز العالمي للذكاء الاصطناعي»، ليشكّل حدثًا مفصليًّا في المنطقة.
هذا التحرك، الذي قادته الجهات المختصّة في المملكة، ممثّلةً بهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية وسدايا، يتجاوز كونه تنظيمًا إداريًّا؛ إذ تضمّنت مسودّته تأسيسًا قانونيًّا صريحًا لما يُعرف بـ «سفارات البيانات» (Data Embassies). ولأوّل مرة في المنطقة، يجري العمل على تقنين مناطق خاصّة تتيح للدول والشركات العالمية تخزين بياناتها ومعالجتها داخل المملكة، مع خضوع هذه البيانات لقوانين وتشريعات دولها الأصلية، ما يمنحها «حصانة سيادية» تُماثل تلك الممنوحة للبعثات الدبلوماسية. فما الذي تعنيه هذه الخطوة الجريئة في ميزان القوى العالمي؟
من التحالفات التقليدية إلى «التكتلات الرقمية»
إذا كانت التحالفات في القرون الماضية تقوم على الجوار الجغرافي، فإن هذه الخطوة التشريعية تكشف أنّ العالم يتّجه نحو تشكيل «تكتلات رقمية» جديدة. الدول التي تتشارك المعايير الأمنية نفسها وتثق في البنية التحتية لبعضها البعض، بدأت تُشكّل ما يشبه «المنطقة الآمنة» في فضاءٍ إلكترونيٍّ مضطرب. هذا التحوّل يفرض واقعًا جديدًا؛ فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تكون «الملاذ الآمن» لبيانات حلفائها، مقدّمةً لهم ضماناتٍ تفوق مجرّد الحماية التقنية، لتصل إلى مستوى الحصانة القانونية الكاملة، كما نصّ عليه الإطار المقترح.
ومن هنا، يمكن قراءة هذا التوجّه ليس كمشروعٍ اقتصاديٍّ لجذب الاستثمار فحسب، بل كخطوةٍ جيوسياسيةٍ متقدّمة. المملكة، بموقعها المحوري، تطرح نفسها عبر هذا النظام كشريكٍ موثوقٍ قادرٍ على حماية «الأصول الرقمية» للدول الحليفة، ضمن بيئةٍ قانونيةٍ تضمن لهذه البيانات حقوقها وحصانتها، تمامًا كما تضمن اتفاقية فيينا حصانة الدبلوماسيين.
الفوضى الدولية والحاجة إلى «ضابط سيادي»
يعيش الفضاء السيبراني العالمي اليوم حالةً من السيولة وغياب الحوكمة، أشبه ما تكون بمرحلة «ما قبل الدولة»؛ حيث تتسابق الكيانات الكبرى للاستحواذ على المعلومات واستغلالها دون رادعٍ قانونيٍّ دوليٍّ واضح. هذه الحالة تضع الدول الوطنية أمام تحدٍّ وجوديٍّ: كيف تحمي «عقلها الاستراتيجي» (بياناتها وقراراتها) من هذا الانكشاف؟
الحلّ الذي تقدّمه الرياض عبر تقنين «سفارات البيانات» لا يكمن فقط في البنية التحتية المتطوّرة، بل في «نموذج الحوكمة». فالدول التي لا تملك سيطرةً كاملةً على بياناتها تظلّ عُرضةً لما يمكن تسميته بـ «الانكشاف الاستراتيجي». لذلك، فإن التحرك السعودي نحو وضع إطارٍ نظاميٍّ دقيقٍ لاستضافة البيانات هو، في جوهره، إعادة اعتبارٍ لمفهوم الدولة وهيبتها في مواجهة فوضى العالم الافتراضي.
الرياض: نقطة ارتكاز في عالمٍ متدفّق
إنَّ ما يميّز هذا التوجّه السعودي هو إدراكه العميق لعامل «الزمن». في المعادلات الدولية الحديثة، من يملك سرعة المعالجة وسرعة اتخاذ القرار هو الذي يمتلك زمام المبادرة. ومن خلال توفير بيئةٍ آمنةٍ للبيانات العالمية، فإن الرياض لا تقدّم خدمة تخزين، بل تقدّم «منظومة استقرار» إقليمية.
إنّ العالم يتغيّر، ومفهوم السيادة يتمدّد ليشمل الفضاء السحابي. والمملكة العربية السعودية، بقراءتها الاستباقية لهذا المشهد عبر هذا الحراك التشريعي، تؤسّس لمرحلةٍ تكون فيها «السيادة الرقمية» هي العملة الصعبة في العلاقات الدولية، وتكون فيها الرياض هي «العقدة المركزية» التي تلتقي عندها مصالح الشرق والغرب، في إطارٍ من الحوكمة الرشيدة والاحترام المتبادل لسيادة الدول.
























التعليقات