إيلاف من بغداد: يقدّم الأستاذ الدكتور ياس البياتي في كتابه (خطوط الزمن) عملًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليغدو شهادةً فكريةً وإنسانيةً على زمنٍ عراقيٍّ معقّد، كتبتها التجربة بصدق، وصاغتها المعرفة بوعي، واحتضنتها اللغة بجمالٍ مؤثّر.
لا يروي المؤلّف حياته بوصفها تسلسلًا زمنيًّا للأحداث، بل يُعيد بناءها على هيئة أسئلةٍ وجوديةٍ كبرى: من نحن؟ ماذا يعني أن نولد في هذا المكان؟ وكيف نصنع المعنى وسط الفقد والتحوّلات؟ ومن هنا تتحوّل السيرة إلى رحلة وعي، تمتزج فيها الذات بالوطن، والذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية.
يحتلّ المكان مساحةً مركزيةً في الكتاب، ولا سيّما بغداد وحيّ الفضل، اللذان يُقدَّمان ككيانين حيّين شكّلا وجدان المؤلّف ورؤيته للعالم. فالأزقّة، والمقاهي، والمدارس، والوجوه البسيطة، تتحوّل إلى مصادر للمعرفة الأولى، وإلى مختبرٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ صاغ شخصية الكاتب ومشروعه الفكري.
ويمتاز (خطوط الزمن) بعمقٍ فكريٍّ لافت، إذ يوظّف المؤلّف الفلسفةَ وعلمَ النفس والتاريخَ دون تكلّف، جاعلًا منها أدواتٍ لفهم الإنسان لا زينةً للنص. كما يبرز في الكتاب حسٌّ نقديٌّ هادئ، يرفض التعصّب ويؤمن بالاختلاف، ويضع الإنسان وقيمه في مركز السرد، بعيدًا عن الضجيج الأيديولوجي، وهو ما يعكس بوضوح شخصية البروفيسور ياس البياتي.

وتتجلّى قوّة الكتاب في لغته؛ لغةٍ مشحونةٍ بالذاكرة، متوازنةٍ بين الشعر والتوثيق، قادرةٍ على تحويل الألم إلى معرفة، والحنين إلى وعي، والخسارة إلى درسٍ إنسانيٍّ عميق. فالقارئ لا يخرج من هذا الكتاب بمعلوماتٍ فحسب، بل بتجربةٍ شعوريةٍ وفكريةٍ متكاملة.
إنَّ (خطوط الزمن) ليس مجرّد سيرة كاتب، بل سيرة جيل، وسيرة مدينة، وسيرة وطن، كُتبت بنبضٍ صحفي، وضميرٍ أكاديمي، وحسٍّ إنسانيٍّ رفيع. وهو يؤكّد المكانة الفكرية والأدبية للمؤلّف بوصفه واحدًا من الأصوات العراقية التي جمعت بين عمق التجربة، ونزاهة الموقف، وجمال التعبير.
كتابٌ يُقرأ لا ليُعرَف صاحبه فحسب، بل ليعرف القارئ نفسه، وزمنه، ووطنه عبر خطوطٍ لا تُرى، لكنها تُحَسّ بعمق.

















التعليقات