القاهرة: اعتبر روائيون ونقاد مغاربة أن تجربة كتابة الرواية التاريخية بالمغرب ما تزال محدودة ولم تبلغ بعد مرحلة النضج الأدبي. وقد لاحظ هؤلاء الروائيون والنقاد أن هذه التجربة اتسمت أحيانا بالمزج بين التأريخ للذات وكتابة التاريخ روائيا مشيرين إلى أن تعامل الروائيين مع تاريخ المغرب طبعه التقصير وعدم الإلمام الكافي بوقائع هذا التاريخ.
وقال أحمد المديني رئيس رابطة أدباء المغرب في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء على هامش ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي الذي نظم خلال الأسبوع الجاري حول موضوع " الرواية والتاريخ " إنه إذا ما استثنينا روايتي "وزير غرناطة " لعبد الهادي بوطالب و" جارات أبي موسى " لأحمد التوفيق اللتين تطرقتا للتاريخ القديم فإن تعامل الروائيين المغاربة مع هذا التاريخ "كان ومايزال محدودا (...) وليست هناك رواية تاريخية متكاملة " . وفي هذا السياق ذكر أحمد المديني بمجموعات قصصية صدرت في الأربعينات والخمسينات يمكن اعتبارها بداية للقصة الحديثة بالمغرب, والتي استلهمت جوانب مضيئة من التاريخ العربي والإسلامي مثل " غادة أصيلة " و" أشقرة الريف " لمحمد بن عبد العزيز بن عبد الله و" وادي الدماء " لعبد المجيد بنجلون. وأضاف أن هذا التوجه تأكد في الثمانينات والتسعينات ومع بداية الألفية الثالثة مع روائيين ينظرون إلى التاريخ وفق "رؤى استباقية" و"وعي إديولوجي" مجددا التأكيد أنه "ليست هناك رواية تاريخية في المغرب" وإنما "هناك روايات لها علاقة بالتاريخ وبالمجتمع وبالعجائبي ". وميز شعيب حليفي هو الآخر بين الرواية التاريخية والسيرة الذاتية التي تمزج التأريخ الشخصي أو الجمعي ببعض أحداث التاريخ. وقال إن كتابات السيرة الذاتية بالمغرب استطاعت في مسيرة تطورها منذ محمد بن عبد العزيز بنعبد الله والتهامي الوزاني وعبد الكريم غلاب وانطلاقا من مرحلة بحثها عن الهوية حتى وصولها مرحلة النضج أن تتحلل من " كل أشكال الثقل المتمثلة في ما يسمى بالتاريخية أو السيرة الذاتية بالمفهوم التقليدي" .
ومن جهته أعرب الروائي بنسالم حميش عن أسفه لعدم تواجد الرواية التاريخية بشكل بارز في المغرب مشددا أن على الروائي المغربي الذي يكتب في هذا الصنف الأدبي, الاهتمام أولا بتاريخه القطري من باب القرب والأولوية, وأن يكون على بينة من هذا التاريخ ليلتقط اللحظات القوية والمتوهجة فيه ويحولها إلى تحف روائية. وذهب إلى أنه يمكن توسيع مفهوم " التاريخية " ليشمل كذلك السيرة الذاتية التي تتناول تواريخ وأحداث تاريخية عاشها كاتب السيرة مع "وضع ضوابط لها". ونبه إلى أن " هناك (بالمغرب) تخمة على مستوى السيرة الذاتية" مما يستدعي "فتح ورش الرواية التاريخية التي تتناول فترات زمنية بشخوصها وأحداثها ومآسيها, والتي لا يمكن تملكها إلا بالمعرفة والخروج عن نطاق الذات ".
وعزا عدم لجوء الروائيين المغاربة إلى التاريخ المغربي المليء بالشخصيات التراجيدية وبالشخصيات الكبرى إلى عدم الإلمام بهذا التاريخ وإلى انعدام الفضول العلمي لديهم مشيرا إلى أنه يفكر حاليا في إنجاز عمل روائي تاريخي حول السلطان مولاي إسماعيل. ومن جهته لاحظ إبراهيم الخطيب أنه رغم اهتمام الرواية المغربية منذ بداياتها بالتاريخ الوطني خاصة مع القصص القصيرة لمحمد بن عبد العزيز بن عبد الله التي استوحت تاريخ المغرب القديم في بث الروح الوطنية لمقاومة المستعمر فإن هذا الاهتمام لم يبرز إلا بعد مرور فترة طويلة عن الاستقلال وعلى "استحياء". وذكر في هذا الصدد رواية " العلامة " لبنسالم حميش التي استوحى فيها شخصية ابن خلدون والسياق التاريخي الذي عاش فيه ورواية " خطبة الوداع " لعبد الحي المودن التي حاولت إعادة النظر بشكل روائي في تاريخ المغرب خلال الفترة من1967 إلى2000 .
وأكد الخطيب أن الرواية المغربية حاولت دائما الاقتراب من التاريخ لأهداف تتعلق إما بالروح الوطنية أو لانتقاد التاريخ الحديث .
وحسب إبراهيم الخطيب فإنه لا يمكن نزع مفهوم " التاريخية " عن كتابة السيرة الذاتية باعتبار علاقتها الوطيدة بالسياق التاريخي مستشهدا بالسيرة الذاتية من ثلاثة أجزاء لعبد القادر الشاوي " دليل العنفوان " و" دليل المدى " و" كان وأخواتها " التي يحكي فيها الكاتب عن طفولته ودراسته , وعن "نضاله السياسي واعتقاله" و" التعذيب الذي تعرض له في السجن". وأوضح بالمقابل أن محدودية الإنتاج في الرواية التاريخية بالمغرب والعالم العربي مردها الحذر من الاقتراب من هذا الصنف الأدبي لما يقتضيه من بحث وإلمام كبير بالتاريخ, وصعوبة تحويله إلى أعمال روائية ممتعة.
ومن جانبه قال سعيد يقطين أن الرواية المغربية التي كانت متأخرة في الظهور بالقياس للرواية العربية ارتبطت في بداياتها خلال الستينات ارتباطا وثيقا بالتاريخ من جهة وبالذات من جهة أخرى حيث صدرت نصوص أدبية عكست هذا الارتباط منها رواية " وزير غرناطة " لعبد الهادي بوطالب. وعملت الروائية المغربية كذلك - يضيف سعيد يقطين - في مرحلة ثانية مع أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي على التفاعل مع التراث المغربي, والبحث في التاريخ المغربي والعربي عامة, عن مادة متميزة للتعبير عن مشاغل ومشاكل العصر الحديث كما هو الشأن في رواية " رحيل البحر " لعز الدين التازي.
واستدرك أنه لا يمكن وصف هذه النماذج بالرواية التاريخية التي لم تبدأ إلا في مرحلة لاحقة دشنتها تجربة بنسالم حميش الذي كتب فعلا روايات تاريخية وبالأخص " الحاكم بأمر الله " والعلامة " و" مجنون الحكم " وكذلك تجربة أحمد التوفيق في " جارات أبى موسى " .
واعتبر أن السيرة الذاتية التي تدعي لنفسها بأنها نوع من الرواية التاريخية هي " كتابة غير سوية أو هجينة " لكونها تزاوج بين ما هو ذاتي وما هو تاريخي .
ومن بين الإشكاليات التي تواجه الرواية التاريخية في المغرب-يضيف يقطين- ضعف علاقة الكاتب المغربي بتاريخ البلاد وغياب الاهتمام بالتاريخ كعلم وكذا ندرة مراكز البحث في التاريخ القديم التي يمكن للكاتب أن يستفيد من أبحاثها مما يضطره إلى القيام بما يشبه الحفريات حتى يلم بتاريخ بلاده ويجعل عمله مضاعفا يجمع بين عمل المؤرخ وعمل الروائي .
- آخر تحديث :



التعليقات