قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



هل الاسلام هو الحل ؟


" الاسلام هو الحل " كان هو الشعار الذي رفعته حركة الاسلام السياسي في مصر في السبعينات والثمانيات من القرن الماضي. وكنت تري اللافتات الضخمة تحمل هذا الشعار في مختلف الاحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الاخري، واصبح الشعار هو – في جملة واحدة – البرنامج السياسي – الديني – الذي تطرحه حركة الاسلام السياسي للشارع العربي – ابتداءً من مصر، مهدها ومنبعها الاساسي، وحركة الاسلام السياسي هذه تضم كبري الحركات الاسلامية واقدمها – وهي جماعة الاخوان المسلمين، بالاضافة الي من خرج من تحت جلبابها من جماعات اخري اكثر تشددا وتطرفا مثل جماعة الجهاد وجماعة التكفير والهجرة وغيرها.
وتحت ثقل الشعار الديني المطروح، والجماعة التي تقف وراءه، وبتأييد ضمني من اكبر رأس في البلد في ذلك الوقت – الرئيس السادات – الذي اعلن انه رئيس مسلم لدولة مسلمة – ولقب نفسه بالرئيس المؤمن "- وكأن من كان قبله من رؤساء لم يكونوا مؤمنين ولا مسلمين !!- تحت ثقل هذا كله لم يجرؤ احد في مصر علي مناقشة – مجرد مناقشة – هذا الشعار المطروح ووضعه تحت مجهر التفكير النقدي العقلاني لفهم معناه او جدواه او مداه.
وكعادة حالات الهوس الديني التي تصيب الافراد والمجتمعات فقد راحت الحالة الدينية في مصر في تلك الحقبة تتفاقم بالتدريج، اذ ان المهووس دينيا لا يشبعه سوي مزيد من الهوس، وعليه فقد راح التمسك الديني يتحول تدريجيا الي تشدد ديني... ثم يتحول التشدد الديني تدريجيا الي تطرف ديني.. وعندها يبدا المقدس في الامساك بالمسدس، وهو ما حدث فعلا بدءاً باغتيال الرئيس المؤمن نفسه، الذي لم يعد ايمانه يكفي هذه الجماعات التي انقطعت عن العالم والعصر تماما – كعادة المتهوس دينيا – وراحت تعيش في كهوف الأسلاف متوهمة ان هذه هي اعلي مراتب التقوي، وراحت تكفر كل من لا يعود معها الي تلك الكهوف.. فقامت بتكفير الدولة والمجتمع والنظام والثقافة والفنون والعلوم ورجال الدين المسلمين انفسهم وبالطبع الاقباط مع او قبل هؤلاء جميعا.
وكان الخطأ الاعظم لنظام السادات ثم مبارك من بعده هو مجابهة هذه الجماعات مجابهة امنية فقط دون اي مجابهه فكرية قوية تدحض فكرهم المتطرف البعيد عن الواقع والحياه والانسان..دون ان تطرح في الساحة فكرا بديلا ومشروعاً مقابلا.. فليس بالمسدس وحده يمكنك ان تتصدي لتطرف المقدس ولمسدسه، فهو لا يحاربك بالمسدس فقط وانما يحاربك بالمسدس الملفوف في ورق المقدس.. فهو يحارب بالشعار بقدر ما يحارب بالنار، ويحارب بالفتاوي والايات بقدر ما يحارب بالرصاص والسيوف والمفرقعات.. ولذلك لا تستطيع ان تتصدي له بالحل الامني وحده.. فاذا كان يطرح شعار " الاسلام هو الحل " فما هو شعارك البديل لهذا ؟
لم يطرح النظام المصري اي شعار بديل.. فشعار " السلام " الذي طرحه السادات شعار جميل لكنه خارجي فقط. فـ " الداخل " يريد حلولا اخري.. وشعار " الإنفتاح " هو شعار تجاري بحت تحول بسرعة الي ( السداح مداح ) او الإنفلات والسرقة والنهب، اما نظام مبارك فلم يستطع طرح اي شعار. وكان الخواء الفكري والثقافي للنظامين عاملا اساسيا في فشلهما في التصدي لاصحاب " الاسلام هو الحل " ومن وراسه من حركات اسلامية متشدده ومتطرفة. بينما كان النجاح الهائل الذي حققه قبلهما عبدالناصر في التصدي لحركات الاسلام السياسي يرتكز اساسا علي انه بالاضافة الي التصدي امنيا استطاع ان يطرح مشروعا بديلا وان يقدم منظومة كاملة من التطور الاجتماعي والثقافي استطاع بها ان يستقطب احلام وامال الشباب، وهو ماسأعود له بعد قليل.
ولكن كيف يمكن لاحد ان يتصدي لمناقشة شعار مثل " الاسلام هو الحل " ؟
وكيف يمكن لمثلي علي الاخص – كمثقف مسيحي قبطي – ان يناقش شعاراً عن الاسلام ؟ وماذا يمكن ان نقدم من فكر لمن يطرحون علينا هذا الشعار ؟
المشكلة فيما اقرأه من الكثير من الحوارات المتعلقة بالاديان، ان الحوار سرعان ما يتحول الي صراخ وتشنج ينحدر بسرعة الي تبادل الاتهامات واحيانا ينحدر اكثر الي درك تبادل الشتائم والتعدي علي حقوق الاخرين او علي اديانهم، وبهذا لا يحقق مثل هذا النوع من الحوار سوي زيادة السخط والاحباط والفرقة دون التوصل الي اي حلول عملية تفيد المواطن والمجتمع.
ولكن هذا لا يجب ان يمنعنا من مناقشة اي شعار – او فكرة – او برنامج – يتم طرحه علينا بشكل علمي لان دور الكاتب هو القاء الضوء علي هذه الشعارات والافكار المطروحة ومساعدة القراء علي تمحيصها وفهمها وتحليلها توصلا الي الحكم بمدي جدواها، ولذلك فليس من المفروض ان يتهرب الكاتب المثقف، ولا النظام كله، من التصدي لمناقشة اطروحات حركات الاسلام السياسي وفحص ما بها من صالح وطالح.
حينما يطرح انسان – او حركة – او جماعة – علينا شعارا مثل " الاسلام هو الحل " يكون ردنا اولا هو طلب ايضاح.. علي شكل سؤال يقول " الاسلام هو الحل لماذا بالضبط ؟ فاذا كان المقصود ان الاسلام هو الحل لاحتياجات ومتطلبات ومشاكل المسلمين الروحية الدينية.. فإن ردي كمسيحي هو ان هذا امر يخص المسلمين المؤمنين وحدهم، ليس لي دخل به وليس لي ان ادلي فيه برأيي لانه لا يتعلق بي.. وان كنت استطيع ان اقول انه في هذه الحالة - وبالمقارنة مع حالة الاديان الاخري والمؤمنين بها – فان الشعار يبدو طبيعيا ومن الطبيعي والمعقول ان يؤمن المسلمون ان الاسلام – الدين الذي يؤمنون به – هو الحل لكافة احتياجاتهم الدينية الروحية.. هنا الأمر يبدو بديهيا – وعكسه لا يكون معقولا.. اي انه ليس من المعقول ألا يعتقد المسلمون ان الاسلام هو الحل لمشكلاتهم واحتياجاتهم الروحية والدينية.
اما اذا كان المقصود من الشعار ان الاسلام هو الحل لكافة مشكلات واحتياجات المجتمع كله، والدولة ومن فيها.. ليس في الجوانب الدينية فقط ولكن ايضا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. فعندئذ يصبح الأمر من الامور التي تهمني وتهم كافة المواطنين مسلميناً واقباطا، لاننا هنا اصبحنا نتكلم عن الوطن والدولة والمواطنين واحتياجاتهم والمجتمع واحواله الاقتصادية و الثقافية والتعليمية والفنية والأسرية الي اخره.. وهذه كلها تشكل حياه المواطن في وطنه.. فاذا قلنا ان الاسلام هو الحل لكافة احتياجات المواطن في وطنه فنحن هنا نخلط الدين بالسياسة وانت هنا وبهذا تطرح شعارا سياسيا وليس دينيا فقط ومادام الشعار سياسيا فمن حق كافة المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، التصدي له بالنقاش والتمحيص والقبول او الرفض.
وهكذا نري ان طرح الشعار بالشكل العام غير المحدد الذي طرحته به الحركات الاسلامية يجعل الأمر ملتبسا وصعبا وغير قابل للاجابة السهلة، وربما كان ذلك مقصودا، فالحركات الاسلامية بحكم فكرها الديني المتشدد تريد ان يتصور المواطنون ان حل جميع مشاكلهم الدنيوية والسياسية والاقتصادية والثقافية يجب ان يكون حلا دينيا، وبالتالي يذهبون اليهم هم طلبا لهذا الحل لانهم هم اهل الدين الذين لديهم الحل والربط. فالمقصود اذن بالشعار الهلامي الفضفاض ان تقدم الحركات الاسلامية نفسها للجماهير علي انها وحدها المالكة لمفاتيح الدنيا والاخرة معاً. وان الحل الذي لديها هو الحل الاشمل لكافة احتياجات البشر.. وهو نفس الفكر الذي يصر دائما علي ان النصوص المقدسة هي ايضا رموز ونصوص العلوم لكافة مناهجها من طب الي صيدلة الي فلك الي كيمياء الي هندسة الي حساب.. ويجهدون في تحميل النصوص مالا تحتمل من التفاسير الملتوية لتطويع العلوم الدنيوية الي النصوص الدينية رغم ان هذه النصوص الدينية نفسها تقول لهم في اكثر من مكان ان البشر هم العارفون بامور دنياهم وتحثهم علي طلب العلم ولو في الصين اي خارج النصوص التي يحصرون عقولهم فيها لعدم فهمهم لها.
كان المفروض اذن ان تقوم الدولة في السبعينات والثمانينات والي اليوم بالتصدي لمثل هذه الشعارات الفضفاضة بفكر مقابل يحترم الدين ولا يستخدمه اداه للاغراض السياسية.. في نفس الوقت الذي تطرح فيه فكرا بديلا يقدم للشباب وعدا بحياة اكثر جمالا وعدلا ونقاءً وتوثباً وانتاجا وابداعاً. ولكن ضعف الموهبة والكفاءات القيادية بشكل عام في العهدين الساداتي والمباركي لم يمكن الدولة من تقديم هذا البديل الفكري الثقافي بشكل فعال يمكنه من طرد خرافات المتهوسين التي لم يكن لها وجود يذكر في العهد الناصري.
فاذا عدنا للحديث عن العلمانية.. نقول ان العهد الناصري استطاع ان ينجح في تقديم علمانية عربية كاملة شاملة. وان يحقق بها نهضة مدهشة في المجالات الاجتماعية والثقافية بالذات وفي مجالات التنمية في خلال فترة خمسة عشر عاما من عام 52 والي عام هزيمة 67 ويدهشني كثيرا ان كل من يكتب عن العلمانية في مصر والعالم العربي يمر مرور الكرام علي هذه النقطة، او يتجاهلها تماما لإسبابٍ ايديولوجيةٍ اذا ما كان معاديا للناصرية وبذلك يسيء الي التاريخ والمستقبل معا، لانني اقول ان العهد الناصري في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي - وهي فترة عشتها حتي الثمالة في مدارس وجامعات مصر واعرفها جيدا - هي فترة كانت فيها العلمانية مطبقة ومزدهرة ومثمرة في طول انحاء مصر وفي كافة قطاعاتها – وباستثناء جماعة الاخوان المسملين بالطبع – اقبلت عليها مصر وتقبلتها تقبلا طبيعيا تلقائيا بلا جدال او ضجيج كبير.. ولا يمكن لانسان يعي ما حوله عاش تلك الفترة إلا ويعرف ان مصر كانت في ذلك العهد مجتمعا علمانيا تماما يفصل بين الدين والسياسة بشكل كامل فلم يكن عبدالناصر يستهل كل خطاب له الا بكلمة : ايها الاخوة المواطنون.. لم يكن يستدعي اسم الجلالة في كل مناسبة وبدون مناسبة، لم يرغم احد نساء مصر في عهده علي التقمط بالحجاب، بل حدثت في عهده حركة تحرر للمرأه علي مقاييس عالمية.. اذ اصبحت المرأه في عهد عبدالناصر وزيرة..وكانت المرأه تدلي بصوتها كل مجال.. وكانت السينما والفنون والمسارح والمعارض عامرة بالفن المتحرر الذي يبدعه الفنانون والفنانات ولم يستطع صوت جاهل ان يرتفع قائلا ان الفن حرام... ولم تكن الجرائد الرسمية او التليفزيون – قد تحولت الي منبر منافس لمنابر الجماعات الاسلامية في التشدد الديني، فقد كانت هناك مجلات دينية متخصصة ولكن لم يكن للفكر الديني ذلك الطغيان الذي حدث بعد ذلك وحتي اليوم – والذي رايناه ينجح تدريجيا في تحجيب المرأه وتحريم الفن وخلط العلم بالخرافة وحشر الفتاوي في كل مناحي الحياه مما ادي الي انحدار المجتمع الي اسفل درجاته في كل شيء.
ولمن لا يعرف ما هي العلمانية التي نتكلم عنها نقول ان لا علاقة لها بالإلحاد علي الاطلاق وانما هي فكرة وممارسة فصل الدين عن السياسة، فليس العلماني ملحدا ولا كافراً. ولم يكن عبدالناصر ملحدا ولكنه فقط ترفع عن استخدام الدين كأداة سياسية.- إلا ان سجنه وتعذيب نظامه للكثيرين من الاخوان ومن الشيوعيين ومن غيرهم هو جريمة لا يجب ان يبررها احد - وما هدفي من العوده الي العهد الناصري هنا إلا لأوضح لمن لا يعرف اولا ان العلمانية نجحت وازدهرت في مصر علي مدي عقدين من الزمان ولاول مرة علي مستوي الطبقة الوسطي والشعبية ايضا حيث اختفت الخرافات التي تتوشح بالدين واختفي العرافون والمنجمون وشيوخ الطب المزيف وشربة الحاج محمود وبقية الخرافات.. واستطاعت العلمانية في فترة وجيزة ان تقضي علي عادات اجتماعية خطيرة كانت متأصلة مثل عادة الاخذ بالثار في الصعيد، وعادة تزويج البنات رغم ارادتهن.. وحققت ذلك عن طريق اعظم واشمل واجمل حركة نهضة فنية في جميع المجالات من سينما ومسرح وتليفزيون الي مجلات ثقافية وفنون تشكيلية ورقص شعبي وابداع ادبي وشعري علي يد المئات والمئات من المبدعين المصريين الذين راحوا يتفتحون كالزهور علي ارض مصر في كافة ارجاء الوادي.
nbsp;وما اريد قوله هنا هو ان نجاح العلمانية في مصر الي تلك الدرجة الهائلة وعلي اوسع نطاق شعبي في تلك الفترة يعني انه يمكنها ان تنجح مرة اخري في مصر وفي البلاد العربية – فالمصريون اذن ليسوا معادين للعلمانية ولا هم في خصومة تراثية معها بل حققوا بها نهضة اضاعتها بعد ذلك تماما حركات الهوس الديني المعادية للحياه وللفنون وللابداع وللعلم وللفكر.. لا يصح ان نرفع رايات الاستسلام امام حركات اصابت مصر باعظم الضرر وارجعتها قرونا الي الوراء الي ما قبل قاسم امين والطهطاوي وعبده، بل الي ما قبل ابن رشد.. بينما كانت لنا في مصر تجربة نهضوية علمانية باهرة في العهد الناصري التي يجب ان نفتخر بها دون ان نقبل ما بها من اخطاء غياب الديمقراطية والسجون والتعذيب والمغامرات العسكرية الخارجية. وما دامت العلمانية قد نجحت في النهوض بنا بهذا الشكل الجميل مرة فهي تستطيع تكرارها اذا ما قدم المفكرون والكتاب فكرا بديلا نبيلا جميلا يطرد فكر الخرافة والتشدد والعنف من الشارع المصري والعربي.. ولا يكون كل ما يقدمونه هو فقط التهجم والشجب والشتيمة او المطالبة بالاقصاء وبالحلول الامنية القاصرة.
[email protected]