مثلما كانت شخصية اللواء غازي كنعان وزير الداخلية السوري مثار جدل، خاصة عندما كان الحاكم الفعلي للبنان لاكثر من عشرين عاما بحكم قيادته لجهاز الاستخبارات السوري فيه، فان انتحاره سيكون اكثر اثارة للجدل، لان الانتحار ليس من سمات القيادات العسكرية او الامنية العربية، والسورية منها علي وجه التحديد.
الذين عرفوا اللواء كنعان وتعاملوا معه، يؤكدون ان الرجل يتمتع بدرجة كبيرة من الصلابة، ومر بظروف صعبة للغاية واجهها بشجاعة واعصاب فولاذية، ولهذا فان نظرية انتحاره تظل موضع شكوك الكثير من المراقبين.
هناك اربعة سيناريوهات متداولة حاليا في الاوساط السورية واللبنانية حول هذه الحادثة المفاجئة لا بد من طرحها لالقاء المزيد من الضوء عليها ومحاولة تحسس الاسباب والدوافع لعملية الانتحار او النحر اذا جاز التعبير.

السيناريو الاول: يقول ان اللواء كنعان اصيب بحالة من الاكتئاب المزمن بسبب انهيار المشروع السوري في لبنان الذي عمل علي بنائه وتعزيزه طوال العشرين عاما من خدمته.

السيناريو الثاني: حدوث صراع اجنحة داخل النظام السوري، بلغ ذروته مع اقتراب موعد اذاعة نتائج تحقيقات القاضي الالماني ميليس حول جريمة اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان الاسبق. وقرر احد الاجنحة النافذة اعدام اللواء كنعان، وتقديمه ككبش فداء للادارة الامريكية لامتصاص اي نتائج تدين سورية او بعض رجالها، يمكن ان يكشف عنها تقرير ميليس.

السيناريو الثالث: ان تكون بعض الاطراف الامنية السورية النافذة اكتشفت وجود اتصالات بين الادارة الامريكية واللواء كنعان لترتيب انقلاب داخلي يطيح بالنظام الحاكم الحالي، ويتولي تغيير السياسات السورية بما يلبي المصالح الامريكية في تعاون سوري اوثق في الملفين العراقي والفلسطيني، ولهذا تقرر التخلص منه مبكرا.

السيناريو الرابع: ان يكون النظام السوري ادرك ان اللواء كنعان سيكون اول المطلوبين للتحقيق كمتهم في جريمة اغتيال السيد الحريري، وانه سيضطر الي تسليمه لجهة خارجية، وبالتالي يفقد السيطرة عليه كليا، الامر الذي قد يدفعه للادلاء بالكثير من المعلومات التي تدين النظام السوري وتكشف دوره في دعم المقاومة العراقية، او التورط في عمليات اغتيال في لبنان لشخصيات رئيسية مثل السيد كمال جنبلاط، بشير الجميل، حسن خالد، والرئيس رينيه معوض، علاوة علي اغتيال الراحل الحريري، ولهذا جري نحره بهذه الطريقة الدرامية.

ويبدو من الصعب، او من المبكر، ترجيح اي من هذه السيناريوهات الاربعة، لان المعلومات التي رشحت حول هذه المسألة تبدو ضئيلة للغاية، خاصة من الجانب الرسمي السوري، كما ان التركيز علي الحديث الذي ادلي به الي راديو صوت لبنان ودافع فيه عن نفسه، وفند الاتهامات الموجهة اليه حول تلقيه اموالا من الحريري، يساهم في عملية التضليل وحالة الغموض الراهنة.
فقوله ان هذا آخر حديث يدلي به لا يعني انه كان قد عقد النية علي الانتحار، ويمكن تفسير هذا القول بان الرجل قرر عدم الحديث لوسائل الاعلام حول هذه المسألة في المستقبل منعا للقيل والقال، وحرصا علي سرية التحقيقات، مضافا الي ذلك انه رجل استخبارات، وكان دائما بحكم وظيفته مقلا في الاحاديث الصحافية، وحريصا علي البقاء في الظل.
وسواء انتحر اللواء كنعان او نُحر فان وفاته هذه لها علاقة مباشرة بتقرير ميليس. وستؤشر بطريقة او بأخري الي وجود علاقة سورية بجريمة اغتيال الحريري، ويظل السؤال عما اذا كانت هذه العلاقة مباشرة او غير مباشرة، ومن مسؤولية افراد ام نظام، واذا كانت مسؤولية نظام فاين حدود هذه المسؤولية، وهل تقتصر علي اجهزة ام قيادة عليا؟
انتحار اللواء كنعان اضاف عنصر قلق جديد للنظام السوري، وكشف بطريقة او باخري عن بداية تصدع امام العزلة العربية والدولية والضغوط الامريكية.