بما ينسجم مع أهداف رؤية 2030 في خدمة ضيوف الرحمن وتنويع الاقتصاد، المدينة المنورة التي حققت إنجازات نوعية مبكرة عكست تسارع التنفيذ وجودة المخرجات. فقد أسهمت مشاريع التطوير الكبرى في رفع الطاقة الاستيعابية للزوار، وتحسين منظومة الضيافة والخدمات، وتطوير البنية التحتية والمشهد الحضري، مع تعزيز أنسنة المدينة والاستدامة البيئية.

هذه التحولات عززت مكانة المدينة المنورة الدينية والثقافية، ورفعت جاهزيتها لاستقبال أعداد متزايدة من الزوار، بما يدعم الاقتصاد السعودي ويحقق مستهدفات الرؤية قبل موعدها. ويستدعي هذا التقدم البناء على ما تحقق عبر إطلاق خطة عشرية متخصصة تُعظّم الأثر التنموي، وتضمن استدامة التطوير، وتُرسّخ المدينة المنورة كوجهة إسلامية ثقافية عالمية تجمع بين الحداثة والهوية.

يُقدَّر عدد المسلمين في العالم بنحو 2.4 مليار نسمة، أي نحو 30.5% من سكان العالم، وهم أسرع الفئات السكانية نموًا، ويتركزون بشكل رئيسي في آسيا وإفريقيا، مع امتدادات متزايدة في أوروبا والأمريكتين. استهداف 5% فقط من مسلمي العالم يعني مخاطبة شريحة تتجاوز 120 مليون إنسان.. زائرين، مستثمرين، طلاب علم بأنواعه المختلفة، رواد أعمال، عائلات تبحث عن الاستقرار، والهوية، والفرص.

هذه الخطة العشرية يجب أن تُبنى على شراكة حقيقية يقودها القطاع الخاص حيث يكون المطوّر والمستثمر شريكًا في الرؤية والتنفيذ، لا مجرد ممول. بنية تحتية حديثة، إسكان متنوع، فنادق بمستويات مختلفة، تعليم نوعي، سياحة ثقافية وروحانية، وصناعة قائمة على القيمة المضافة. حلقات في سلسلة واحدة، لا تنجح إلا بتكاملها... فالعالم اليوم يُسَوَّق بالمشاعر قبل الكتيبات.

وهنا يأتي الدور المحوري للمؤثرين الاجتماعيين المحليين والمؤثرين الموجودين في الدول الإسلامية، الذين يمتلكون صدقية التجربة وقوة التأثير. حملات إبداعية تنطلق من أذان الفجر الأول، من تفاصيل الحياة اليومية، من الطرق، المساجد، المباني القديمة، ومن الوجوه والقصص. تروي الحكاية لا تبيع المنتج .

هذا النوع من التسويق لا يصنع ضجة عابرة، بل يبني ارتباطًا وجدانيًا طويل الأمد، المدينة المنورة تقدم نموذجا ومثالًا حيًا لما يمكن أن تكون عليه الوجهة الجاذبة حين تلتقي الأصالة بالتطوير.

مدينة الإيمان والسكينة، التي تحتضن المسجد النبوي الشريف، وتغمر زائرها طمأنينة لا تُنسى، تشهد اليوم مشاريع نوعية في البنية التحتية، وتأهيل المواقع التاريخية، وتطوير الأحياء، وإثراء تجربة الزائر ثقافيًا وروحيًا. من المساجد التاريخية إلى الطرق الحديثة، ومن المجالس الأدبية إلى المشاريع السياحية والفندقية، تتشكل منظومة متكاملة تُظهر كيف يمكن للتطوير أن يحفظ الهوية ويعززها في آن واحد.

الخطة العشرية المنشودة ليست مشروع حكومة فقط، ولا مبادرة قطاع خاص فقط، بل تحالف وطني اقتصادي يُحسن قراءة الديموغرافيا الإسلامية، ويستثمر في القيم المشتركة. الإيمان، السكينة، التعليم، العائلة، والعمل. حين يشعر المستثمر والزائر أن المكان يشبهه ويحترمه ويمنحه معنى، يتحول الاستثمار من قرار مالي إلى التزام طويل الأمد.

إنَّ بناء وجهة عالمية جاذبة للمسلمين.. وللعالم لا يبدأ من الأبراج وحدها، بل من الرؤية، ولا ينجح بالإنفاق فقط، بل بالشراكة، ولا يُسوَّق بالإعلانات الصاخبة، بل بالقصة الصادقة. وخلال 10 سنوات من العمل المتراكم ، يمكن لمنظومة كهذه أن تتحول إلى نموذج عالمي يُحتذى، واقتصادٍ نابضٍ بالحياة، يعتمد على القطاع الخاص، ويستمد قوته من الإنسان قبل كل شيء.