على رغم التلويح الأميركي بعمل عسكري ضد إيران بسبب قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات المستمرة منذ 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي، فإن كلام الرئيس دونالد ترامب يبقي على الخيار الديبلوماسي مفتوحاً. وهذا ما يفسر قوله إن المسؤولين الإيرانيين اتصلوا بواشنطن طالبين عقد اجتماع، وبأنه لا يمانع في ذلك. الحديث عن الاجتماع ترافق مع رفع ترامب التهديد بضربة أميركية جديدة لإيران إلى مستوى أعلى، مع تحديد اليوم موعداً لمشاورات يجريها مع مساعديه الكبار السياسيين والعسكريين، لاتخاذ قرار في شأن السبل التي يمكن أن تساعد فيها الولايات المتحدة المتظاهرين الإيرانيين. ومبادرة ترامب إلى الاتصال بإيلون ماسك، رئيس شركة "سبيس إكس" التي تقدم خدمات "ستار لينك"، هي خطوة أولى لتمكين الإيرانيين من استئناف الاتصال بالعالم الخارجي، في ظل قطع الحكومة خدمة الإنترنت منذ أيام. وحرص ترامب على التأكيد أن الضربة لإيران قد تحصل بمعزل عن الاجتماع مع المسؤولين الإيرانيين. وهذا من باب زيادة الضغط على طهران، في أدق لحظة يواجهها النظام منذ حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل على إيران في حزيران/يونيو الماضي، وشاركت أميركا فيها بقصفها للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. ومذذاك، لم يحصل أي اتصال أميركي-إيراني مباشر أو غير مباشر. أميركا وإيران اليوم في موقعين مختلفين. ترامب متشجع بالعملية العسكرية الخاطفة في فنزويلا التي أسفرت عن القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، وعن اتجاه خليفته ديلسي رودريغيز إلى التعاون مع واشنطن، بينما يكثف الضغط على الدنمارك كي تتنازل عن جزيرة غرينلاند قرب القطب الشمالي، مبيعاً أو بالقوة. أما إيران، فهي في موقع أضعف بعد حرب حزيران، وبعدما حدّت الحروب الإسرائيلية مدى عامين من قدرات حلفائها في المنطقة، إلى خسارتها سوريا التي كانت مركز ثقل لا يعوض في النفوذ الإقليمي لإيران منذ 1980. مشاركون في مسيرة دعم للاحتجاجات الإيرانية في لوس أنجلوس. (أ ف ب) وانعكس ذلك كله مزيداً من الأزمات الاقتصادية في الداخل، وتدهوراً غير مسبوق في سعر العملة الوطنية في مقابل الدولار الأميركي. والالتفاف الوطني الذي ظهر خلال الحرب الإسرائيلية-الأميركية تبدد تحت وطأة الضغوط المعيشية. ويعتقد الباحث في مركز كارنيغي للسلام الدولي كريم سادجادبور أن تلك الحرب أعطت النظام "نشوة سكر موقتة". وبعد الحرب لم يقدم النظام على تغيير في سياسته الخارجية، ولا على إصلاحات في الداخل. وكان لهذا الجمود تأثيره في دفع المتظاهرين مجدداً إلى الشوارع، في ظروف إقليمية ودولية متغيرة. ومع ذلك، فإن الانخراط الأميركي في الجهود لإحداث تغيير في إيران له حسابات أكثر تعقيداً بكثير من تلك المرتبطة بالتغيير في فنزويلا. ويهدد المسؤولون الإيرانيون بالرد بقوة على أي ضربة أميركية. وعندما أمرت إسرائيل بفتح الملاجئ في تل أبيب، فإن ذلك يعني استشعاراً بخطر انفجار حرب إقليمية جديدة. وحذر رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أميركا من "سوء التقدير". وإذا كان ترامب لا يريد تفجر حرب في الشرق الأوسط، فإنه في الوقت نفسه يريد التقاط لحظة الاحتجاجات في إيران، ليضغط أكثر على النظام كي يقدم على تنازلات تتعلق قبل كل شيء بالسياسة الخارجية، أكثر بكثير مما تتعلق بالديموقراطية في الداخل الإيراني. وفنزويلا تشهد على ذلك. لا تزال واشنطن عند نقطة تغيير سلوك النظام، وليس تغيير النظام بالكامل وتحمل التبعات. ناهيك بأن البيئة السياسية والاستراتيجية التي واكبت التحرك الأميركي في فنزويلا تختلف أشد الاختلاف عن تلك المحيطة بإيران. وربما لهذا قد تكون العودة إلى الحوار مخرجاً مناسباً لكلٍ من واشنطن... ولطهران.