نهاية العام الماضي 2025، سعد المسرحيون بـ»مهرجان الرياض للمسرح» في دورته الثالثة، ليس بوصفه فعالية عابرة بل بوصفه حدثًا بات يشكّل علامة مهمة في مسار المسرح السعودي، فما زال صداه يتردد سيما بعد إعلان نتائجه، تلك النتائج التي تباينت حولها الآراء فمنهم من رضي بها ومنهم من لم يرضَ، وهذا أمر طبيعي في أي مهرجان مسرحي تحكمه لجان التحكيم، لكن كان هناك إجماع ضمني من أعضاء الفرق المشاركة على الفرح باستمرارية المهرجان والامتنان للدعم الذي حظوا به، والإيمان بأن هذا الحدث يشكّل مساحة حقيقية للتعلّم وتبادل الخبرات وتقديم مزيد من العطاء الفني، وخلال المهرجان وخصوصاً في الندوات التطبيقية والورش المسرحية، تكرر الخطاب القديم الذي اعتدنا على سماعه منذ الأزل، والذي يتضمن تساؤلاً عن وجود أزمة إما في «النص، أو الإخراج، أو الممثل»، وهو خطاب لم يعد مناسباً للمرحلة الراهنة، خاصة في ظل الدعم السخي والجهود الواضحة التي قدّمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية بوزارة الثقافة، فقد أطلقت الهيئة مسابقة للتأليف المسرحي منذ سنوات مضت، نتج عنها ظهور عدد كبير من النصوص الجديدة، كما أقامت الهيئة مشكورة بتنظيم دورات وورش مسرحية متخصصة للمخرجين واعداد الممثلين، الأمر الذي أسهم في رفع مستوى الوعي والتأهيل الفني، وبالتالي لم يعد من المنطقي الحديث عن «أزمة» في النص أو الإخراج أو الأداء التمثيلي وحتى عناصر العمل المسرحي الأخرى، حيث توفرت الفرص واستمر الدعم وارتفع مستوى التأهيل الفني، الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها بوضوح هي أن الأزمة الحقيقية –إن وُجدت– تكمن في العرض المسرحي الذي ما زال في كثير من الأحيان يتم تقديمه في الشكل والمضمون بما لا يتوافقان مع البيئة المحلية ولا يلامسان المجتمع بشكل صادق، إذ يلجأ بعض الكتّاب والمخرجين والممثلين إلى استلهام أفكارٍ تجريدية أو تجريبية أو تغريبيه لنصوص عالمية، تُعد وتُقدَّم بمعزل عن السياق الاجتماعي والثقافي المحلي، فتبدو العروض منفصلة عن الجمهور، غير قادرة على التواصل معه أو جذبه، ليس الإشكال في التجريب بحد ذاته فالتجريب ضرورة فنية، لكن الإشكال حين يتحول المسرح إلى قطيعة مع المجتمع والجمهور، عندها يصبح العرض المسرحي هلامياً عبثياً لا معنى له، يخرج منه المتفرج دون أن يتفاعل أو يتأثر أو يرغب في العودة لمشاهدته مرة أخرى، من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى أن يخرج المسرحيون من هذه الدائرة المغلقة، وأن يتجهوا إلى استلهام موضوعاتهم من البيئة المحلية، من الإنسان وهمومه اليومية ومن تحوّلات المجتمع وأسئلته، وأن يقدموا مسرحاً اجتماعيًا واعيًا يحترم ذائقة الجمهور ويخاطبه دون استعلاء أو تعقيد مفتعل، فالمسرح الذي نطمح إليه هو مسرح يجد فيه الجمهور نفسه، ويشعر بأنه معنيّ بما يُقدَّم على الخشبة، مسرح حيّ ومتجذر في الواقع لا مسرحًا منفصلًا عنه، عندها فقط يمكن لمهرجان الرياض للمسرح أن يكون ليس مجرد حدث سنوي، بل رافعة حقيقية لمسرح سعودي قريب من الناس وقادر على الاستمرار والتأثير.