قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حوار مع الباحث اللبناني سماحة الخوري (3/3)


حاوره حيان نيوف: سماحة الخوري، أكاديمي لبناني بارز، ومن الوجوه الثقافية العربية المعروفة في فرنسا. ولد في الطيبة بلبنان عام 1948، وهو بروفسور في جامعة بوردو الثالثة ورئيس قسم الدراسات العليا ( الدكتوراه ) ومدير مركز الدراسات العربية والإسلامية في جامعة بوردو. حاصل على شهادة دكتوراه حلقة ثالثة في علم الاجتماع ( جامعة بوردو الثانية ) ودكتوراه دولة في علم الاجتماع السياسي ( جامعة تولوز ). هنا الحلقة الثالثة والأخيرة من حوارنا معه:

* كيف تصف لنا واقع الدراسات العربية والإسلامية في جامعة بوردو؟
- قبل الحديث عن واقع الدراسات العربية والإسلامية في جامعة بوردو، نود أن نذكّر بأن فرنسا كانت دائما، ومنذ الحملات الصليبية وحملة نابليون على مصر، تحرص على توطيد صلتها بالشرق وبالعالم العربي وتنظر إلى هذه المنطقة على أنها منطقة نفوذ لها -على الأقل في المجال الحضاري. فالاهتمام الفرنسي بالإسلام وحضارته عبّرت عنه حركة الترجمة للمخطوطات العربية والاهتمام المبكّر باللسان العربي وتشجيع الباحثين على خوض غمار الإستشراق. الواقع أن السبيل الأسهل لإنجاز هذه المهمة هو التمكن من اللغة العربية، لغة الوحي ولغة التراث العربي الإسلامي. لذا اهتم الفرنسيون بتعليمها للبعض من أبنائهم بهدف ترجمة ودراسة مخطوطات طبية وفلسفية ودينية وكان الصليبيون قد حملوها معهم من المشرق العربي.


* هل لديك أمثلة تاريخية على اهتمام الفرنسيين بالعربية؟
- في عهد الملك لويس الرابع عشر احتلت اللغة العربية المرتبة الثانية بعد اللغة التركية، وفي عهد الثورة الفرنسية تأسست مدرسة اللغات الشرقية التي اهتمت بالدرجة الأولى باللغة العربية الفصحى حيث بدأ تدريسها عام 1795، والعامية عام 1821. وفي أوائل القرن الماضي حظيت جامعة بوردو بأسقف Monseigneur لبناني يدعى ميشال فغالي وهو من الطائفة المارونية كرّس جهدا كبيرا لتعليم اللغة العربية في " معهد المستعمرات " Institut Colonial بداية ومن ثم في كلية العلوم الإنسانية لاحقا.


*من هو ميشال فغالي؟
- ميشال فغالي لم يكن مدرسا طارئا على مهنة التعليم بل كان صاحب خبرة واسعة اكتسبها في باريس حيث درّس العربية العامية في مدرسة اللغات الشرقية وشغل هذا الكرسي سنة 1929 إلى أن ألغي لأسباب اقتصادية سنة 1934. غير أن ميشال فغالي هذا استمر في تعليمه تطوعا من غير مقابل مدة إحدى عشرة سنة حتى وفاته عام 1947.خلال حوالي عقدين من الزمن ( 1930 – 1947 ) استطاع هذا الأسقف اللبناني القيام بمهنة تعليم العربية متنقلا بين باريس و بوردو، وأسهم في بناء جيل من الطلبة أكمل الطريق بعده. وفي نهاية الأربعينات تبيّن لإدارة جامعة بوردو أن الإقبال على تعلم اللغة العربية قد تخطى كل التوقعات فقررت توسيع أفق الإطلاع على التراث العربي والمباشرة بتدريس مواد جديدة كانت قد أدخلت على برامج التعليم. هذه الموضوعات الجديد تمحورت حول الفن العربي والتاريخ السياسي والاجتماعي لشعوب المغرب والأوضاع في سورية بعد الحرب العالمية الثانية.


* كيف انطلق الإستشراق في جامعة بوردو؟
- الإستشراق في جامعة بوردو اقتصر في بداياته ( 1920-1940 ) على تعلّم وتعليم اللغة العربية المحكية في بلاد الشام، التي كانت خاضعة آنذاك للانتداب الفرنسي. هذا الإستشراق كان استجابة لظروف الاحتكاك بين فرنسا وبعض البلدان العربية وتلبية لمصالحها وحاجاتها المختلفة كدولة انتداب في سورية ولبنان، ودولة وصاية في المغرب وقوة استعمارية في الجزائر.لم تعرف جامعة بوردو الإستشراق بالمعنى الكامل للمصطلح، أي الانشغال بدراسة الشرق تاريخا وثقافة ودينا ولغة، إلا في منتصف القرن الماضي حين أنشئ " معهد الدراسات الإسلامية ". هذا المعهد تولى الإشراف عليه مجموعة من المستشرقين نذكر منهم Dominique Soudel ، Hady Roger Idris، Marc Berge، Jacques Langhade. وكما تغيّرت أسماء المشرفين على إدارة هذا المعهد الاستشراقي تغيّرت أيضا تسمياته. فمن معهد للدراسات الإسلامية تحوّل، في أواخر الثمانينات، إلى معهد للدراسات العربية ليصبح، منذ منتصف التسعينات، معهدا للدراسات الشرقية حيث بدأ تدريس اللغة العبرية واللغة الفارسية إلى جانب اللغة العربية. التحول المهم الذي عرفه الإستشراق في بوردو حصل عام 1990 حين تم إنشاء " مركز للدراسات والأبحاث العربية والإسلامية " أرفق بعد ثلاث سنوات بإذن من وزارة التربية يخوّل هذا المركز الإشراف العلمي على الإطروحات الأكاديمية التي يتقدم بها طلاب الدراسات العليا.


*كم عدد الطلاب المسجّلين حاليا في هذا القسم؟
- حاليا عدد الطلاب المسجلين في هذا القسم للحصول على الدكتوراه يتعدّى السبعين طالبا وهم من جنسيات متنوعة ويعملون على موضوعات أدبية وفلسفية وسياسية عن العالم العربي.


*ما هي أبرز نشاطات المركز؟
-من النشاطات البارزة جدا، التي يقوم بها " مركز للدراسات والأبحاث العربية والإسلامية "، تنظيم المؤتمرات والندوات العلمية ودعوة المفكرين العرب لإلقاء المحاضرات والتعريف بالتراث العربي وشرح وجهة النظر العربية بمختلف القضايا السياسية التي يبقى أهمها على الإطلاق موضوع الصراع العربي الإسرائيلي.انطلاقا من هذه الاستراتيجية، تم نفض الغبار عن الدراسات الاستشراقية بجامعة بوردو،بحيث لم تعد دراسات متحفية تتعاطى فقط مع التراث العربي القديم وتُغيّب كل ما له علاقة بحاضر هذا التراث ومستقبله. لذلك، بادر هذا المركز منذ عام 1998 إلى تنظيم ندوات ومؤتمرات دولية تعالج قضايا راهنة ومستقبلية هدفها المساهمة في تعزيز الثقافة الغربية وشرح قضاياها للغرب الأوروبي مباشرة. أول خطوة قمنا بها،عندما تسلمنا إدارة هذا المركز، كانت دعوة المغفور له فيصل الحسيني لإلقاء محاضرتين عن الصراع العربي الإسرائيلي في الثامن من كانون الثاني عام 2000. مجيء الحسيني إلى جامعة بوردو،ولقاؤه بآلاف الطلاب، والهيئة التعليمية مجتمعة، ترك أثرا طيبا عند المسؤولين، بحيث نلنا رعايتهم وتشجيعهم لسياسة المركز ونشاطاته. هذه الرعاية، وهذا التشجيع للسياسة الجديدة، ترجما مؤخرا بانعقاد مؤتمرين دوليين عالجا موضوع الإسلام والعلمانية وموضوع الصراع العربي الإسرائيلي. وأخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن الجمعية الآسيوية La Soceite Asiatique ، التي هي أقدم جمعية استشراق في فرنسا، أسست في باريس سنة 1822، عقدت أخر مؤتمراتها في جامعة بوردو ( مركز الدراسات العربية والإسلامية ) حيث قمنا بتنظيمه. شارك في هذا المؤتمر حوالي سبعين مستشرقا وباحثا.باختصار نستطيع القول إن الإستشراق في جامعة بوردو قد بدأ برسم خارطة جديدة لهذا التخصص. هذه الخارطة تعطي نصيبا وافرا من الاهتمام لقضايا جوهرية وحيّة لم تكن تُعالج سابقا إلا من قبل المتخصصين في العلوم السياسية والمؤرخين.


*انتشرت في السنوات الأخيرة أحداث تشير إلى ارتفاع ظواهر التمييز في أوروبا حيث تجري مثلا معاملة بعض العرب بازدراء من قبل دوائر رسمية وغير رسمية، ماذا عن واقع التمييز في فرنسا؟
- المجتمع الفرنسي، كأي مجتمع آخر، لا يخلو من حالات تمييز طارئة وعابرة أو فردية شاذة، ولكن تعميم هذه الحالات الفردية وتصويرها كأنها أوضاع عامة تحكم المشهد الفرنسي غير منطقي. المجتمع الفرنسي خال، أكثر من أي مجتمع آخر، من التحريض و العدائية التي تولّد الأحقاد والغرائز ضد الأجانب وضد المسلمين، والساحة الفرنسية هي مساحة من العلمانية والديمقراطية التي تصون حقوق وكرامة الإنسان وتؤمن الفرص بشكل متكافئ لكل من يجدّ ويعمل.علينا ألا ننسى أن في فرنسا ما يقارب الخمسة ملايين مسلم وحقوقهم كاملة كالفرنسيين. لا نبالغ إن قلنا إن المسلمين في فرنسا هم مواطنون يحظون بالعناية والمعاملة كأي فرنسي بغض النظر عن الأصل والدين، بل نقول أكثر من ذلك، المسلمون في فرنسا يتمتعون بحقوق لم تكن متوفرة لهم في بلدانهم الأم. تأمين العدالة والمساواة بين المواطنين الفرنسيين، على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم، ترعاها وتحكمها نظم وضوابط سياسية إجرائية من شأنها منع التعسف والتمييز.نتساءل،بدورنا، أين التمييز في معاملة العرب من قبل الدوائر الرسمية وغير الرسمية حين نعلم علم اليقين أن الجامعات الفرنسية تغصّ بالطلاب والأساتذة الأجانب، ونسبة عالية جدا من الأساتذة من أصول وأديان متنوعة، وأنا شخصيا بدأت بالتدريس برتبة بروفسور في ملاك الجامعة ولم أكن بعد قد حصلت على الجنسية الفرنسية. هل هناك جامعة واحدة في العالم العربي تسير على هذا المنوال وتحكمها هذه النوعية من العلاقات الإنسانية وترعاها قوانين مماثلة !سيتهمني البعض بالإعجاب المفرط بالمجتمع الفرنسي، ولكن روايتي بسيطة ولكن ذات أبعاد عميقة. منذ عامين قمت بزيارة عمل للرباط برفقة رئيس الجامعة، والتقينا بمدير مركز " جاك بيرك "، وهو مركز فرنسي للأبحاث والدراسات، وقد تملكنا شعور بالغبطة: رئيس الجامعة من اصل هندي، زميلنا مدير المركز من أصل جزائري وأنا من أصل لبناني. هذه هي ميزة المجتمع الفرنسي، وهنا تكمن أهميته، ولا أبالغ إن قلت إن عظمته على المستوى الحضاري. إنه مجتمع يساهم في بناء الجسور بين المجتمعات ولا يهدمها. طبعا هذا لا ينفي وجود بعض المشاكل الاجتماعية في ضواحي المدن الكبرى بالدرجة الأولى بسبب البطالة وبسبب خلل في مسارات وضوابط إيقاع الوسائل المستخدمة في ورشات دمج المهاجرين والتعاطي مع الوافدين الجدد.


*مقابل سعي المستشرقين لدراسة العالم الإسلامي، لماذا لم تتوفر حركة إسلامية مقابلة ومكافئة حاولت دراسة الغرب بنفس القدر؟
- أعتقد أن الأنماط الفكرية والتيارات الإيديولوجية الجهادية الناشطة منذ أواخر السبعينات على الساحة الإسلامية لا تشجّع على نشوء حركة موازية للاستشراق تهتم بدراسة الغرب دراسة موضوعية علمية. فالساحة الإسلامية بصورة عامة يسودها الشعور بأنها مستهدفة من مراكز القرارات الغربية، وأنها تواجه مؤامرة صهيونية – يهودية – مسيحية – ماسونية،سمّها ما شئت،و هدفها تشويه التراث العربي الإسلامي وزعزعة أسس العقيدة الإسلامية وكل ما يتصل بهذه العقيدة من علم وفن وأدب وأخلاق. الشعور بالاستهداف، المعزز بالشعور بالمؤامرة على كل ما هو دفين في أعماق العالم الإسلامي – الدين-،جعلا هذا العالم ينأى عن حب الإطلاع على حضارات الأمم الأخرى وأديانها وثقافاتها ولغاتها، وهي الأمم التي بنظره تستهدفه.


* كيف تصف هذه الأنماط الفكرية وتأثيرها على الحوار؟
-هذه الأنماط الفكرية الدينية تحنّط الفكر، تشوّه الدين، تتعاطى مع النص معتبرة إياه "نفقا لا أفقا"، تستنفر ما في الإنسان من غرائز وتصدّع الجسور بين الحضارات، هذه الجسور التي بنتها الشعوب حجرا حجرا وأعلتها القرون الطويلة مدماكا مدماكا. أسوأ ما في هذه الأنماط الفكرية رؤيتها الأحادية المانوية، فهي لا ترى غير الأضداد: الإسلام والمسيحية، الخير والشر. ولا تنتج إلا صدام الحضارات واستبدادية النص التي تعيدنا إلى ظلامية الماضي. في ظل هذه الأوضاع الفكرية المتخلفة، المتنكرة للعقل، والغافلة لأهمية النص، مهما كانت قدسية ,وأهمية هذا النص، من الصعب جدا أن يتسع فكرها للآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر مصدر التآمر بالنسبة لها. باختصار، كل فكر يعلّب الحقائق، زاعما ملكيتها، هو فكر يقطع من دينامية الاتصال بين الشعوب والمجتمعات ويسعى للانعزال عنها ويؤسس عزلة على نفسه. هذا النمط من الفكر لا يفجّر الطاقات ولا يؤمّن الحوافز للإقبال على دراسة الغرب دراسة علمية، موضوعية ونقدية.

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية