حين قرر 537 ناخبا أميركيا في ولاية فلوريدا مصير العالم كله، وليس مصير الولايات المتحدة وحسب، بترجيحهم اختيار جورج بوش ، عوض آل غور، رئيسا للولايات المتحدة عام 2000 ، لم يعطوا صورة مقلقة لثغرات الديمقراطية الاميركية بقدر ما أثبتوا أن القانون الانتخابي الاميركي قادر لأن يتحول أداة لحكم العالم بقرار من 537 أميركيا فقط ، وإنْ لأربع سنوات (قابلة للتجديد).
قد ينفع التذكير اليوم بان 537 أميركيا ، لا أكثر، كانوا مسؤولين عن تقسيم العالم الى «محور شر» و«محور بوش»، ومسؤولين استطرادا عن غزو العراق وعن استمرار النزف في فلسطين المحتلة وعن قانون محاسبة سورية ... وعما قد يتحول يوما الى «صراع حضارات» حقيقي في عهد يخلط فيه منظرو الحزب الجمهوري بين الرسولية الدينية والسياسة الدولية بعدما ظن الكثيرون أن انهيار الامبراطورية السوفياتية كان نهاية «أدلجة» الصراعات الدولية.
باختصار، نكبة العرب ـ كي لا نقول نكبة العالم كله ـ بدأت في فلوريدا. وقد تقع على الناخب الاميركي العربي في ولاية فلوريدا ، قبل غيره من الناخبين العرب في الولايات الاميركية الاخرى، مسؤولية «تصحيح» خطأين أوقعتنا بهما انتخابات العام 2000 : انتخاب جورج بوش (الابن) نتيجة الافتراض السائد آنذاك بانه سيكون «ابن ابيه»، وتعويض ثغرات قانون الانتخاب الاميركي بالحؤول دون تمكن قلة من الناخبين، باسم المجمع الانتخابي ، من تنصيب حاكم للعالم لا يحظى بتأييد أكثرية الاميركيين في بلاده.
المشجع على هذين الصعيدين ان استطلاعات الرأي العام تشير الى ان الاميركيين العرب يتجهون الى تغيير مسار ولائهم التقليدي للحزب الجمهوري لصالح الحزب الديمقراطي ومرشحه جون كيري. وفي فلوريدا بالذات، أظهر استطلاع أجري في يوليو (تموز) الماضي أن 30 في المائة فقط من الاميركيين العرب في الولاية يعتزمون دعم بوش مقابل 48 في المائة يؤيدون كيري. والواقع أنه اذا كانت ثمة حسنة لعهد الرئيس بوش فقد تكون في توحيده ، الى مدى بعيد ، المشاعر العربية والاسلامية تجاه سياسات المحافظين الجدد ، ليس فقط بسبب مواقفه من فلسطين والعراق بل ايضا بسبب إجراءاته الداخلية بعد 11 سبتمبر (ايلول) التي استهدفت ، بشكل خاص، المهاجرين الجدد والمتحدرين من اصول عربية واسلامية في حملة شبه هستيرية لمكافحة «الارهاب» . فما سُمّي بـ«قانون الوطنية» فتح الباب واسعا لتدخل الادارة الاميركية في شؤون المواطن العادي متجاوزة حقوقه المدنية ومنتهكة احكام الدستور الاميركي... في ما يمكن اعتباره حصيلة أخرى لقرار الـ 537 ناخبا في فلوريدا .
قد لا يكون جون كيري افضل موقفا من جورج بوش حيال القضيتين العربيتين الضاغطتين حاليا على استقرار الشرق الاوسط وسلام العالم، اي فلسطين المحتلة والعراق المحتل، والتناقضات المسجلة في مواقفه المعلنة من القضية الفلسطينية لا تزال السمة الابرز لسياسته الشرق اوسطية. (على سبيل المثال، بعد ان اعلن العام الماضي، امام المعهد العربي الاميركي، ان حائط الفصل الاسرائيلي «يمثل عقبة في وجه السلام» ، عاد الى القول لاحقا، أمام زعماء الجالية اليهودية الاميركية، ان الحائط «يمثل في نظري اداة دفاع ذاتي في وجه الارهابيين»).
مع ذلك، وبقدر ما تبدو تناقضات كيري مقلقة للعرب، تطمئن، على الاقل، بانه لا يتبنى موقفا «رسوليا» ثابتا من النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي بقدر ما يتخذ مواقف ظرفية تتأثر بحسابات ـ انتخابية، اليوم، وربما حسابات دولية غدا.
وإذا كان من رابع المستحيلات توقع وصول رئيس متعاطف مع القضايا العربية الى البيت الابيض بعد ثلاث سنوات من الشحن «الحضاري» للمشاعر المناوئة للإسلام والعرب في الولايات المتحدة ، لن يكون المطلوب من الدبلوماسية العربية، في السنوات الاربع المقبلة، تحقيق مكاسب في واشنطن بل العمل على الحد من الخسائر.
- آخر تحديث :













التعليقات