لم تعد الصادرات غير النفطية مساراً مكملاً للاقتصاد الوطني، بل تحولت إلى ركيزة أساسية تعكس عمق التحول الذي تشهده المملكة في مسارها التنموي، وقدرتها على بناء نموذج اقتصادي أكثر مرونةً واتصالًا بالأسواق العالمية. هذا التحول لا يأتي بوصفه خيارًا ظرفيًا، بل نتيجة رؤية استراتيجية تستهدف إعادة تعريف مصادر القوة والنمو بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على النفط.
محليًا، يمثل نمو الصادرات غير النفطية ثمرةً مباشرةً لتطوير البيئة التنظيمية والتشريعية، وتكامل الأدوار بين الجهات الداعمة للتصدير. فقد شهدت الأعوام الأخيرة تسهيلاتٍ إجرائيةً، وتحسينًا في الخدمات اللوجستية، ودعمًا لسلاسل الإمداد، بما يعزز قدرة المنتج الوطني على الوصول إلى الأسواق الخارجية بكفاءة وتنافسية أعلى.
وتبرز المنشآت الوطنية، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة، كأحد محركات هذا المسار. إذ أسهمت برامج التمكين وبناء القدرات في نقل هذه المنشآت من دائرة التركيز المحلي إلى أفق أوسع من التوسع الإقليمي والدولي، لتصبح شريكًا فاعلًا في حركة التجارة الخارجية، وقيمةً مضافةً حقيقيةً للاقتصاد الوطني.
اقتصاديًا، تشكل الصادرات غير النفطية رافعةً أساسيةً لتنويع مصادر الدخل وتقليل حساسية الاقتصاد لتقلبات أسواق الطاقة. وهي تسهم في خلق فرص نوعية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز المحتوى المحلي، بما يدعم الاستدامة المالية ويمنح الاقتصاد السعودي مساحةً أوسع للتكيف مع المتغيرات العالمية.
وتعكس الأرقام الحديثة نضج هذا المسار؛ إذ بلغت قيمة الصادرات غير النفطية 515 مليار ريال خلال عام 2024، محققةً نموًا ملحوظًا مقارنةً بالأعوام السابقة، وفق بياناتٍ رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء. كما أظهرت البيانات ارتفاع نسبة الصادرات غير النفطية إلى الواردات، في مؤشر على تحسّن كفاءة التجارة الخارجية غير النفطية واتساع قاعدة المنتجات والأسواق المستهدفة.
وبهذا المعنى، يعكس نمو الصادرات غير النفطية تحولًا اقتصاديًا نوعيًا يتجاوز كونه رقمًا في الميزان التجاري، ليجسد اقتصادًا يعيد بناء ذاته على أسس التنوع والابتكار والاستدامة. اقتصادًا يصنع فرصه، ويعزز حضوره العالمي، ويؤكد أن مستقبل المملكة الاقتصادي يُكتب بلغة الإنتاج والتنافسية والانفتاح المدروس على العالم.















التعليقات