ربما يتابع البعض معركة انتخابات الرئاسة الاميركية كما لو كانت مباراة رياضية، يتابعها متفرج غير معني إلا باللعبة الحلوة، دون أي التزام ولو عاطفي تجاه طرف أو آخر. وقد يكون البعض الآخر يتابعها متمنيا نجاح هذا المرشح أو ذاك. جزء منهم ينطلقون من اقتناع بأن الشيطان الذي نعرفه أفضل من الذي لا نعرفه، تحركهم أوهام لا تستند الى أساس من الواقع والتاريخ بأن الرئيس الاميركي في مدة ولايته الثانية يكون أكثر حرية في اتخاذ مواقف عادلة، وأقل تعرضا للضغوط ، والبعض الآخر ينطلق من فكرة ان الشيطان الذي لا نعرفه لا يمكن إلا أن يكون أفضل من الذي عرفناه، وامتحنا أفعاله ونواياه بالنسبة لما يهمنا من موضوعات وقضايا، فوجدناه قاصرا قصورا يصعب التجاوز عنه أو الأمل في اصلاحه .
والنظرتان خاطئتان وتجمع بينهما روح الانتظار لما تأتي به الأقدار، أو أصوات الناخبين الاميركيين ، والتعلق بخيوط واهية، فليس أي من الرجلين شيطانا، بل كلاهما رجل سياسة مرتبط بمصالح ومتعرض لضغوط وتأثيرات ، ويرتبط ارتباطا ، قد يختلف عمقه وحدته، بأيديولوجيات ، واذا كان الوقت قد فات ، ليس اليوم فقط أو الأمس القريب أو البعيد ،على محاولات التأثير العربي على نتيجة الانتخابات القادمة للرئيس أو الكونجرس، فإنه من الضروري ان نفكر فيما يمكن عمله في فترة الرئاسة الاميركية القادمة لخدمة مصالحنا الوطنية والقومية عن طريق خلق توافق بين تلك المصالح، وبعض المصالح الاميركية التي لا تتعارض مع استقلالنا وخصوصية التزاماتنا، واستغلال القوى الأخرى القادرة على التأثير على الساحة الاميركية، في دعم تحركنا ومساندة مواقفنا حتى اذا كان ذلك بدرجات متفاوتة، ومن نافلة القول ان نقول ان الولايات المتحدة، ولأنها القوة الأعظم، فإن كل ما يجري فيها يؤثر علينا ، ولذا فليس من المقبول ان ننظر كمتفرجين أو مجرد متلقين ( للمساعدات أو الضربات ، المن والسلوى أو الفيتوهات ) ، كما لا يصح أن نكتفي بالإدانة أو الأمل .
يجب ألا ننسى ان بوش ليس صورة مطابقة لترومان أو جونسون ، وكيري ليس كارتر أو كلينتون، وان أيا منهما ليس ايزنهاور ، بالنسبة لقضايانا، وان العلاقة مع الولايات المتحدة يجب ألا تقوم على أحلام أو أوهام أو آمال واجترار آلام، أو انطباعات وردود فعل عاطفية ، بل على المصالح والقدرة الفاعلة في التأثير على المصالح ، وعندما نقول ربط المصالح فإنما نعني قدرتنا على التأثير على مصالح الآخر، إن ايجابا في حدود سيادتنا، وان سلبا بطريقة متعقلة لا تنفعل بما يفوق الطاقة والحاجة ، ولا تنتهي الى محاربة طواحين الهواء بغير جدوى ، فالهدف هو ألا نركز على الانتخابات ذاتها خاصة وأن الوقت قد تأخر ، ولكن نستعد لما بعد الانتخابات أيا كان المنتصر فيها، ويعني هذا الاستعداد ان نحدد المصالح والأهداف التي نسعى الى تحقيقها، ومدى قدرتنا على توظيف ما لدينا من أوراق لتسهيل تحقيقها، ويمكن تلخيص أهم تلك المصالح والأهداف فيما يلي :
1ـ وقف الحملة الضارية ضد العرب والمسلمين التي تؤدي الي تعرضهم في الولايات المتحدة لأنواع شتى من الاضطهاد قد تختلف درجاته ولكن جوهره واحد ومعروف .
2ـ حل مشكلتي فلسطين والعراق بما يتماشى مع احكام العدل والشرعية التي تستند إليها مواقفنا ، حتى اذا ساهم بعض منا في تشويه تلك المواقف عن جهل أو سوء نية .
3ـ الاستفادة من الامكانيات الاميركية الكبيرة اضافة الى الامكانيات الاخرى المتاحة في العمل على بناء مجتمعاتنا في جميع المجالات، على اساس نموذج متفق مع خصوصيتنا، دون أن يعني ذلك تعارضه مع المبادئ التي يتفق عليها العالم والتي ليس من المحتم الابتعاد عنها لمجرد انها مما ينادي به الغرب أو الشرق ، ما دمنا مقتنعين بها بحر إرادتنا .
فاذا انتقلنا الى الاسلوب الذي يمكن أن نلجأ إليه لتعبيد الطريق نحو تحقيق ما عددناه من مصالح وأهداف ، فإن هناك بعض الأفكار التي تتناول بعض الجوانب الموضوعية، وأخرى اجرائية قد تستحق ان تكون تحت النظر :
أولا : من ناحية المبدأ اذا كنا نستفيد ، ونرغب في أن نستفيد ، من العلاقة مع الولايات المتحدة ، فلا شك انها أيضا تستفيد من هذه العلاقة، وبالتالي فيجب أن يكون ذلك محل اعتبار في واشنطن مثلما هو محل اعتبار في العواصم العربية ، فليس من المعقول أن يتصور أحد في واشنطن أن العلاقة السوية يمكن أن تكون قائمة على غير الندية والمصالح المتبادلة ، وأن تكون لديهم تصورات بإمكان اقامة علاقة مستقرة على أساس محاولة الفرض أو الإملاء أو عدم أخذ مصالح الطرف الآخر في الاعتبار ، ويجب أن يدركوا أن محاولة فرض الرأي بما يخالف مشاعر أو مصالح وإرادة الشعوب وعدم الاستماع لآراء من هم أقدر على حسن التقدير لأسباب كثيرة معروفة ، يؤدي الى اضرار تصيب الطرفين ولكنها بالقطع تصيب المصالح الاميركية بخسائر أفدح ، ومثل العراق وما يجري فيه واضح ولا يحتاج الي دليل ، فلو سمعوا النصائح لما وجدوا أنفسهم ـ وحلفاءهم ـ في المستنقع الذي يتخبطون لمحاولة الخروج منه ، ومثل فلسطين حيث يؤدي الانتصار دائما لموقف اسرائيل الى عواطف كراهية في العالم العربي يحاولون التغلب عليها بأساليب دعائية بدائية لا تخدع أحدا ما دام الجوهر هو نفس جوهر مجافاة العدالة والشرعية والمنطق .
ويقتضى هذا أن يجري حوار واسع وعميق تطرح فيه الحقائق دون مواربة ، فالأميركيون شعبا وحكومة وكونجرسا على استعداد اذا واجهوا معارضة صارمة للاستماع الى الصوت القوي المنطقي الذي يمزج بين المبادئ والمصالح دون التضحية بأيهما .
ثانيا : يجب ان يدرك الجميع ان عملية الاصلاح الداخلي في الدول العربية، سياسية واقتصادية واجتماعية ، مطلب لدول المنطقة ، قبل أن يكون مطلبا اميركيا أو غربيا تنبهوا إليه أخيرا فيما يسمونه حربهم ضد الإرهاب وجذوره (علما بأنهم يختارون من الجذور ما يتفق مع أيديولوجيات باهتة ويهملون جذورا حقيقية كان المفروض أن تفطن إليها مئات مراكز البحث ذات الامكانيات الضخمة ).
ان الاصلاح يجب ان ينبع من الداخل ، ولكنه يجب ألا يكون منفصلا عن المبادئ الاساسية التي اتفق عليها العالم وتضمنتها المواثيق الدولية التي اعتمدتها دولنا، والاصلاح يجب أن يسير بالتدريج على ألا نخلط بين التدريج والتباطؤ ، والاصلاح يجب أن يراعي الخصوصية ، في إطار المبادئ العامة ، دون أن تكون الخصوصية وسيلة للتهرب من الالتزامات ، ولقد كان ـ وما زال ـ هذا هو موقف مصر الذي يجب أن يكون واضحا للجميع، وأن يكون مثالا لغيرنا .
فاذا بدأ الاصلاح الجاد في العالم العربي فإن ذلك يساهم في تحسين الصورة التي يشوهها البعض عامدين ومستغلين أوضاعا غير مستقيمة ، ويخرس فحيح الأفاعي المتربصة .
ثالثا : كثر الحديث عن تكوين لوبي عربي في الولايات المتحدة، ويتصور البعض ان ذلك يمكن أن يصدر بقرار تصدره حكومات عربية ويرعاه السفراء العرب في واشنطن، ويغدقون عليه بالمال ، وهذا تفكير خاطئ بل ضار، فبالاضافة الى أن هذا يخل بالقوانين الاميركية، ويدمغ هذه اللوبي منذ البداية بأنه جسم خارجي ليس جزءا من النسيج الاجتماعي والسياسي الاميركي، فانه يعني إدخال الجاليات العربية في دوامة الخلافات والمهاترات العربية التي طالما أعاقت العمل العربي المشترك البناء والفعال .
ان اللوبي العربي يجب أن ينبع من جذور الجاليات العربية، ومن الإحساس بالمصالح والمخاطر المشتركة في ضوء ما واجهه الافراد والجماعات العربية والاسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر خاصة، فقد وضح ان الاضطهاد الذي تلى تلك الأحداث لم يفرق بين مصري ويمني وسعودي وفلسطيني، بل أصاب الجميع بصرف النظر عن مواقف حكوماتهم، فالذي يجمع بين عرب أميركا هو كثير، سواء بالنسبة لمعيشتهم اليومية، أو بالنسبة لوجودهم ذاته في الولايات المتحدة، أما بالنسبة للقضايا المصيرية التي تواجه العالم العربي مثل فلسطين والعراق فانه من غير المعقول ـ بصرف النظر عن مواقف الحكومات ـ ألا تتوحد تلك الجاليات حول مواقف تشارك ـ أو يشاركها فيها ـ العقلاء من الاميركيين الذين تتعالى أصواتهم في معارضة وإدانة السياسات الاميركية في فلسطين والعراق، وكلما كان العرب الاميركيون جزءا أصيلا من المجتمع الاميركي ـ مثل الايرلنديين أو اليونانيين أو حتى الكوبيين ـ كلما كان تأثيرهم أقوى، وهذا يقتضي منهم أن يكون لهم موقف في كل القضايا التي يواجهها المجتمع الاميركي من البطالة الى التأمين الصحي الى قواعد حمل السلاح، وحتى موضوعات الزواج والتأمين الاجتماعي وغير ذلك مما يشغل بال الاميركي العادي ويفتح الطريق الى القدرة علي التأثير عليه .
رابعا : يجب أن نتجاوز الفكرة السائدة لدى البعض حول وحدة الجالية اليهودية الاميركية وتشكيلها حاجزا بين العرب والمجتمع الاميركي يستحيل تجاوزه. صحيح ان اليهود الاميركيين في مجموعهم يقفون مع اسرائيل ويجمعهم الاقتناع بضرورة مساندتها بالمال وبالوقوف الي جانبها كلما تصوروا ، أو صور لهم ، انها في خطر، ولكن وقوفهم وراء اسرائيل ومعها لا يعني ، كما اتضح من مواقف كثيرة ، مساندتهم لكل خطوات أية حكومة اسرائيلية، إذ ثبت ان الانقسامات داخل المجتمع الاسرائيلي تنعكس داخل الجالية اليهودية، وهذا وضع يجب علينا استغلاله، ولدينا في هذا سلاح هام، هو سلاح المبادرة العربية التي أقرتها بالاجماع قمة بيروت والتي تؤكد جدية العرب في اقامة سلام مع اسرائيل على أسس سلمية .
وقد لفت نظري ما ورد في جريدة «هآرتز» الاسرائيلية من أنه بينما تؤكد وسائل الاعلام الدولية تأثير العناصر اليهودية في صفوف المحافظين الجدد في دفع بوش الى حرب العراق، فإن استطلاع الرأي الذي قامت به اللجنة اليهودية ـ الاميركية يؤكد ان 66 في المائة من اليهود الاميركيين يعارضون الحرب، ويضيف ان الكثير من اليهود الاميركيين ينفقون نتيجة لذلك أموالا ضخمة لمحاربة بوش ( على الرغم من مواقفه المنحازة تماما لاسرائيل ).
وهذا مثال واحد على الثغرات في صفوف اليهود الاميركيين ، التي لا تصل ولن تصل الى حد التخلي عن اسرائيل، ولكنها تتيح فرصا للتحرك المدروس الجاد لخدمة المصالح العربية المشروعة والمعقولة .
ولعله من الجدير بالملاحظة في هذا الشأن ما أوردته نفس الجريدة الاسرائيلية من أن وزنها الديموغرافي النسبي في الولايات المتحدة آخذ في النقصان .
هذه بعض أفكار قد تساعد في التخطيط لمرحلة ما بعد الانتخابات الاميركية، أيا كان من يخرج منها فائزا، وبالطبع فإن تفصيلات طريقة التعامل مع ادارة يرأسها بوش تختلف عنها مع ادارة يتولاها كيري، ولكن هناك ثوابت حاولت ان اطرحها باختصار، مؤكدا انه ليس هناك مجال لليأس أو للأمل المبالغ فيه، بل المجال هو للعمل الدؤوب على أسس علمية وواقعية وعملية يقربنا من أهدافنا .
وفي نفس الوقت فمن المهم ألا نسمح بأن تنفرد الولايات المتحدة بالعالم العربي، ومن هنا يجب ان نزيد دعم العلاقات والروابط مع الاتحاد الاوروبي وباقي التجمعات الدولية التي ـ مهما كان وزنها حاليا ـ فانها مرشحة لاحتمال أن يزداد ذلك الوزن بحيث يصبح أكثر فعالية في مواقف أغلبها مساند لنا .
* وزير خاجية مصر السابق
- آخر تحديث :












التعليقات