هذا الباشا لمن لا يذكره اليوم، هو والي حلب في الحقبة العثمانية، والذي طارد عبدالرحمن الكواكبي في كل مكان، واستعدى عليه الباب العالي في الآستانة.. ولولاه.. لما دفع التحريض السلطان الى دس السم في الدسم لهذا النهضوي الرائد، الذي قال في طبائع الاستبداد ما لا يستطيع عربي ان يقوله الآن، بعد عقود من الاستقلال.. وشبه الاستقلال!
والكواكبي المقتول في مصر، بعثر العسس قطن لحافه، وفتشوا كل زاوية في بيته المتواضع لأنه قال لا بملء الفم للانكشارية والجندرمة والاستبداد الذي كان قد بلغ ذروته.. وأصبح عارف باشا ظاهرة، لأنه اسم حركي لباشوات وبكوات وأفندية في مختلف الأزمنة والعواصم. فقد كان وراء صلب الحلاج، عارف باشا من طراز آخر عباسي، مثلما كان وراء قتل السهروردي، في حلب عارف باشا تذرع بالفقه كي يستعدي الأيوبيين على شهاب الدين الذي كتب بدمه على الجدار:
أرى قدمي.. أراق دمي!
وحين قامت الدنيا في مصر في الربع الأول من القرن الماضي ضد طه حسين وعبدالرازق لأن الأول كتب رؤيته للشعر الجاهلي والثاني كتب أصول الحكم في الاسلام وعارض نقل الخلافة الى الملك فؤاد الأول فقد كان وراء الحادثتين عارف باشا باسم آخر، لعله هو ذاته الذي حرض الناس على التظاهر في الشوارع عام 1904 لأن شيخ الأزهر علي يوسف تزوج للمرة الثانية فيما كان الانجليز والفرنسيون يقتسمون الوطن العربي كالكعكة بسكين عمياء!
وما من كتاب يصادر الآن، او مثقف يطارد إلا لأن وراء الحكاية عارفاً من هؤلاء العوارف بشعاب الاستعداء والنفاق، لكن الجهلة في كل شيء آخر!
لأن سلالة “العوارف” تخصصت في فن اسمه التقويل وعلى النقيض من التأويل الناتج عن الاجتهاد، وفي زمن الكواكبي المقتول حرض أحد هؤلاء العوارف العسس العثماني على معلم مدرسة لأنه كتب على اللوح في درس الكيمياء ان رمز الماء هو H2o.. وفسرها العوارف بأنها السلطان حميد الثاني يساوي صفراً! وتم التنكيل بالمعلم.
لقد كان وراء تقويل التوحيدي وابن رشد عوارف احترفوا الوشاية، تارة بسبب الغيرة وتارة بسبب فائض النفاق الذي يقربهم من أولي الأمر والقهره في أزمنة من هشيم!
وها نحن ندلف الى ألفية ثالثة لكن سلالة عارف باشا لم تنقطع ولم تنقرض، بل تتناسل كما الأرانب او الفئران في مختلف الجحور بعيداً عن الشمس، وعن تاريخ حقق الانعتاق النسبي من زنازين الكاليجولات، والدراكولات الذين امتصوا دماء الشعوب ونخاعها، ثم طالبوا اشلاءها بالانحناء، والتسبيح بحمد السيف الذي مزقها!
وما الاعتذارات المتعاقبة التي تمارسها الشعوب لمن غدروا، او فهموا بشكل خاطئ إلا انتقاماً مباشراً من هؤلاء “العوارف” لأن الزمن يمضي لمصلحة من استشرفوا المستقبل قبل إقباله، لهذا سيبقى مصير كل من زرقاء اليمامة التي سملوا عينيها لأنها أبصرت ما لم يبصروا وسنمار صاحب كلمة السر في كل عمران، قدر سلالة أخرى مضادة للعوارف، سلالة جعلت الايثار قبل الاثرة، ورأت أبعد من أنفها، ولم تقل من بعدنا الطوفان كما قالها ذلك الحاكم الأخرق الذي جرف الطوفان حتى قبره وقبر ذريته!
وقد غذى النظام العربي ظاهرة عارف باشا، وارضعها، ورعاها، لأنه يعيش أزمة ثقة مع شعوب يملأ الشك عقولها وقلوبها، لأنها تقارن بين ما تسمع وما ترى، فتدرك ان التناقض هو سر الطغيان، وأول الكارثة!
والتاريخ برغم الحماقات التي قاد إليها بين زمن وآخر، غالباً ما يصحو ليحكم بالعدل فهو تقطير لخبرات انسانية ولمكابدات يصعب على الأباطرة حذفها.. لهذا بقي الكواكبي حياً في الكتاب والجامع والجامعة وفي قبره الدارس أيضاً، لكن عارف باشا جرفته السيول، مثلما جرفت في طريقها جثث الحيوانات النافقة الضالة في الطرقات او الخرائب.
ولا أحد يذكر اليوم من الذي وشى بالحلاج وتسبب في صلبه وحرق جسده، لكن الناس جميعاً يتذكرون الحلاج، وحتى ذلك الحارس العجوز لضريحه في بغداد، يواصل السهر على مولاه، وهو يعرف ان القبر فارغ!
ونذكر طه حسين وعبدالرازق، ونحفظ ما كتبا عن ظهر قلب، لكننا لا نعرف على الاطلاق هؤلاء العوارف الوشاة الذين لم تعلق اسماؤهم حتى بالمحاكمات التي دانت الاثنين، لكن التاريخ برأهما!
عارف باشا، مقيم في هذه الأرض ما أقام القمح والياسمين والماء.. لأنه الشوك في الوردة والسوسة في القمح، والدودة في الماء.
فمتى نودعه ونكسر وراءه ألف جرة من فُخَّار؟













التعليقات