قد يقع المتابع للشأن الإيراني الساخن في الفخ عند تقييم ما سيحدث، وهو يشاهد ما يحدث على الأرض. احتجاجات واسعة، وهي ليست الأولى التي تحدث ضد النظام الذي تركب قبل خمسة عقود تقريباً على آيديولوجيا (ثيوقراطية).
أجيال جديدة أكثر جرأة وأقل خوفاً بدأت تظهر، واقتصاد يترنح تحت وطأة العقوبات وسوء إدارة، واستعصاء على التغيير، ولا يتحقق تحول سياسي حاسم. هنا يبرز السؤال: هل تتجه إيران أخيراً إلى انفجار واحد كبير، أو إلى تآكل بطيء ينتهي بتغيير من داخل النظام نفسه؟ سيناريوهات مختلفة مطروحة.
والأهم بالنسبة لدول الخليج: أي المسارين أشد تأثيراً على أمنها واستقرارها في المديين القريب والمتوسط، تغيير ضخم غير محسوب، أم تآكل بطيء، في منطقة لا تحتمل مفاجآت؟ كلاهما له تكلفة على الأمن الخليجي.
السيناريو الأول، أي الانفجار الكبير، يقوم على فرضية تراكم الغضب الاجتماعي إلى نقطة اللاعودة. هذا السيناريو يفترض التقاء أربعة عناصر في لحظة واحدة: انتفاضة شعبية شاملة تتجاوز المدن الكبرى، وانقسام حقيقي داخل المؤسسة الصلبة للنظام، وبيئة دولية تسمح أو تغض الطرف عن تغيير جذري من قبل النظام في طهران، وقيادة لها برنامج وشخوص مقبولة. حتى الآن، لم تجتمع هذه العناصر معاً، والشارع الإيراني مشتعل، لكنه يفتقر إلى التنظيم والقيادة، والنظام ما زال متماسكاً، أما المجتمع الدولي فيتعامل مع إيران، حتى الساعة، بوصفها مشكلة يجب احتواؤها وإدارتها، لا نظاماً يجب إسقاطه، مهما بلغت تكلفة بقائه فهي أقل من تكلفة التغيير غير المحسوب.
من زاوية أمن الخليج، يُعدُّ الانفجار المفاجئ أخطر السيناريوهات. انهيار مركزي للدولة الإيرانية قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية، وتفكك قومي وصراع على السيطرة وعلى مؤسسات الدولة، مع احتمالات تسرب العنف إلى الإقليم، كما أن أي فراغ استراتيجي في إيران سيستدعي تدخلات دولية وإقليمية مباشرة؛ ما يعيد الخليج إلى قلب صراع مفتوح، لا يمكن التنبؤ بمآلاته، أو مداه الزمني، وهو سيناريو تتجنبه معظم القوى المؤثرة.
في المقابل، يبدو السيناريو الثاني، أي التآكل البطيء، أكثر انسجاماً مع الوقائع القائمة حتى الآن. في هذا المسار، لا يسقط النظام دفعة واحدة، بل يتغير تدريجياً من الداخل، تحت ضغط الاقتصاد والمجتمع وتبدل الأجيال داخل النخبة الحاكمة نفسها. مظاهر هذا التآكل واضحة: تراجع الخطاب الثوري لصالح لغة المصلحة، وتصاعد البراغماتية داخل مؤسسات الدولة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحول الاحتجاجات من حدث استثنائي إلى حالة مزمنة تتكرر دورياً.
ويتعزز هذا المسار بسبب معادلة مستعصية يعيشها نظام الحكم؛ فهو يسعى إلى امتلاك برنامج نووي، ويصرف موارد مالية ضخمة لتحقيقه؛ ما يفرض حصاراً دولياً عليه، لكنه في الوقت ذاته يريد تعويم اقتصاده، والخروج من عزلته، غير أن الجمع بين الطموحين يبدو شبه مستحيل؛ لأن معاداة دول أساسية في العالم واستفزازها من خلال الشروع المتقدم في التخصيب أو عبر أذرع مسلحة مصنفة إرهابية، تعبث بالجوار، يقوّضان أي فرصة لتعافٍ اقتصادي حقيقي، وبدل أن تُترجم هذه السياسات إلى قوة، فإنها تفضي عملياً إلى ضعف.
هذه المعادلة استنزفت القوة الإيرانية بكل عناصرها الاقتصادية والسياسية، وفقدان الأمل لدى الجمهور العام في خروج قريب من المأزق، ومع تراجع مستوى المعيشة وتآكل الطبقة الوسطى، تكاثرت الاحتجاجات الشعبية وتقاربت زمنياً.
هنا تبرز المقارنة مع فنزويلا بوصفها نموذجاً دالاً. فنزويلا شهدت التمسك بآيديولوجيا صلبة أدت إلى انهيار اقتصادي حاد، وعقوبات دولية، واحتجاجات واسعة، لكنها لم تشهد سقوطاً سريعاً للنظام. ما حدث هو تآكل بطيء للدولة والمجتمع معاً، حيث بقيت السلطة قائمة بفضل القبضة الأمنية والتحالفات الخارجية، وعندما قبض على الرئيس، رقص بعض الناس في الشوارع، واستعد من بقي من النظام للتعاون. هذا النموذج يوضح أن الأنظمة العقائدية قادرة على البقاء طويلاً، حتى وهي تدير الفقر بدل التنمية، إلا إذا حصل تغيير في القيادة الأساسية.
إيران ليست فنزويلا، لكنها قد تسير في مسار مشابه مع اختلاف السياق والتوقيت؛ فإيران دولة إقليمية ذات طموحات أمنية، وجوار ملتهب؛ ما يجعل تكلفة تآكلها أعلى على محيطها. ومع ذلك، فإن استمرار النظام مع تآكل الدولة والمجتمع يظل احتمالاً واقعياً، خصوصاً إذا لم تتغير المعادلات الدولية أو يحدث انقسام داخلي حاسم.
بالنسبة للخليج، يحمل هذا السيناريو مفارقة دقيقة. التآكل البطيء أقل خطورة من الانفجار الشامل، لكنه أكثر إزعاجاً على المدى الطويل؛ فإيران المأزومة داخلياً قد تكون أكثر ميلاً لتصدير أزماتها واستخدام الساحات الإقليمية أوراق ضغط. وفي الوقت ذاته، يفتح هذا التآكل نافذة محدودة لإدارة التوتر بإشعال حروب صغيرة وخاطفة.
أمن الخليج لن يُصان بانتظار لحظة سقوط كبرى في طهران، أو إدارة التوتر لمدى متوسط أو طويل، بل بفهم عميق لمسار التآكل الإيراني، أو حدوث مفاجآت غير محسوبة، والاستعداد لتداعيات الاحتمالات، وتحييد مخاطرها، دون الانجرار إلى تكلفة صدام شامل. وهذا يتطلب سياسات خليجية متماسكة طويلة النفس توازن بين الردع والتحوط، وتحمي الاستقرار الإقليمي من تداعيات الانهيار البطيء أو المفاجئ.
آخر الكلام: السياسة فن تجنب الكارثة.













التعليقات