قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فارس خشّان: مَنْ يقف وراء الهجوم المركّز على رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، طالما أن الجهات التي تتولاه محسوبة كلياً على ما يُسمى "الخط الوطني" الذي خاض حرباً داخلية بارتدادات دولية خطرة لمصلحة التمديد؟
هذا السؤال تطرحه أوساط سياسية مراقبة، في ضوء ما تضمنته افتتاحية إحدى صحف "الخط" من دعوة لحود الى الاستقالة طوعاً تحت طائلة أن يجد نفسه في يوم من الأيام مضطراً للاستقالة كما حصل في العام 1952 مع الرئيس الراحل بشارة الخوري.
وتأتي هذه الدعوة المغلّفة بالتهديد، بعد سلسلة من الهجومات الصحافية من "منابر الخط" على لحود، بما يشبه "سباق البدل" في ما بينهما، لإقناع الرأي العام بأن ما يُعاني منه الداخل من تشنّجات هنا وكوارث هناك، إنما تقع مسؤوليته على شخص لحود بالذات.
إلا أن ما يتم الإيحاء به في مكان وواقع الحال في مكان آخر، ذلك أن لحود ومنذ تأليف الحكومة الجديدة منكفئ الى الخطوط الخلفية بشكل دائم ولا يتردد، بين الحين والآخر، من إبداء امتعاضه على بعض السلوكيات السلطوية، ولو في المجالس الخاصة.
إطاحة لحود كالتمديد له
وتؤكد أوساط سياسية متنوعة المشارب أن القوى الأساسية في البلاد، وبغض النظر عن تقويمها لشخص لحود بالذات، تخطّت الإشكاليات المباشرة معه منذ مدة طويلة، مركزة جهودها التغييرية على النهج الذي يحكم البلاد.
وتشير الى أن وقوف هذه القوى ضد تمديد ولاية لحود لم يكن وقوفاً ضد شخص رئيس الجمهورية، بل ضد نهج سعى الى ضرب الدستور والمؤسسات والديموقراطية والحريات العامة وقدرة الممثلين الحقيقيين للشعب اللبناني على إدارة شؤون البلاد بكرامة وباستقلالية بما يُراعي المصالح الاستراتيجية لسوريا ولبنان في آن.
وتشبّه هذه الأوساط كل سعي، بالتوقيت الحالي، لإطاحة لحود من رئاسة الجمهورية بذاك السعي المحموم لإنجاز التمديد. فإجبار لحود حالياً على الاستقالة بعدما أصبح التمديد واقعاً دستورياً مكتملاً هو طعنة قاسية توجّه ضد كرامة كل من رفع يده تأييداً لتعديل المادة 49 من الدستور تماماً كما كان رفع بعض الأيادي، في جلسة الثالث من أيلول الماضي، تنازلاً كبيراً عن مواقف حاسمة ومبدئية اتخذتها فئات سياسية ضد التمديد، وجرّت عليها انتقادات لاذعة هنا وغضباً ساطعاً هناك.
المشكلة بالنهج وليست بلحود
وفي ذهن الأوساط إياها أن المساهمة في إطاحة لحود بتوقيت يريده "التمديديون" معناه تسليم اللبنانيين، موالين ومعارضين، بالنهج المشكو منه وإقدامهم، عن سابق تصوّر وتصميم حيناً وبهاجس المبارزة الشخصية حيناً آخر، على إعطاء مخطط ضرب المقوّمات اللبنانية ما يحتاجه من "أوكسيجين" لإطالة عمره بحيث يتمكن من تحقيق أهدافه المخيفة على مستقبل البلاد.
وفي اعتقاد هذه الأوساط أن مشكلة المطالبين باستقالة لحود حالياً من "أبناء الخط" تكمن تحديداً في أن رئيس الجمهورية، ولو من موقع المنكفئ، يرفض رفضاً قاطعاً أن يحوّل نفسه الى مجرد قناع يتحرك من خلفه الحاكمون الفعليون الذين لا مصلحة لهم في الإطلالة المباشرة، على الرأي العام اللبناني والدولي، في هذا الظرف الدقيق حيث يظلل طيف القرار 1559 الجميع.
"خطايا" لحود
وترى الأوساط إياها أن امتعاض "الخط الوطني" من لحود تعاظم بفعل موقفه من قانون الانتخابات النيابية إذ تمسك بوجوب اعتماد القضاء دائرة انتخابية، وبفعل رفضه لحملة التخوين التي شنّت على فئات من المعارضة، وبفعل وقوفه الى جانب كل الخطوات التي من شأنها تعزيز الوحدة الوطنية كمباركته زيارة رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط الى دارة السيدة ستريدا سمير جعجع، وبفعل امتعاضه من بعض التعيينات الإدارية في مجلس الوزراء واضطراره الى الدخول على الخط في محاولة منه لإنقاذ بعض ما يمكن إنقاذه في مسيرة عهده الممدد، وبفعل عدم رضوخه لمنطق التسليم بالإيحاءات "الهابطة من فوق" بحجة أن "حرباً عالمية ثالثة شُنّت من أجل تمديد ولايته"، وبفعل قيامه بكل ما يلزم لإبقاء صلاته طبيعية وممتازة بالصرح البطريركي في بكركي.
العقل في مكان والمسؤولية في مكان آخر
وتستغرب هذه الأوساط الاتهامات التي يسوقها "الخط الوطني" ضد لحود الممددة ولايته، وذلك وفق المعطيات الآتية:
أولاً: إن أكثر التصريحات إطراء بالعماد ميشال عون أطلقها الوزير وئام وهّاب الذي له صلة بلحود ولكنه ليس محسوباً عليه، فلماذا يتم تحميله مسؤولية ما يحدث مع عون بعدما أفشل "جنرال المعارضة" مهمة الموفدين إليه من جهة لا علاقة للحود بها؟
ثانياً: إن لحود اضطر الى التخلي عن تمسكه بالياس المر وزيراً للداخلية وعن قادة أمنيين على صلة ممتازة به، فكيف يمكن تحميله، والحالة هذه، مسؤولية إقصاء الضباط المحسوبين على جنبلاط؟
ثالثاً: هل أن لحود، في عهد عدنان عضوم في وزارة العدل، هو المسؤول فعلياً عن إدخال هيثم الجردي الى السجن؟ وفي حال صحّت هذه "التهمة" لماذا تولى غير اللحوديين مفاوضة جنبلاط على إطلاق سراح الجردي في مقابل تغيير نهجه السياسي المعارض؟ وهل يمكن أن يكون الممسك بمفتاح السجن دخولاً هو غير الممسك بهذا المفتاح خروجاً؟
رابعاً: هل أن بعض التعيينات المشكو من صوابيتها في مجلس الوزراء تمّت بناء على رغبة لحود، أم استدعت حملة منظمة ضده اضطرته الى أن يسكت عليها بحيث تمر بلا خضة على مستوى الحكم والحكومة؟
إخفاء الأسباب الجوهرية
وعلى هذا الأساس، تؤكد الأوساط السياسية المراقبة أن محاولة تحميل لحود مسؤولية كل ما يحصل في البلاد، لا تتعدى كونها تزويراً للحقائق من جهة أولى وإخفاء للمسؤول الحقيقي عما يحصل من جهة ثانية، وإمعاناً في استغباء اللبنانيين، من جهة ثالثة.
وتشير الى أنه حان الوقت لإطلاق نقاش جدي حول الأسباب الجوهرية للمشاكل التي تتخبط بها البلاد وتدخلها في مآزق دستورية ومؤسساتية واقتصادية ومالية واجتماعية، في مقابل وجوب الإقلاع عن اختلاق أسباب سطحية وشكلية، بحيث تزيد المشاكل تجذراً وينزلق لبنان واللبنانيون في مستنقع من الوحول المتحركة.
وتطرح هذه الأوساط، بهدف إدارة نقاش حقيقي حول جوهر مشاكل لبنان، جملة أسئلة محورية أبرزها الآتي:
أولاً: لماذا تمّ التغاضي في مرحلة الاستحقاق الرئاسي عن التحذيرات التي أطلقتها مرجعيات سياسية في البلاد، محذّرة من مخاطر التمديد؟
ثانياً: إذا كان لحود بالذات راغباً بتمديد ولايته، فهل كان يملك القدرة على تحقيق ذلك أم أن ثمة من خاض عنه المعركة وأدخله إليها وجعله يقتنع أنه قادر، في ثلاث سنوات، على إنجاز كل ما عجز عنه في السنوات الست السابقة، مؤكداً له أنه سيُسهل أمامه تحقيق جملة وعود أطلقها فريقه، عشية التمديد؟
ثالثاً: هل أن لحود هو من رسم النهج المشكو منه داخلياً أم أنه ينسق في شأنه مع قوى مؤثرة أخرى، لأنه والحالة هذه كيف يصر على ترؤس كل جلسات مجلس الوزراء حين كان الرئيس رفيق الحريري في الحكم ثم يتنازل عن ذلك عند وصول الرئيس عمر كرامي الى الكرسي التي هجرها في العام 1992؟
رابعاً: هل أن لحود، بقوته السياسية الذاتية، كان قادراً على تعطيل الورقة التي قدّمها لبنان الى مؤتمر باريس ـ 2 أم أن ثمة من دفعه دفعاً الى ذلك؟
خامساً: لماذا تراجع لحود فجأة عن حواره المثمر والإيجابي مع الحريري، بعيد التمديد، لتأليف حكومة توحي بالثقة داخلياً وخارجياً، وارتضى السير، فجأة، بحكومة هو يعرف جيداً أن المعايير التي طالب بها لا تنطبق عليها، لا شكلاً ولا مضموناً؟
سادساً: إذا كان لحود يُمسك بتفاصيل اللعبة الداخلية، لماذا عجز عن توزير شارل رزق فيما نجح نجاحاً باهراً في توزير يوسف سلامة، ولماذا قبل باستبعاد الياس المر عن الداخلية والقبول بسامي منقارة في التربية؟
سابعاً: لماذا جاشت عاطفة لحود، عندما سأله نائب بارز شغل طوال عهده الأصلي منصباً وزارياً عن أسباب عجزه عن ضرب يده على الطاولة في هذه المرحلة؟
وبهذا المعنى، فثمة من يعتقد أن استقالة لحود في هذه المرحلة ليست حلاً للمشاكل التي تثور عليها المعارضة، بل هو حل تجميلي يمكن أن يقدّمه أركان في "الخط الوطني" لإبقاء المشاكل الجوهرية حيّة تُرزق.