قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في ساحة واسعة بجوار ساعة "بج بن" الشهيرة، وقف عشرات الألوف من اللندنيين ينتظرون الاحتفال بالسنة الجديدة، كان الطقس بارداً ولكن الأمل والتفاؤل وابتسامات الأطفال أشاعت دفئاً حولنا، ولكن قبل الاحتفال وقبل أن تدق "بج بن" أهم دقاتها التي نالت شهرة حول العالم من خلال الإذاعة البريطانية، وقف الجميع دقيقتين للمواساة وتذكر كارثة زلزال "تسونامي" الهائلة، التي ضربت جنوب شرق آسيا قبل أن يرحل العام المنصرم بأيام قليلة.
استحضرت ذكريات طيبة بينما كنت أتأمل وجه طفلة جميلة التصقت بأمها وهي تشد على يدها ودمعات باردة تسيل من مقلتي الأم، فلا أعرف هل هي لفقد حبيب جره حظه العاثر إلى السياحة في جنان الله الاستوائية هناك أم أنها مستحضرة الحدث الذي أصبح حدثاً محلياً في بريطانيا بفضل الإعلام الذي غطاه بشكل واسع، وحرك الحكومة البريطانية بتقريعها أحياناً وشكرها حيناً آخر حتى بلغت تبرعاتها لضحايا "تسونامي" 45 مليون جنيه.
عادت بي الذاكرة إلى ميدان سنابل الخير بكورنيش جدة قبل أكثر من عقد من الزمان، في ذلك الزمن الطيب قبل أن تصيبنا عدوى التنطع و"الإرهاب" والتطرف. كانت ليلة ربيعية تحول فيها الميدان إلى حفل كبير جمع مواطنين ومسؤولين تقدمهم سمو الأمير سعود بن عبد المحسن الذي احتضن هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في سنوات نشأتها الأولى وكان نائب أمير منطقة مكة المكرمة وقتها، بالإضافة إلى رجال أعمال لتدشين حملة "سنابل الخير" لجمع التبرعات للهيئة والتي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكبر هيئات الإغاثة في العالم، بفضل رجل فَقِه الإغاثة بفقه إسلامي صحيح، فحباه الله بقبول واسع محلياً وعالمياً. عرف كيف يتعامل مع العالم كله بدون حساسيات المتنطعين فحقق نجاحاً وسمعة طيبة للمملكة. إنه المرحوم فريد قرشي الذي أتمنى لو يسجل سيرته الطيبة واحد ممن عملوا معه وأحبوه، فهو نموذج نحتاجه اليوم بعد أن غابت عنا نماذج الاعتدال والتسامح والطيبة في الدعوة والعمل الإسلامي بعدما غيبهم أصحاب المنهج الخفي، والرأي الواحد ففرضوا هيمنتهم على العمل الإغاثي، واختطفوه فانتهوا بأنفسهم وبالأبرياء الصادقين إلى دائرة الاتهام والشبهة والمحاكم وقرارات الحل والمنع والمصادرة. كانت أياماً طيبة ولكن لابد أن تعود بعد أن نحرر الإسلام والدعوة ممن اختطفهما.
نعم، إن في أيدينا الكثير مما يشغلنا عن غيرنا، ونشعر بالظلم تجاه الاتهامات التي كيلت لنا بسبب أخطاء أقلية أساءت للعمل الإغاثي. ولا يكفي أنها أبعدت بل يجب أن تحاسب أيضاً، وأن نضع نظاما يمنع هؤلاء من استغلال ما جبلنا عليه من حب الخير، وما أمرنا به ديننا بأن للفقير والمعوز حقاً في مالنا وما حبانا الله من نعم. والتقارير تقول إن طوفان العصر أعوز أكثر من مليون ونصف مليون إنسان من حولنا.
صعوباتنا المحلية وتجربتنا المرة يجب ألا تمنعاننا من مد يد العون لإخواننا المسلمين وغير المسلمين، فهذا هو ديننا الحق وليس الدين الذي تحاول أقلية مغالية فرضه علينا. فلنفعِّل هيئة الإغاثة والندوة العالمية للشباب الإسلامي والهلال الأحمر السعودي وغيرها من مؤسسات الخير، وأصحاب الخبرة والتضحية والأمانة الذين جربناهم في أفغانستان والبوسنة وفلسطين والصومال ولم نرَ منهم إلا الخير.
إن بيننا وبين دول شرق آسيا علاقات قديمة وشراكة، وكثير من أبنائهم عملوا معنا يداً بيد في نهضتنا ومعيشتنا، وسوقها أصبح المستهلك النامي بسرعة لنفطنا، وفرص المستقبل بيننا وبينهم أبوابها مشرعة، ولكن الأرقام التي تبرعنا بها نحن العرب والمسلمين تبقى حتى الآن متواضعة بالمقارنة مع ما قدمته اليابان والغرب. فالولايات المتحدة التي تعاني من أكبر عجز في تاريخها زادت مساعداتها حتى الآن إلى أكثر من 350 مليون دولار. بينما بريطانيا التزمت بأكثر من 45 مليون جنيه كما سبق القول. بالمقابل نجد أن التبرعات العربية والإسلامية لا تزال دون المرجو.
إن في هذه المأساة فرصة لإحياء العمل الإسلامي الإغاثي الصحيح الذي يقدم لمن يحتاجه، وليس لمن نحب ويتوافق مع مسطرة "الصلاح والتقوى والعقيدة الصحيحة" التي استخدمها البعض خلال الحقبة الماضية، وتفعيل قدرات الخير الكامنة في نفس المواطن السعودي، وإبراز الوجه الحقيقي للمملكة المحبة للسلام والإنسانية، المنفتحة على العالم كله، الشقيقة للمسلم والعطوفة الحانية على كل إنسان في عوز وضنك.
أما إن لم نستطع أن نقدم أكثر مما قدمنا، فأقل القليل أن نواسيهم بكلمة طيبة لا أن نتشفى بجراحهم مثلما ذهب بعض خطباء المساجد كما يروي الأستاذ محمود عبد الغني صباغ في مقال له عن خطيب مسجدهم الذي عزا هذه الكارثة الطبيعية إلى أنها "عقاب إلهي، وغضب رباني، وانتقام سماوي، والجالب لهذا الطالع بالتحديد اليقيني، هو احتفال الناس بأعياد الكريسماس أو عيد المسيح المزعوم"، هكذا .! وبدلاً من أن تستقي خطبة الجمعة من الحدث المأساوي عبرة حسنة، وتستقيم دعاءً حسناً بالرحمة والمغفرة والمواساة، لأكثر من مئة ألف قتيل، ولمليون منكوب من إخواننا في الدين والإنسانية من الأمم المغلوبة على أمرها، استحالت الخطبة طرباً سادياً، وضرباً من ضروب السخرية الدنيئة والتعالي المُنفرّ "الكريه".
إن ضرباً من هذا الرأي السقيم نراه في حديث البعض وهو ما لن يتلقاه أخونا في إندونيسيا والهند وسريلانكا بالرضا، وإنما بالسخط والضيق، وسيجد فيه من يكيد للمملكة ودينها وشعبها فرصته للتأكيد على الخلل الفكري الذي يعيش بيننا، ومرة أخرى ندفع نحن الأغلبية المعتدلة المحبة للسلام وللإنسان الذي كرمه الله ضريبة الارتهان للأقلية المشحونة بالكراهية واحتقار الآخر.
وقديماً قالوا "قلْ خيراً وإلا فاصمت".